أخبار العالمأمريكاالشرق الأوسطبحوث ودراسات

إيكونوميست: حرب نتنياهو ضد لبنان تضعه بمواجهة مباشرة مع ترامب

تشهد الساحة الإقليمية تصاعداً في التوتر بين الاحتلال الإسرائيلي ولبنان، في وقت تتقاطع فيه العمليات العسكرية جنوب لبنان مع تحركات دبلوماسية أمريكية إيرانية، ما يضع الحكومة الإسرائيلية أمام ضغوط متزايدة قد تنعكس على علاقتها مع واشنطن، وفق ما رصدته تقارير غربية.

نشرت مجلة “إيكونوميست” تقريراً مطولاً رأت فيه أن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان لا يقتصر على كونه مواجهة مع حزب الله، بل بات عاملاً قد يعيد تشكيل العلاقة بين إسرائيل وواشنطن، في ظل تباين متزايد حول إدارة الحرب وحدودها السياسية والعسكرية.

وانطلق التقرير من مشاهد ميدانية رصدها مراسل المجلة خلال زيارة إلى بلدة مجدل زون في محافظة صور جنوب لبنان، حيث بدت البلدة التي كانت مأهولة سابقاً وقد تحولت إلى مساحات مدمرة بالكامل، بعد موجات من الغارات الجوية الإسرائيلية التي دفعت غالبية السكان، ومعظمهم من الطائفة الشيعية، إلى مغادرة منازلهم تحت ضغط القصف.

ووفق ما أورده التقرير، فإن البلدة تعاني من انقطاع شبه تام للكهرباء، مع غياب شبه كامل للحياة المدنية، باستثناء نقاط عسكرية محدودة تابعة للجيش الإسرائيلي، بينها مركز قيادة صغير يتمركز داخل البلدة، ونفق تحت الأرض يمتد لمسافة تقارب 170 متراً أسفل مركزها.

وبحسب الوصف الذي نقلته المجلة عن الزيارة الميدانية التي نظمتها القوات الإسرائيلية، فإن هذا النفق يحتوي على معدات وأجزاء يُعتقد أنها مرتبطة بتجميع طائرات مسيّرة، بعضها من أصل إيراني، تقول إسرائيل إن حزب الله جلبها إلى المنطقة واستخدمها في عمليات هجومية ضد أهداف داخل إسرائيل.

وتضيف “إيكونوميست” أن تلك الطائرات المسيّرة كانت تُطلق من مواقع مختلفة داخل القرية، مع الاعتماد على أنظمة توجيه تعتمد على تحديد المواقع عبر الأقمار الصناعية، في إطار ما تعتبره إسرائيل تهديداً متصاعداً على حدودها الشمالية.

وفي هذا السياق، يشير التقرير إلى أن الجيش الإسرائيلي يسعى من خلال إظهار هذه المواقع إلى التأكيد على طبيعة التهديد الذي يواجهه في جنوب لبنان، مبرراً استمرار عملياته العسكرية هناك بمحاولة تفكيك البنية التحتية العسكرية لحزب الله، ومنع تكرار الهجمات.

وينتقل التقرير بعد ذلك إلى البعد السياسي الأوسع، حيث يربط بين التطورات العسكرية في لبنان وبين المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران، والتي بدأت في 21 يونيو في جنيف، ضمن مسار تفاوضي يهدف إلى التوصل إلى تفاهم جديد حول عدة ملفات إقليمية، من بينها البرنامج النووي الإيراني ومستقبل التوترات في المنطقة.

وتوضح “إيكونوميست” أن هذه المحادثات جاءت بعد توقيع مذكرة تفاهم بين الجانبين تتضمن 14 بنداً، من بينها وقف إطلاق النار في لبنان، إضافة إلى ترتيبات تتعلق بمضيق هرمز والأصول الإيرانية المجمدة، إلى جانب فتح نافذة زمنية تمتد لستين يوماً للتفاوض حول ملفات أكثر حساسية، بينها مستقبل مخزون اليورانيوم الإيراني.

