أخبار العالمالشرق الأوسطبحوث ودراسات

الشرق الأوسط: محور عدم الاستقرار والتنافس الدولي

إدريس أحميد

 

لم تعد منطقة الشرق الأوسط مجرد مساحة جغرافية، بل أصبحت أحد أهم مراكز عدم الاستقرار والتنافس الدولي. فمن الخليج إلى المشرق وشمال أفريقيا، تتداخل الصراعات المحلية مع الحسابات الإقليمية والدولية، وتتقاطع قضايا الأمن والطاقة والممرات البحرية والتجارة والنفوذ السياسي والعسكري.
وتكمن خطورة المشهد في تشابك أزماته؛ فما يحدث في الخليج يرتبط بالمشرق والبحر الأحمر، وما يجري في شمال أفريقيا يتصل بأمن المتوسط والساحل وأوروبا. لذلك تبدو المنطقة في حالة مستمرة من الجبهات المفتوحة والتهدئات الهشة و«اللاحرب واللاسلم».
الخليج وإعادة تشكيل التحالفات
يمثل الخليج إحدى أكثر بؤر التوتر حساسية، في ظل التنافس بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، ومخاوف دول الخليج من تحول أراضيها ومنشآتها الحيوية إلى ساحات مواجهة.
وتحتل إيران موقعاً محورياً في هذه المعادلة، بحكم موقعها الجغرافي وقدراتها العسكرية وشبكة علاقاتها ونفوذها في عدد من ساحات المنطقة. ويجعل التوتر بينها وبين إسرائيل والولايات المتحدة، إلى جانب علاقاتها مع دول الخليج، أي تطور في هذا المسار مؤثراً في مجمل التوازنات الإقليمية.
وفي المقابل، تسعى دول الخليج إلى تعزيز قدراتها الدفاعية وتنويع علاقاتها الدولية. ويبرز في هذا السياق التقارب السعودي مع تركيا وباكستان، بما يعكس اتجاهاً نحو ترتيبات أمنية تتجاوز الإطار الخليجي إلى فضاء الشرق الأوسط وجنوب آسيا.
فالسعودية تمثل ثقلاً اقتصادياً وسياسياً في الخليج، وتركيا قوة عسكرية ذات امتداد إقليمي، بينما تمتلك باكستان قدرات عسكرية وموقعاً استراتيجياً في جنوب آسيا. ومن ثم فإن هذا التعاون يعكس تحوّلاً في مفهوم الأمن الإقليمي، من الاعتماد على قوة خارجية واحدة إلى بناء شراكات متعددة.


جبهات متداخلة

من غزة ولبنان إلى سوريا والعراق واليمن، تتعدد جبهات الصراع، لكنها ليست منفصلة. فالتصعيد في جبهة يمكن أن يغير حسابات جبهة أخرى، بينما تتداخل القوة العسكرية مع العقوبات والاقتصاد والطاقة والفصائل الحليفة والدبلوماسية.
وتظل العلاقة بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة إحدى أهم ركائز الصراع، في وقت تحاول فيه دول المنطقة تجنب الانجرار إلى حرب شاملة تهدد أمنها واقتصاداتها.

المغرب العربي… امتداد للشرق الأوسط
يمثل المغرب العربي الامتداد الغربي للفضاء الإقليمي، وبوابة المنطقة إلى أفريقيا والمتوسط وأوروبا. وتضم المنطقة الجزائر والمغرب وتونس وليبيا وموريتانيا، وهي دول تختلف في أوضاعها لكنها تشترك في تحديات الأمن والتنمية والهجرة والطاقة والساحل.
وتبقى ليبيا الحلقة الأكثر هشاشة بسبب استمرار أزمتها السياسية وانقسام مؤسساتها، بينما تحاول تونس تجاوز أزماتها الداخلية. وتمتلك الجزائر إمكانات اقتصادية وعسكرية كبيرة وتسعى إلى تعزيز دورها الإقليمي، في حين يواصل المغرب توسيع حضوره الاقتصادي والدبلوماسي والعسكري، فيما تسعى موريتانيا إلى تعزيز التنمية والاستقرار في مواجهة مخاطر الساحل.
لكن هذه الإمكانات لم تتحول إلى قوة جماعية بسبب الخلافات السياسية، وفي مقدمتها التوتر الجزائري المغربي.
ويظل اتحاد المغرب العربي أبرز مثال على هذه المفارقة؛ فالدول الخمس تمتلك مقومات كتلة إقليمية مهمة، لكن الاتحاد بقي معطلاً، بينما تتزايد الحاجة إلى التعاون في التجارة والطاقة والنقل والأمن والتنمية.

شمال أفريقيا والعمق الأفريقي
لا يمكن فصل شمال أفريقيا عن القارة الأفريقية. فالمنطقة تمثل بوابتها الشمالية، في وقت أصبحت فيه أفريقيا ساحة متزايدة للتنافس الدولي على الطاقة والمعادن والأسواق والموانئ والنفوذ.
وهذا يمنح شمال أفريقيا فرصة للتحول من منطقة تتلقى تداعيات أزمات الساحل إلى جسر بين أفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط.
وتبرز هنا أهمية الدول العربية الأفريقية الست: مصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا. فهذه الدول، رغم اختلافها، تمتلك موقعاً استراتيجياً وموارد وقدرات وعلاقات دولية يمكن، إذا جرى تنسيقها، أن تمنح المنطقة وزناً أكبر في أفريقيا والبحر المتوسط والشرق الأوسط.
من ساحة للتنافس إلى قوة مؤثرة
تكشف المنطقة عن مفارقة واضحة: ثروات وموقع استراتيجي وقدرات كبيرة، مقابل انقسامات وأزمات تحول دون توظيف هذه الإمكانات جماعياً.
فالشرق الأوسط وشمال أفريقيا ليسا مجرد ساحات لصراع القوى الكبرى، بل يمتلكان القدرة على أن يصبحا مركزاً مؤثراً إذا نجحت دولهما في الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء التعاون.
وقد يكون إحياء التعاون المغاربي، وتعزيز التعاون بين الدول العربية الأفريقية، وتطوير ترتيبات أمنية إقليمية، خطوات في اتجاه بناء قوة أكثر استقلالاً وقدرة على حماية مصالحها.

وفي عالم تتزايد فيه المنافسة على الشرق الأوسط وأفريقيا، يصبح السؤال:
هل ستظل المنطقة ساحة للتنافس الدولي، أم تستطيع تحويل موقعها وثرواتها وقدراتها إلى قوة قادرة على صناعة نفوذها والمشاركة في رسم النظام الإقليمي والدولي؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق