أخبار العالمأمريكاالشرق الأوسطبحوث ودراسات

الفيزياء الجديدة للقوة.. ماذا تكشف المواجهة بين إيران والولايات المتحدة؟

أثار مقال توماس فريدمان، المنشور في “جلف بوست” بعنوان “الفيزياء الجديدة للقوة بين الولايات المتحدة وإيران”، سؤالًا يتجاوز تفاصيل الحرب: هل تغيرت قواعد القوة في الحروب الحديثة، بحيث لم يعد التفوق العسكري وحده كافيًا لحسم الصراع؟

يرى فريدمان أن الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة والمعلومات والتكنولوجيا منخفضة التكلفة جعلت الطرف الأصغر قادرًا على إلحاق أضرار كبيرة بالطرف الأكبر. لكن الحالة الإيرانية تبدو أكثر تعقيدًا من مجرد “صغير في مواجهة كبير”.

فإيران لم تدخل المواجهة معتمدة على الصواريخ والمسيّرات فقط، وإنما استفادت من شبكة إقليمية بنتها خلال عقود، ومن جغرافيتها، ومن موقعها على الخليج ومضيق هرمز، ومن علاقاتها مع قوى دولية مثل روسيا والصين، مع ضرورة عدم اعتبار هذه الدول حلفاء عسكريين لإيران بالمعنى المباشر.

قوة إيران ليست عسكرية فقط

الميزة الإيرانية الأساسية ربما تكمن في قدرتها على توزيع الضغط بدل حصر الحرب في جبهة واحدة. فوجود قوى حليفة أو مرتبطة بها في المنطقة، رغم ما تعرضت له من خسائر وضربات، يجعل من الصعب اختزال الحرب في مواجهة مباشرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.

كما أن الجغرافيا تمنح إيران ورقة إضافية. فمضيق هرمز ليس مجرد ممر بحري، وإنما أحد أهم شرايين الطاقة والتجارة العالمية.

وأي اضطراب كبير في حركة النفط والغاز والملاحة يرفع أسعار الطاقة والشحن والتأمين، ويؤثر في دول بعيدة عن منطقة الصراع. وهكذا تستطيع إيران، حتى وهي الطرف الأضعف عسكريًا، أن تجعل كلفة الحرب تتجاوز حدودها.

لكن هذه الورقة سلاح ذو حدين؛ فإيران نفسها تتضرر من تعطيل التجارة والطاقة. ولذلك فالأدق أن نقول إنها تستطيع استخدام الجغرافيا لإعادة توزيع كلفة الحرب، وليس أن تعطيل هرمز مكسب إيراني خالص.

الولايات المتحدة.. قوة هائلة وكلفة هائلة

في المقابل، لا تواجه الولايات المتحدة إيران وحدها، فهي مطالبة بحماية إسرائيل، وقواتها وقواعدها في المنطقة، وشبكة حلفائها، وأمن الملاحة والطاقة.

وهنا تظهر معضلة دول الخليج أيضًا. فهي ترتبط أمنيًا بالولايات المتحدة، لكنها في الوقت نفسه تقع جغرافيًا في دائرة التداعيات المباشرة لأي حرب مع إيران، ولذلك قد تجد نفسها داخل الحرب من دون أن تكون راغبة في اتساعها.

وهذا يعيدنا إلى جوهر فكرة فريدمان: قد لا يستطيع الطرف الأصغر هزيمة الأكبر، لكنه يستطيع أن يجعل انتصاره مكلفًا ومعقدًا.

الاقتصاد.. جبهة موازية

وتزداد أهمية هذه المسألة مع انتقال واشنطن إلى استخدام الاقتصاد كسلاح مباشر.

فقد أعلن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أن الولايات المتحدة تستعد لفرض “أقسى العقوبات في التاريخ” على إيران، داعيًا الدول الأخرى إلى التوقف عن التعامل مع النظام الإيراني، ومؤكدًا أن العقوبات ستؤدي، بحسب تقديره، إلى إسقاط النظام.

وهنا تظهر معادلة مقابلة: إذا كانت إيران تستخدم الصواريخ والمسيّرات والجغرافيا لرفع الكلفة العسكرية للحرب، فإن الولايات المتحدة تستخدم قوتها المالية والاقتصادية لرفع كلفة استمرار الحرب على إيران.

وبالتالي يصبح السؤال: من يستطيع تحمل كلفة الحرب والاستنزاف والعقوبات واضطراب الطاقة والتجارة لفترة أطول؟

هل تغيرت “فيزياء القوة” فعلًا؟

ربما يكون فريدمان قد التقط تحولًا حقيقيًا، لكن القول إن “الصغير أصبح كبيرًا” يحتاج إلى شيء من التحفظ.

فإيران لم تصبح مساوية للولايات المتحدة في القوة العسكرية أو الاقتصادية أو التكنولوجية. لكنها أصبحت قادرة على إلحاق ضرر أكبر، ورفع كلفة الحرب، وتوسيع مساحة المخاطر أمام خصم يفوقها قوة.

وفي المقابل، لا تزال الولايات المتحدة تمتلك مزايا ضخمة في الصناعة والاقتصاد والاستخبارات والتكنولوجيا والقدرة على إنتاج القوة.

لذلك فإن التكنولوجيا لا تلغي تفوق الكبير، لكنها تجعل استخدامه أكثر تعقيدًا.

الطاقة والبيانات.. قلب القوة الجديدة

وهنا تتجاوز معادلة القوة حدود السلاح التقليدي.

في عالم اليوم، من يملك الطاقة والبيانات لا يملك أدوات القوة فقط، بل يملك جزءًا من قلب العالم؛ فالطاقة تحرك الاقتصاد، والبيانات توجه القرار والتكنولوجيا.

وهذا ما يجعل الصراع على الطاقة والممرات البحرية، وعلى المعلومات والاتصالات والذكاء الاصطناعي، جزءًا أساسيًا من صراعات القوة في القرن الحادي والعشرين.

الخلاصة

ربما ليست “الفيزياء الجديدة للقوة” أن الصغير أصبح كبيرًا، وإنما أن القوة الأكبر لم تعد تضمن وحدها نصرًا سريعًا ومنخفض الكلفة.

الحرب الحديثة لا تُحسم بالصاروخ والطائرة فقط، وإنما بالمعلومات والجغرافيا والاقتصاد والطاقة والتحالفات والقدرة على التحمل.

ومن هنا فإن السؤال الأهم لم يعد: من يملك القوة الأكبر؟ بل: من يستطيع أن يحول قوته إلى نتيجة سياسية، ومن يستطيع أن يجعل خصمه يدفع كلفة أكبر لتحقيق أهدافه؟

وإذا كانت هذه هي “الفيزياء الجديدة للقوة” التي يتحدث عنها فريدمان، فإن المواجهة بين إيران والولايات المتحدة تكشف أيضًا عن “كيمياء جديدة للقوة”؛ أي عن تفاعل السلاح مع الجغرافيا، والمعلومات مع التكنولوجيا، والطاقة مع الاقتصاد، والتحالفات مع الزمن.

فالقوة اليوم لا تُقاس فقط بما تستطيع الدولة أن تضربه، وإنما أيضًا بما تستطيع أن تتحمله، وبما تستطيع أن تجعل خصمها يتحمله.

وهذه ربما هي النقطة الأهم التي تكشفها الحرب: لم تعد معادلة القوة بين كبير وصغير فقط، وإنما بين منظومات متشابكة من القوة والكلفة والبيانات والطاقة والقدرة على الصمود.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق