هل دبلوماسية ترامب مجرد خدعة؟

قسم البحوث والدراسات الاستراتجية 24-05-2026
مع وصول رئيس قوات الدفاع الباكستانية المشير عاصم منير إلى طهران، لدفع جهود بلاده للوساطة بين الجمهورية الإسلامية في إيران والولايات المتحدة الأمريكية. يعتبر هذا المقال، الذي نشره موقع صحيفة “طهران تايمز – Tehran Times” ، أنه على الرغم من الجهود الدبلوماسية، التي تشارك فيها باكستان بشكل رئيسي، لضمان إنهاء دائم للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، يبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مصمم على مواصلة الضغط على طهران، بدلاً من السعي إلى تسوية سياسية دائمة. مبيّنةً أن الكرة الآن هي في ملعب ترامب: بإمكانه إما تجديد الحرب والمخاطرة بمزيد من الإذلال، كما اقترح المستشار الألماني فريدريش ميرز، أو اتباع دبلوماسية حقيقية، وهو ما رأت الصحيفة أنه مستبعداً بناءً على نمط سلوكه.
النص الكامل للمقال: هل دبلوماسية ترامب مجرد خدعة؟
أوقف اتفاق وقف إطلاق النار في 8 أبريل العدوان الأمريكي-الإسرائيلي المشترك الذي بدأ أساساً في 28 فبراير. وقد تحققت هذه الهدنة بعد موافقة ترامب على شروط إيران، الأمر الذي قاد أيضاً إلى محادثات بوساطة باكستانية بين طهران وواشنطن في إسلام آباد يوم 11 أبريل.
إلا أن تلك المفاوضات فشلت بسبب ما وصفته إيران بـ”المطالب المفرطة وغير الواقعية وغير المقبولة” من جانب إدارة ترامب.
جهود الوساطة الباكستانية
مع ذلك، واصلت باكستان جهودها لتقريب وجهات النظر بين الجانبين. وتُنظر زيارات كبار المسؤولين الباكستانيين إلى طهران في هذا السياق.
فقد التقى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بوزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي، الذي يزور طهران، مجدداً يوم الجمعة، لبحث أحدث المقترحات الهادفة إلى إنهاء الحرب. وكان الوزير الباكستاني قد وصل إلى طهران يوم الأربعاء. كما وصل قائد قوات الدفاع الباكستانية، المشير السيد عاصم منير، إلى طهران في وقت متأخر من مساء الجمعة لإجراء محادثات مع مسؤولين إيرانيين كبار.
وقد تعمّق انعدام الثقة بين إيران والولايات المتحدة خلال العام الماضي، وذلك لأن واشنطن هاجمت إيران مرتين أثناء انخراط الطرفين في مفاوضات: الأولى في يونيو 2025، والثانية في أواخر فبراير من هذا العام.
التشكيك في مزاعم ترامب
خلال الحربين، أعلن ترامب النصر. وقال إن الولايات المتحدة دمّرت القدرات العسكرية الإيرانية خلال 39 يوماً من الحرب التي أوقفتها هدنة الشهر الماضي. إلا أن مسؤولين أمريكيين تحدثوا إلى وسائل إعلام أمريكية نفوا هذه الادعاءات.
فقد شككت شبكة CNN، يوم الخميس، استناداً إلى 4 مصادر مطلعة على تقييمات الاستخبارات الأمريكية، في الادعاءات المتعلقة بمدى تدهور القدرات العسكرية الإيرانية على المدى الطويل نتيجة الضربات الأمريكية والإسرائيلية. وقبل وقف إطلاق النار، كانت مصادر استخباراتية أمريكية قد أبلغت CNN أن نحو نصف منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية لا تزال سليمة، وأن آلاف الطائرات المسيّرة الانتحارية ما زالت ضمن الترسانة الإيرانية رغم الضربات اليومية الأمريكية والإسرائيلية. أما تقرير الخميس فرفع النسبة إلى الثلثين، مشيراً إلى أن إيران تعيد بناء قاعدتها العسكرية-الصناعية بوتيرة أسرع من المتوقع.
وتشير هذه المعطيات إلى أن ترامب اضطر إلى القبول بوقف إطلاق النار مع إيران بسبب فشل استراتيجيته العسكرية. وقد انعكس هذا التقييم أيضاً في تصريحات المستشار الألماني فريدريش ميرتس أواخر الشهر الماضي. إذ قال ميرتس في 23 أبريل إن الولايات المتحدة تتعرض لـ”الإذلال” في حربها مع إيران، محذراً من أن واشنطن تفتقر إلى مسار واضح للخروج من النزاع في وقت تزداد فيه أفضلية طهران.
ويبدو أن مقاربة ترامب الجديدة تتأرجح بين الدعوة إلى وقف إطلاق النار والتهديد باستئناف العمل العسكري، في محاولة لصناعة إحساس زائف بالنصر على إيران، وفي الوقت نفسه البحث عن مخرج يحفظ ماء الوجه من الصراع.
وكانت القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)، المسؤولة عن العمليات العسكرية في الشرق الأوسط، قد أعلنت يوم الخميس أن حاملة الطائرات “يو إس إس أبراهام لينكولن” تحافظ على “أعلى درجات الجاهزية” في المنطقة.