وفي موازاة ذلك، يسجل التقرير تصعيداً ميدانياً لافتاً في 19 يونيو، عندما استهدفت طائرة مسيّرة تابعة لحزب الله دبابة إسرائيلية، ما أسفر عن مقتل أربعة جنود، بينهم قائد كتيبة، وهو ما دفع إسرائيل إلى تنفيذ موجة جديدة من الغارات الجوية داخل لبنان، أسفرت عن مقتل 47 شخصاً على الأقل وفق ما أوردته المجلة.

ويشير التقرير إلى أن هذا التصعيد دفع إيران إلى التلويح بالانسحاب من مسار المحادثات مع الولايات المتحدة، ما استدعى ضغوطاً أمريكية إضافية باتجاه احتواء الموقف ومنع انزلاقه إلى مواجهة إقليمية أوسع.

وفي المقابل، يلفت التقرير إلى أن إسرائيل أكدت استمرار عملياتها العسكرية في ما تسميه “المنطقة الأمنية” داخل جنوب لبنان، مع التمسك بحقها في الرد على أي هجمات تستهدف قواتها، حتى في ظل الحديث عن تفاهمات لوقف إطلاق النار.

وبحسب “إيكونوميست” فإن هذه التطورات تضع الموقف في منطقة رمادية، حيث لا يبدو أن وقف إطلاق النار المستند إلى التفاهمات الجديدة قادر على إنهاء المواجهة بشكل كامل، خاصة مع استمرار امتلاك حزب الله لقدرات عسكرية تعتبرها إسرائيل تهديداً مباشراً لأمنها.

أضافت المجلة أن أحد أبرز المخاوف يتمثل في أن أي خرق جديد للهدوء قد يعيد المنطقة إلى دائرة تصعيد واسعة، خصوصاً إذا ردت إسرائيل بقوة على هجمات جديدة، ما قد يفجر مواجهة جديدة في لبنان.

وتتوسع المجلة في تحليل البعد الإقليمي، مشيرة إلى أن إسرائيل تنظر إلى مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران باعتبارها عاملاً قد يمنح إيران نفوذاً أكبر في الساحة اللبنانية، وهو ما تعتبره تهديداً مباشراً لقدرتها على الردع والدفاع عن حدودها الشمالية.

وحذرت “إيكونوميست” من أن إسرائيل ترى نفسها اليوم أمام تراجع في بعض المكاسب التي حققتها خلال السنوات الأخيرة في مواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة، في ظل تغيرات في البيئة الدولية والإقليمية.

وفي السياق ذاته، تنقل المجلة عن مسؤولين أمريكيين، بينهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونائبه جيه دي فانس، تصريحات انتقدت الحكومة الإسرائيلية، مشيرة إلى ضغوط متزايدة من واشنطن على تل أبيب لإعادة تقييم سياساتها العسكرية في لبنان وغزة.

وأضافت المجلة أن هذه الضغوط تعكس تحولات في الموقف الأمريكي، خصوصاً فيما يتعلق بالاعتماد العسكري والسياسي المتبادل بين البلدين، مع تزايد الدعوات داخل الإدارة الأمريكية لضبط إيقاع العمليات الإسرائيلية في المنطقة.

وتخلص “إيكونوميست” في تحليلها إلى أن الحكومة الإسرائيلية تواجه معضلة استراتيجية حقيقية، إذ إن المضي في ما تعتبره حماية أمنها القومي قد يضعها في مواجهة مباشرة مع واشنطن، في وقت تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع اعتبارات سياسية داخلية معقدة.

وأشار المجلة إلى أن هذه المعادلة لا تتعلق برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وحده، بل تمتد إلى بنية القرار السياسي والأمني في إسرائيل، التي تجد نفسها أمام مرحلة اختبار طويلة المدى ستحدد شكل علاقاتها مع الولايات المتحدة، ومسار الصراع في المنطقة خلال المرحلة المقبلة.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق