أخبار العالمأمريكاالشرق الأوسط

مذكرة التفاهم الإيرانية – الأمريكية: من الميدان إلى الدبلوماسية وترسيخ معادلات ما بعد الحرب

دخلت المواجهة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأمريكية مرحلة جديدة مع الإعلان عن التوصل إلى مذكرة تفاهم شاملة أنهت الحرب التي اندلعت خلال الأسابيع الماضية، لتنتقل المعركة من ساحات المواجهة العسكرية إلى ميادين السياسة والدبلوماسية وتنفيذ الالتزامات المتبادلة. فالمسؤولون الإيرانيون يقدمون الاتفاق بوصفه ثمرة مباشرة للصمود العسكري والقدرات الردعية التي فرضت على واشنطن القبول بشروط جديدة لم تكن مطروحة قبل اندلاع الحرب.

وبحسب ما أعلنته وزارة الخارجية الإيرانية، فقد تم توقيع مذكرة التفاهم بصورة رقمية من قبل رئيسي البلدين، وأصبح النص نهائياً ورسمياً بعد استكمال إجراءات التوقيع باللغتين الفارسية والإنجليزية.

وترى طهران أن الانتقال إلى مرحلة التوقيع يرفع كلفة أي محاولة للتنصل من الالتزامات أو التراجع عن البنود المتفق عليها، خصوصاً في ظل الأجواء الإقليمية والدولية التي رافقت المفاوضات الطويلة والمعقدة.

وتؤكد إيران أن المفاوضات لم تكن مجرد عملية سياسية منفصلة عن التطورات الميدانية، بل جاءت امتداداً مباشراً لما تعتبره انتصاراً تحقق في ساحة المواجهة. ففي الرواية الإيرانية، لعبت الإنجازات العسكرية دوراً أساسياً في تحسين موقع المفاوض الإيراني، وهو ما شدد عليه رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف عندما وصف المفاوضات بأنها “أسلوب من أساليب النضال”، مؤكداً أن راية النصر التي رفعتها القوات المسلحة تحولت إلى سند سياسي ودبلوماسي على طاولة الحوار.

ويبرز الملف اللبناني كأحد أهم العناوين التي رافقت مسار التفاهم. فقد أوضح المتحدث باسم الخارجية الإيرانية أن وقف الحرب في لبنان كان بالنسبة لطهران جزءاً أساسياً من أولوياتها، وأن اسم لبنان ورد أكثر من مرة في البند الأول من المذكرة، مع التشديد على احترام سيادته ووحدة أراضيه.

كما شدد المسؤولون الإيرانيون على أن أي اعتداءات إسرائيلية مستقبلية على لبنان يمكن أن تُعتبر خرقاً مباشراً للتفاهمات التي تم التوصل إليها، ما يحمّل الولايات المتحدة مسؤولية إلزام حليفها الإسرائيلي بالالتزامات المتفق عليها.

وفي هذا السياق، يربط قاليباف بين التطورات التي شهدتها الضاحية الجنوبية لبيروت وبين التحولات التي طرأت على مسار المفاوضات، مؤكداً أن التهديد الإيراني بالرد على الهجمات الإسرائيلية ساهم في تعديل مواقف الطرف المقابل ودفعه نحو تقديم تنازلات إضافية. وتقدم طهران هذه الوقائع باعتبارها نموذجاً لما تسميه “دبلوماسية الاقتدار”، حيث يتكامل الضغط العسكري مع العمل السياسي لتحقيق الأهداف الاستراتيجية.

وعلى الصعيد الاقتصادي، تحتل قضية رفع العقوبات موقعاً مركزياً في التفاهم الجديد. فإيران تؤكد أن رفع القيود المفروضة على صادراتها النفطية بدأ فعلياً، وأن واشنطن تعهدت بإزالة العقبات المتعلقة بعمليات البيع والنقل والتأمين وتحويل العائدات المالية. كما تشدد طهران على ضرورة تمكينها من الوصول إلى أموالها المجمدة واستخدامها بحرية كاملة، معتبرة أن نجاح الاتفاق سيتوقف إلى حد كبير على مدى التزام الولايات المتحدة بهذه التعهدات خلال المرحلة المقبلة.

وفي المقابل، تشير التصريحات الإيرانية إلى أن ملف البرنامج النووي لم يكن جزءاً من مفاوضات وقف الحرب، بل جرى الاتفاق على فتح مسار تفاوضي منفصل بشأنه يمتد لمدة ستين يوماً قابلة للتمديد إذا اقتضت الحاجة. وتؤكد طهران أن أي نقاش مستقبلي سيقتصر على الملف النووي ورفع العقوبات، مع رفضها المطلق إدراج القدرات الدفاعية والصاروخية ضمن أي مفاوضات. وقد عبّر بقائي عن هذا الموقف بعبارات حادة عندما أكد أن صواريخ إيران “موجودة للإطلاق لا للتفاوض”.

كما يحضر مضيق هرمز بقوة في التصورات الإيرانية لمرحلة ما بعد الحرب. فالمسؤولون الإيرانيون يتحدثون عن تفاهمات متقدمة مع سلطنة عمان بشأن آليات إدارة المضيق وضمان أمن الملاحة فيه، مع التأكيد على الحقوق السيادية الإيرانية وحقها في تقاضي رسوم مقابل الخدمات المقدمة للسفن العابرة. وترى طهران أن التطورات الأخيرة حولت ما كان يمثل قدرة كامنة إلى ورقة نفوذ فعلية يمكن توظيفها ضمن التوازنات الإقليمية الجديدة.

وفي الوقت ذاته، تحرص القيادة الإيرانية على التأكيد أن توقيع المذكرة لا يعني انتهاء المواجهة أو زوال أسباب الحذر. فالتجربة الطويلة مع الولايات المتحدة، بحسب المسؤولين الإيرانيين، تفرض مراقبة دقيقة لتنفيذ التعهدات واعتماد مبدأ المعاملة بالمثل. لذلك تكرر طهران أنها لن تنفذ التزاماتها إذا لم يلتزم الطرف المقابل بما تعهد به، وأن قوة إيران وتماسك شعبها يبقيان الضمانة الأساسية لأي اتفاق، وليس النصوص القانونية أو القرارات الدولية وحدها.

وفي المحصلة، تقدم إيران مذكرة التفاهم باعتبارها تتويجاً لمرحلة من الصمود العسكري والسياسي، وبداية لمرحلة جديدة عنوانها تحويل الإنجازات الميدانية إلى مكاسب سياسية واقتصادية ودبلوماسية. وبينما تستعد الأطراف للدخول في اختبار التنفيذ العملي للاتفاق، تبدو طهران حريصة على ترسيخ رواية مفادها أن ما تحقق لم يكن نتيجة تنازلات، بل ثمرة توازن قوة جديد فرضته الحرب وأعادت المفاوضات تثبيته في وثيقة سياسية وقانونية ملزمة.

***********

المصدر موقع الخنادق 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق