ميدل إيست آي: الحرب على إيران كانت كارثة استراتيجية لأمريكا وإسرائيل

قسم البحوث والدراسات الاستراتجية 26-06-2026
يعتبر الكاتب سامي العريان في هذا المقال، الذي نشره موقع “Middle East Eye” أن مقياس النصر في الحروب ليس في نسبة الدمار، بل بما يتحقق من أهداف. مشيراً الى أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على الجمهورية الإسلامية في إيران كانت تهدف الى إعادة صياغة نظام جديد لمنطقة غربي آسيا، يقوم حول التفوق الإسرائيلي المدعوم بالقوة الأمريكية، من خلال توفير الكيان المؤقت للأمن، وعزل إيران، وتهميش فلسطين، وإضعاف حركات المقاومة أو القضاء عليها.
لكن عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023 وما تلاها من أحداث حطمت هذه الرؤية، والنتيجة التي سعى نتنياهو وحلفاؤه إلى منعها أصبحت في نهاية المطاف أبرز نتائج الحرب: عادت فلسطين إلى مركز السياسة العالمية، ونجت إيران من الهجوم الذي كان يهدف إلى كسرها.
الحرب على إيران كانت كارثة استراتيجية لأمريكا وإسرائيل
عندما حذّر الكاتب المحافظ الجديد روبرت كاغان، الذي أمضى عقوداً في الترويج للحروب الأمريكية الدائمة، من أن المواجهة مع إيران قد تتحول إلى واحدة من أكبر الهزائم الاستراتيجية في التاريخ الأمريكي الحديث، اعتبر كثيرون تقييمه مبالغاً فيه ومثيراً للتهويل.
فالحكمة التقليدية السائدة في الغرب تقول إن إيران تعرضت لأضرار واسعة النطاق. فقد استُهدفت بنيتها العسكرية، واغتيل أبرز قادتها وكبار ضباطها وعلمائها، وتعرض اقتصادها لضربات قاسية، كما تلقّى محور المقاومة خسائر كبيرة على جبهات متعددة.
فكيف يمكن لأحد أن يتحدث عن انتصار إيراني في ظل هذه الظروف؟
تعتمد الإجابة على سؤال شغل خبراء الحروب والمؤرخين العسكريين لقرون: كيف ينبغي قياس النصر؟
إذا كانت الحروب تُقاس بحجم الدمار الذي يُلحق بالخصم، فإن الطرف الذي يمتلك تفوقاً عسكرياً ساحقاً سيبدو منتصراً في معظم الأحيان. لكن التاريخ يثبت مراراً أن الدمار والنصر ليسا الشيء نفسه.
فالولايات المتحدة دمّرت أجزاء واسعة من فيتنام، ومع ذلك فشلت في تحقيق أهدافها. والاتحاد السوفياتي ألحق أضراراً هائلة بأفغانستان، لكنه انسحب في النهاية مهزوماً.
كما أن الولايات المتحدة أمضت عقدين في أفغانستان وأنفقت تريليونات الدولارات، لتشاهد الحكومة التي بنتها تنهار خلال أيام من انسحابها. وفي العراق نفّذت تغييراً للنظام وحاولت إعادة هندسة المجتمع، قبل أن تضطر إلى الانسحاب بصورة مذلة بعد مواجهة مقاومة شرسة وإنفاق تريليونات الدولارات.
في كل هذه الحالات، أثبتت القوة العسكرية قدرتها على التدمير، لكنها لم تثبت قدرتها بالضرورة على فرض النتائج السياسية. وهذه التفرقة أساسية لفهم المواجهة الأخيرة بين إيران والمحور الأمريكي–الإسرائيلي.
فالحرب لم تكن في جوهرها تدور حول تخصيب اليورانيوم، ولم تكن مجرد صراع على الصواريخ أو العقوبات أو الدعم الإيراني للحلفاء الإقليميين.
في أساسها، كانت معركة حول ميزان القوى المستقبلي في غربي آسيا. فقد سعت واشنطن وتل أبيب إلى ترسيخ نظام إقليمي يقوم على التفوق الإسرائيلي والهيمنة الأمريكية، وإجبار إيران على التخلي عن السياسات والتحالفات التي جعلت منها العقبة الرئيسية أمام هذا المشروع.
وبهذا المعيار، لم تنته الحرب باستسلام إيران، بل بفشل عميق للمشروع الأمريكي–الصهيوني.
نظام إقليمي جديد
لفهم الانتصار الإيراني، يجب العودة إلى ما قبل إطلاق أول صاروخ.
في 22 سبتمبر 2023، وأمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، كشف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن رؤيته لـ”الشرق الأوسط الجديد”.
الخريطة التي عرضها كانت تمحو فلسطين عملياً، وتعامل القضية التي اعتُبرت لعقود القضية المركزية في المنطقة بوصفها مشكلة جرى حلها بالفعل.
ووفق هذه الرؤية، فإن المستقبل يعود لاتفاقيات التطبيع المعروفة باسم “اتفاقيات أبراهام”، والممرات الاقتصادية، والتكامل التكنولوجي، والشراكات الاستراتيجية التي تربط إسرائيل بالخليج وما بعده.
لكن اتفاقيات أبراهام لم تكن سوى البداية.
فدمج إسرائيل ضمن القيادة المركزية الأمريكية، وتوسيع العلاقات مع دول الخليج الحليفة لواشنطن، ومشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، كلها كانت تشير إلى نظام إقليمي تصبح فيه إسرائيل القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية المهيمنة.
وكان من المفترض أن توفر إسرائيل الأمن، وأن تُعزل إيران، وتُهمّش فلسطين، وتُضعف حركات المقاومة أو تُقضى عليها، ليُعاد تنظيم المنطقة أخيراً حول التفوق الإسرائيلي المدعوم بالقوة الأمريكية.
غير أن أحداث 7 أكتوبر 2023 حطمت هذه الرؤية.
فما تلا ذلك لم يكن مجرد حرب على غزة، بل صراعاً إقليمياً على شكل النظام السياسي المستقبلي للشرق الأوسط. وكانت الحملات اللاحقة ضد غزة ولبنان واليمن وسوريا والعراق ثم إيران، إضافة إلى محاولة الاستيلاء على مساحات واسعة من الضفة الغربية، كلها مترابطة ضمن هذا الهدف الأكبر.
لكن النتيجة التي سعى نتنياهو وحلفاؤه إلى منعها أصبحت في نهاية المطاف أبرز نتائج الحرب: عادت فلسطين إلى مركز السياسة العالمية، ونجت إيران من الهجوم الذي كان يهدف إلى كسرها.
استندت الاستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية لسنوات إلى افتراض أن الضغوط العسكرية المستمرة، والحرب الاقتصادية، والعقوبات الواسعة، والعمليات السيبرانية، والاغتيالات، وإثارة الاضطرابات الداخلية، يمكن أن تؤدي في النهاية إلى انهيار سياسي أو استسلام استراتيجي إيراني.
لكن شيئاً من ذلك لم يتحقق.
فقد عانت الجمهورية الإسلامية كثيراً، وخصوصاً اقتصادياً، إلا أن نظامها بقي متماسكاً. واستمرت مؤسسات الدولة في العمل، وبقيت هياكل القيادة فاعلة، وتم انتقال القيادة من دون اضطراب منهجي، وواصلت الوزارات أداء مهامها.
كما أثبتت الصورة النمطية التي روجت لها الدعاية الغربية والإسرائيلية عن إيران باعتبارها “نظاماً ثيوقراطياً غير عقلاني” أنها ليست فقط مبالغاً فيها، بل مكلفة استراتيجياً أيضاً.
لقد حافظت إيران على سيادتها. فمثل هذه الحروب تُخاض أساساً بهدف إخضاع الإرادة السياسية لا احتلال الأراضي.
ومع ذلك، ورغم شدة المواجهة، لم يحدث استسلام، ولم تُفرض تسوية من الخارج، ولم تقبل إيران بالتفوق الإسرائيلي، ولم تتخلَّ عن استقلالية قرارها.
مؤشر الهزيمة
إن التباين بين الأهداف التي أطلقت الحرب والواقع الذي نشأ بعدها لا يمكن أن يكون أوضح.
بدأت الحرب بمطالب تعادل عملياً استسلاماً استراتيجياً. وانتهت بمفاوضات قبلت، من حيث الجوهر، كثيراً من المواقف التي أصرت عليها إيران منذ بداية الأزمة.
وخلال المواجهة كلها، حافظت طهران على موقف ثابت بصورة لافتة: لا يمكن للدبلوماسية أن تتقدم إلا بعد توقف العدوان.
