ما وراء تعيين باراك مبعوثًا أمريكيًا للعراق وسوريا

اعداد ادريس احميد قسم البحوث والدراسات الاستراتجية 01-06-2026
جاء تعيين توم باراك مبعوثًا رئاسيًا خاصًا للرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى العراق وسوريا، في توقيت إقليمي ودولي شديد الحساسية، ليعكس حجم التحولات الجارية في الاستراتيجية الأمريكية داخل الشرق الأوسط، وإعادة صياغة أدوات إدارة النفوذ في منطقة تتشابك فيها مصالح الأمن والطاقة والصراع الجيوسياسي.
يمثل العراق إحدى أهم الدول المحورية في المنطقة، ليس فقط بسبب موقعه الجغرافي الرابط بين الخليج وبلاد الشام وإيران وتركيا، بل أيضًا لكونه من أكبر الدول النفطية عالميًا، إذ يبلغ احتياطيه المؤكد نحو 145 مليار برميل، مع تقديرات قد تتجاوز 150 مليار برميل، ما يضعه في المرتبة الخامسة عالميًا، ويجعله ثاني أكبر احتياطي داخل منظمة أوبك بعد السعودية، وهو ما يمنحه وزنًا استراتيجيًا في معادلات الطاقة العالمية.
هذا الثقل جعل العراق وسوريا ضمن دائرة الاهتمام الأمريكي المباشر، باعتبارهما جزءًا من منظومة نفوذ تسعى واشنطن للحفاظ عليها في الشرق الأوسط، خصوصًا في ظل التنافس مع إيران، الذي تحول إلى صراع نفوذ سياسي وأمني واقتصادي ممتد عبر الإقليم.
وتتمثل الأهداف الأمريكية في العراق وسوريا في مكافحة الإرهاب ومنع عودة تنظيم “داعش”، والحيلولة دون استغلال الفراغات الأمنية، إلى جانب تحجيم النفوذ الإيراني عبر مراقبة خطوط الإمداد بين إيران والعراق وسوريا ولبنان. كما يشمل ذلك تأمين بعض الحقول النفطية ومنع وقوعها بيد الجماعات المسلحة.
كما تعتمد واشنطن على وجودها في العراق كقاعدة استراتيجية ولوجستية لإدارة عملياتها في سوريا والمنطقة، إضافة إلى دعم حلفائها المحليين، وفي مقدمتهم القوى الكردية في سوريا، لضمان وجود توازنات ميدانية تمنع تمدد القوى المعادية.
ورغم مرور أكثر من عقدين على الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، فإن واشنطن لم تنجح في تثبيت نموذج مستقر بالكامل، إذ أدى انهيار مؤسسات الدولة وحل الجيش والانقسام الطائفي إلى خلق فراغ استغلته قوى مدعومة من إيران لتعزيز نفوذها داخل الدولة العراقية.
ومع تعاقب الإدارات الأمريكية، تذبذبت الاستراتيجية بين الانسحاب والاحتواء ومكافحة الإرهاب، لكن النتيجة بقيت حالة توازن معقد بين النفوذ الأمريكي والإيراني، دون قدرة أي طرف على الحسم.
وفي هذا السياق، يُفهم التوجه الأمريكي الجديد، بما في ذلك تعيين مبعوث خاص، كمحاولة لإعادة ضبط التوازنات داخل العراق وسوريا، إلا أن هذا المسار يواجه تحديات معقدة، في مقدمتها قوة القوى المرتبطة بإيران، وصعوبة إعادة هندسة المشهد السياسي.
كما يبقى العامل الكردي عنصرًا حساسًا، نظرًا لعلاقاته مع واشنطن، مقابل رفض إقليمي واسع لأي توسع في دوره، خصوصًا من تركيا وإيران.
إقليميًا، تنظر تركيا إلى أي تحرك أمريكي بحذر شديد بسبب تأثيره على توازناتها الأمنية، خاصة في الملف الكردي.
كما تمتد المنافسة إلى روسيا والصين، حيث ترى موسكو أن التمدد الأمريكي يهدد نفوذها، بينما تركز بكين على حماية مصالحها الاقتصادية وممرات الطاقة.
أما الخليج، فإن التحركات الأمريكية تعكس إعادة توزيع للأدوار وليس انسحابًا، رغم تزايد شعور بعض الدول بأن الضمانات الأمنية التقليدية لم تعد كما كانت، ما دفعها إلى تنويع شراكاتها الدولية. وفي المقابل، يبرز تساؤل مهم حول كيف تنظر دول الخليج إلى هذا التوجه الأمريكي المتغير في العراق وسوريا: هل هو تراجع في الالتزام الأمني أم إعادة ترتيب للأولويات ضمن استراتيجية أوسع؟
فبينما ترى بعض القراءات أن واشنطن قد تقلص التزاماتها المباشرة، فإن أخرى تؤكد أن الخليج يبقى ركيزة أساسية في أمن الطاقة العالمي، وأن واشنطن لا يمكن أن تتخلى عنه. وبين الرؤيتين، تتحرك دول الخليج في مساحة من إعادة التقييم والتوازن بين التحالف التقليدي والانفتاح على قوى دولية أخرى.
في المحصلة، يعكس تعيين باراك محاولة أمريكية لإعادة هندسة التوازنات في الشرق الأوسط، ضمن شبكة معقدة من الصراعات والتقاطعات الإقليمية والدولية.
ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع الولايات المتحدة إعادة تشكيل العراق سياسيًا بما يخدم مصالحها، أم أن العراق سيظل ساحة مفتوحة لصراع النفوذ الإقليمي والدولي في مرحلة قد تعيد رسم ملامح الشرق الأوسط من جديد؟