وتفترض دبلوماسية الإكراه أن الضغط العسكري يولّد أوراق تفاوض، لكن إيران قلبت هذه المعادلة فعلياً، بإصرارها على أن الضغط نفسه يجب أن يتوقف قبل بدء أي مفاوضات ذات معنى. ومع تطور الصراع، أصبحت واشنطن تبحث بصورة متزايدة عن مخرج دبلوماسي بدلاً من فرض شروطها.
وقد ظهر أوضح دليل على هذا التحول لا في ساحة المعركة، بل على طاولة المفاوضات.
فمذكرة التفاهم التي تم التوصل إليها في إسلام آباد كشفت حجم التراجع الأمريكي عن مواقفه القصوى الأصلية. فبعيداً عن أن تشبه الشروط المفروضة على دولة مهزومة، اعترفت الوثيقة بإيران بوصفها دولة ذات سيادة لا غنى عن تعاونها لتحقيق الاستقرار الإقليمي.
أبرز بنود مذكرة إسلام آباد
يُقال إن الاختراق الأساسي في مذكرة التفاهم يتمثل في التزام الولايات المتحدة وإيران وحلفائهما بالوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان. ويُعد ذلك اعترافاً سياسياً مباشراً بالطابع الإقليمي للحرب، وبشكل ضمني بمحور المقاومة باعتباره جزءاً من المعادلة الاستراتيجية.
لقد سعت واشنطن وتل أبيب طويلاً إلى التعامل مع كل جبهة على حدة، فعزل غزة عن لبنان، ولبنان عن إيران، وإيران عن شبكة المقاومة الإقليمية الأوسع. أما إيران فأصرت على العكس تماماً، معتبرة أن الحرب يجب أن تنتهي على جميع الجبهات، لا على الجبهة الإيرانية وحدها.
وإذا تم الالتزام بهذا البند، فإنه يمثل إنجازاً إيرانياً كبيراً لأنه يربط أمن لبنان والجبهة الإقليمية الأوسع بإنهاء العدوان الأمريكي–الصهيوني. ويبقى من غير الواضح كيف ستُدرج غزة ضمن هذا الترتيب، إذ تؤكد إيران أنها مشمولة به، بينما يواصل الكيان الصهيوني رفض هذا التفسير.
والأهم أن الوثيقة تُلزم الطرفين باحترام سيادة كل منهما ووحدة أراضيه، والامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية.
فمنذ الانقلاب على رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدّق عام 1953، وخصوصاً منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، سعت واشنطن مراراً إلى التأثير في المسار الداخلي الإيراني عبر العقوبات والتخريب والعمليات السرية والضغوط السياسية ودعم القوى الساعية إلى زعزعة الاستقرار. ولذلك فإن التعهد بعدم التدخل، إذا طُبق بصدق، يشكل تراجعاً كبيراً عن عقود من سياسات تغيير النظام.
وهذا يعني أن أي محاولة لتسليح الجماعات الانفصالية أو تقويض استقرار الدولة أو السعي إلى إسقاطها ستُعد انتهاكاً للاتفاق نفسه.
وفي تنازل بحري مهم، تُلزم المذكرة واشنطن برفع الحصار البحري المفروض على إيران وإنهاء القيود المفروضة عليها، مع سحب قواتها تدريجياً من المناطق القريبة من الجمهورية الإسلامية.
كما تمنح المذكرة إيران دوراً محورياً في إعادة تأمين الملاحة عبر مضيق هرمز، بما يشمل إزالة الألغام والترتيبات التقنية ومناقشة ترتيبات مستقبلية مع سلطنة عُمان والدول المشاطئة الأخرى بشأن الإدارة والخدمات البحرية.
تراجعات كبرى
تكشف البنود الاقتصادية والدبلوماسية الأوسع حجم هذا التراجع بصورة أكثر وضوحاً.
فبدلاً من زيادة عزل إيران، تتضمن المذكرة ـ بحسب ما ورد ـ مساعدات لإعادة الإعمار، واندماجاً اقتصادياً، وتخفيفاً للعقوبات، واستئنافاً لصادرات النفط، وإتاحة الوصول إلى الأصول المجمدة، وإعفاءات مصرفية وتأمينية، وإطاراً لتطبيع العلاقات التجارية.
كما لا تُلزم المذكرة إيران بتفكيك برنامجها النووي أو التخلي عن التخصيب.
وتكرر إيران موقفها المعروف بأنها لا تسعى إلى امتلاك سلاح نووي، لكن مسائل التخصيب والمواد النووية تُترك لترتيبات تفاوضية، لا لشروط استسلام مفروضة. ولم تُجبر إيران على قبول “النموذج الليبي”، أو تفكيك بنيتها التحتية النووية، أو التخلي عن قدراتها التكنولوجية.
كذلك تحظر المذكرة فرض عقوبات جديدة أو نشر قوات إضافية خلال فترة المفاوضات، ما يحد من قدرة واشنطن على التصعيد أثناء استمرار المحادثات.
كما أن الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، وإمكانية تثبيت الاتفاق مستقبلاً بقرار ملزم من مجلس الأمن الدولي، من شأنهما أن يقيّدا أي محاولات مستقبلية للعودة إلى سياسة “الضغط الأقصى”.
وإذا نُفذت هذه البنود كما وردت، فإنها ستشكل أحد أكبر التحولات الاستراتيجية في السياسة الأمريكية تجاه إيران خلال العقود الأخيرة.
ولذلك فإن مذكرة التفاهم ليست مجرد وثيقة دبلوماسية، بل تُعد مؤشراً على فشل الاستراتيجية الأمريكية–الصهيونية.
فالحرب بدأت بمطالب تدعو عملياً إلى استسلام إيران، وانتهت بتعهدات أمريكية بوقف الحرب، واحترام السيادة، ورفع الحصار، وسحب القوات، ومناقشة تخفيف العقوبات، والسماح بتصدير النفط، والإفراج عن الأصول المجمدة، والتفاوض حول الملف النووي من دون فرض تفكيك أو إملاءات استسلامية.
ولهذا السبب تحديداً عارض الكيان الصهيوني وأنصاره هذه المذكرة بشدة.
فبالنسبة لبنيامين نتنياهو، تمثل مذكرة التفاهم كارثة استراتيجية. إذ سعى مراراً إلى توسيع نطاق الصراع واستخدام الساحة اللبنانية وسيلة لإفشال المفاوضات، لكن هذه الاستراتيجية اصطدمت في نهاية المطاف بالمصالح الأمريكية.
ومع تقدم المفاوضات، أظهرت إيران استعدادها لتعليق المحادثات، مع توجيه إشارات واضحة إلى أن أي تصعيد جديد في لبنان قد يؤدي إلى رد أوسع نطاقاً، ولا سيما ضد شمال فلسطين المحتلة.
عند تلك المرحلة، وجدت إدارة ترامب نفسها أمام خيار صعب: إما مواصلة دعم جهود بنيامين نتنياهو الرامية إلى توسيع الحرب، أو الحفاظ على إمكانية التوصل إلى تسوية دبلوماسية. وقد اختارت الخيار الثاني.
ولعل هذه كانت المرة الأولى منذ عقود التي يُنظر فيها داخل واشنطن إلى التصعيد الإسرائيلي باعتباره عبئاً استراتيجياً لا مكسباً استراتيجياً.
ولم يكن كبح ترامب لنتنياهو نابعاً من اعتبارات إنسانية، بل لأنه رأى أن أهداف نتنياهو باتت تهدد الأهداف الأمريكية، وكذلك الاستقرار الاقتصادي العالمي الذي تعتمد عليه مكانته السياسية الداخلية.
فعندما بدأت مخزونات الصواريخ الاعتراضية الأمريكية تتآكل، واضطربت أسواق الطاقة، وأصبحت احتياطات النفط الاستراتيجية قضية حساسة سياسياً، وبرز خطر تحول مضيق هرمز من ساحة حرب إقليمية إلى أزمة اقتصادية عالمية، تحولت شهية نتنياهو للتصعيد المفتوح إلى مصدر خطر ليس على إيران أو لبنان فحسب، بل على واشنطن نفسها أيضاً.
أبعد من النفط
تركز جانب كبير من النقاش حول مضيق هرمز على النفط والغاز، وهو أمر مفهوم لكنه غير كافٍ لفهم الصورة الكاملة.
فالنفط والغاز ما زالا عنصرين أساسيين في الاقتصاد العالمي، ويمر عبر المضيق ما يقارب خُمس منتجات الطاقة المتداولة عالمياً. غير أن ما كشفته الحرب هو وجود نقاط ضعف تتجاوز أسواق الطاقة بكثير.
فأكثر من ثلث الإمدادات العالمية من غاز الهيليوم يُصدَّر من منطقة الخليج، ولا سيما من قطر والإمارات العربية المتحدة، عبر مسارات بحرية معرضة للتعطل في حال تعطلت الملاحة في مضيق هرمز.
ويُعد الهيليوم مادة لا غنى عنها للتكنولوجيا الحديثة، إذ يُستخدم في صناعة أشباه الموصلات، وأجهزة التصوير الطبي، والأنظمة الفضائية والجوية، وإنتاج الألياف الضوئية، والأبحاث العلمية المتقدمة.
وينطبق الأمر نفسه على أسواق الأسمدة.
فدول الخليج تستحوذ على حصة كبيرة من التجارة العالمية للأمونيا واليوريا، إذ تشير بعض التقديرات إلى أنها تمثل نحو 23 في المئة من تجارة الأمونيا العالمية و34 في المئة من تجارة اليوريا. ولذلك فإن أي تعطيل طويل الأمد للملاحة عبر مضيق هرمز من شأنه أن يؤثر في إنتاج الغذاء وأسعار المنتجات الزراعية وسلاسل التوريد في قارات متعددة.
وما أظهرته إيران تجاوز مجرد القدرة على تهديد تدفقات النفط؛ فقد برهنت على قدرتها على فرض تكاليف باهظة على البنية التحتية الأوسع للاقتصاد العالمي.
ولم تكن بحاجة إلى هزيمة الولايات المتحدة عسكرياً، بل كان يكفيها أن تثبت أن أي تصعيد سيترتب عليه ثمن اقتصادي وجيوسياسي لا يمكن تحمله.
كما كشفت الحرب عن نقاط ضعف جوهرية في مفهوم “هيمنة التصعيد”.
فعلى مدى عقود، استندت العقيدة العسكرية الأمريكية إلى افتراض أن التفوق التكنولوجي الساحق يتيح للولايات المتحدة التحكم في وتيرة الصراعات ونتائجها. لكن المواجهة مع إيران أظهرت أن التفوق العسكري والتكنولوجي لا يترجم بالضرورة إلى نجاح سياسي.
وخلال الحرب، اعتمدت الولايات المتحدة وإسرائيل بصورة كبيرة على منظومات دفاعية متطورة، من بينها ثاد وArrow وDavid’s Sling وصواريخ الاعتراض SM-3 وSM-6.
وقد أثبتت هذه الأنظمة فعاليتها في العديد من الحالات، ولكن بكلفة استثنائية، إذ تشير تقارير إلى استهلاك مئات الصواريخ الاعتراضية المتطورة خلال المراحل المتعاقبة من المواجهة.
وتخلق أنظمة الدفاع الصاروخي الحديثة اختلالاً كبيراً في معادلة الكلفة، لأن الصواريخ الهجومية غالباً ما تكون أقل ثمناً بكثير من الأنظمة الدفاعية المطلوبة لاعتراضها. وبالتالي يستطيع خصم مصمم على الاستمرار أن يفرض أعباء مالية ولوجستية هائلة بمجرد مواصلة الضغط.
ركيزتان أساسيتان
إن تداعيات هذه المواجهة تتجاوز إيران وإسرائيل، بل تتخطى الشرق الأوسط نفسه.
فالأزمة كشفت عن ركيزتين أساسيتين استندت إليهما القوة العالمية الأمريكية لأكثر من نصف قرن: نظام البترودولار، وشبكة القواعد العسكرية التي تشكل أساس النفوذ الأمريكي حول العالم.
فمنذ أوائل سبعينيات القرن الماضي، لم يعتمد الموقع المتميز للدولار في الاقتصاد العالمي على حجم الاقتصاد الأمريكي فحسب، بل أيضاً على قدرة واشنطن على ضمان أمن تدفقات الطاقة والحفاظ على نفوذها السياسي في المناطق الرئيسية المنتجة للنفط.
وقد كشفت المواجهة مع إيران عن هشاشة متزايدة في هذا النموذج، إذ أظهر التعطيل المؤقت لحركة الملاحة عبر مضيق هرمز أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على ضمان التدفق المستمر للطاقة من دون تحمل أكلاف سياسية وعسكرية واقتصادية ضخمة.
كما سرّعت الحرب النقاشات الجارية أصلاً بين القوى الكبرى حول آليات الدفع البديلة، وترتيبات التجارة بالعملات المحلية، والجهود الرامية إلى تقليص الاعتماد على الدولار في التجارة الدولية.
فالحرب لم تُنشئ ظاهرة الابتعاد عن الدولار، لكنها عززت الانطباع بأن النظام المالي المرتبط بالإكراه الجيوسياسي ينطوي على مخاطر متزايدة.
وعلى مدى عقود، حافظت واشنطن على شبكة واسعة من القواعد العسكرية الممتدة عبر الخليج والشرق الأوسط الأوسع.
لكن الحرب أظهرت أن كثيراً من هذه القواعد أصبح يمثل عبئاً بقدر ما يمثل مصدر قوة.
فالمنشآت التي كانت تُعتبر سابقاً رمزاً للهيمنة الأمريكية بدت أكثر فأكثر أهدافاً مكشوفة للصواريخ والطائرات المسيّرة وأشكال الحرب اللامتماثلة الأخرى.
كما أن منطق الوجود العسكري الدائم يتغير عندما تصبح كل قاعدة رئيسية عرضة للهجوم، وعندما يحمل كل انتشار عسكري تكاليف سياسية ومالية متزايدة باستمرار.
وفي نهاية المطاف، قد لا يكون أعظم إنجاز حققته إيران هو ما دمّرته، بل ما كشفته.
فقد أظهرت أن الأسس المالية والعسكرية التي تستند إليها الهيمنة الأمريكية أصبحت أكثر كلفة للحفاظ عليها، وأكثر صعوبة في الدفاع عنها.
وينطبق المبدأ نفسه على محور المقاومة
فلا شك أن هذه الشبكة تعرضت لخسائر جسيمة؛ إذ دفعت حركة حماس ثمناً باهظاً، وتلقى حزب الله أضراراً كبيرة، كما واجهت حركات المقاومة في مختلف أنحاء المنطقة ضغوطاً غير مسبوقة.
غير أن الهدف لم يكن مجرد إضعاف هذه القوى، بل تفكيكها بالكامل، وهذا الهدف فشل في التحقق.
فقد بقيت حماس موجودة، وصمد حزب الله، وواصلت المقاومة اليمنية نشاطها، واستمرت فصائل المقاومة العراقية في العمل، والأهم من ذلك أن إيران بقيت الركيزة المركزية لهذه الشبكة بأكملها.
ولعل أكبر مفارقة في هذه المواجهة كلها أن المشروع الذي صُمم لتهميش فلسطين انتهى بإعادتها إلى مركز السياسة الدولية.
فقبل السابع من أكتوبر، كان يُفترض أن يحل التطبيع محل التحرير، وكانت اتفاقيات أبراهام، ومشروع الممر الاقتصادي الهندي–الشرق أوسطي–الأوروبي، والرؤية الأوسع لما سُمّي “الشرق الأوسط الجديد”، كلها تقوم على افتراض أن بالإمكان تجاوز القضية الفلسطينية.
لكن الحرب حطمت هذا الافتراض، وأظهرت مجدداً أنه لا يمكن بناء نظام إقليمي مستقر ودائم على أساس الاحتلال والفصل العنصري والحرمان الدائم لشعب أصيل من حقوقه.
لقد تلقت رؤية “الشرق الأوسط الجديد” القائمة على التفوق الإسرائيلي انتكاسة عميقة.
فقد سعت الولايات المتحدة وإسرائيل إلى تغيير إيران، بينما سعت إيران فقط إلى منع خصومها من تحقيق ذلك.
فشل الطرف الأول، ونجح الطرف الثاني.
امتلك التحالف الأمريكي–الصهيوني تفوقاً عسكرياً ساحقاً، لكن بعد أشهر من المواجهة وجدت الولايات المتحدة نفسها تتفاوض مع الدولة ذاتها التي كانت تأمل في إضعافها، وتكبح جماح الحليف نفسه الذي دعمت طموحاته لسنوات طويلة، وتواجه واقعاً إقليمياً أقل ملاءمة لأهدافها مما كان عليه قبل اندلاع الحرب.
وفي النهاية، حققت إيران أمراً يتجاوز بكثير مجرد الانتصار العسكري المباشر.
فقد حرمت واشنطن وتل أبيب من تحقيق الأهداف السياسية التي شُنت الحرب من أجلها، وهو المعيار الحاسم للنجاح في الصراعات غير المتكافئة.