وقالت القيادة المركزية، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، إن قواتها ما زالت مستعدة أثناء “فرض الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية”.
وفي سياق هذه المقاربة، استخدم ترامب الحصار البحري المفروض على إيران منذ منتصف نيسان/أبريل كشكل من أشكال الحرب الاقتصادية. ويبدو أن الضغط الاقتصادي المترافق مع الدعوات المتكررة إلى وقف إطلاق النار يهدف إلى التغطية على الإخفاقات العسكرية في الميدان.
وفي يوم الخميس، أعاد ترامب نشر مقال رأي في صحيفة “نيويورك بوست” مرتبط بمركز أبحاث مؤيد لـ”إسرائيل” طالما دعم العمل العسكري ضد طهران.
ودعا المقال الولايات المتحدة إلى “الحفاظ على الحصار ومواصلة الحرب الاقتصادية المصاحبة له”.
خدعة جديدة؟
جاء ذلك بعد أن تداولت وسائل إعلام أمريكية على نطاق واسع أن ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو دخلا في خلاف حاد خلال اتصال هاتفي يوم الثلاثاء بشأن مستقبل الحرب مع إيران.
وبحسب التقارير، دفع نتنياهو باتجاه استئناف الهجمات، بينما عارض ترامب شن ضربات جديدة أملاً في التوصل إلى اتفاق.
ويرى بعض المحللين أن هناك خلافات كبيرة بين ترامب ونتنياهو، بينما يعتبر آخرون أن الحديث عن توتر العلاقات بين الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء الإسرائيلي ليس سوى خدعة تهدف إلى صرف الانتباه عن احتمال توجيه ضربات جديدة ضد إيران.
وأكدت إيران أنها ما زالت منفتحة على الدبلوماسية، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن قواتها المسلحة مستعدة للرد إذا اندلعت حرب جديدة.
ويبدو أن ترامب يشعر بالإحباط بسبب فشل الخيار العسكري ضد إيران، وهو يحاول الآن استخدام الدبلوماسية لإجبار طهران على الاستسلام. وقد هدّد بشن حرب جديدة إذا لم تستجب إيران لمطالبه، إلا أن تهديداته بدت حتى الآن فارغة إلى حد كبير.
وقال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، خلال اجتماع لحلف الناتو في مدينة هلسينغبورغ السويدية، إن “هناك بعض التقدم الطفيف” نحو اتفاق مع إيران، لكنه أضاف: “لا أريد المبالغة في ذلك”.
وأوضح روبيو أن القضايا الأساسية في المفاوضات تتعلق بموقف إيران من مضيق هرمز وبرنامجها النووي.
وقد أكدت إيران أنها ستواصل السيطرة على مضيق هرمز، وأن السفن العابرة للممر المائي يجب أن تنسّق مع القوات المسلحة الإيرانية.
وتطالب الولايات المتحدة إيران بإخراج أكثر من 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب، والذي يُعتقد أنه مدفون تحت المواقع النووية التي قصفتها واشنطن في يونيو من العام الماضي. لكن إيران تؤكد أنها لن تنقل اليورانيوم المخصب إلى أي دولة ثالثة، وإن كانت مستعدة لمناقشة مستوى التخصيب في المرحلة الثانية من المفاوضات إذا استجابت واشنطن لبعض مطالبها.
شروط إيران
أعلنت إيران يوم الخميس أنها تسلّمت رد واشنطن على أحدث مقترح إيراني لوقف إطلاق النار، وهي تقوم حالياً بدراسته.
وتشمل مطالب إيران ضمانات بعدم الاعتداء، ورفع العقوبات المفروضة عليها، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، وتعويض الأضرار التي لحقت بها جراء الحرب الأمريكية والإسرائيلية، والاعتراف بسيادة إيران على مضيق هرمز، ووقف الضربات الإسرائيلية في لبنان.
لكن من غير المرجح، أن يوافق البيت الأبيض على هذه الشروط، لأن هدف ترامب من المحادثات مع إيران يبدو أقرب إلى فرض استسلام إيراني. وبمعنى آخر، يبدو أنه يسعى إلى تحقيق عبر التفاوض ما فشل في تحقيقه في ساحة المعركة. لذلك، لا تبدو المقاربة الأمريكية للمفاوضات مع إيران صادقة أو حقيقية.
دبلوماسية ترامب الفارغة
في مقال بعنوان “هذا الرجل لا يملك إرادة للتوصل إلى اتفاق”، نُشر قبل أيام من حرب الأيام الاثني عشر في حزيران/يونيو من العام الماضي، حذرت صحيفة طهران تايمز من أن ترامب يُفضل استمرار المواجهة مع إيران على الانخراط الدبلوماسي الحقيقي.
كان ترامب يتوهم أنه قادر على تطبيق سيناريو مشابه لفنزويلا في إيران من خلال إضعاف القيادة السياسية والعسكرية. وقد انعكس فشل هذه الاستراتيجية فيما صرح به مسؤولون أمريكيون مؤخراً لصحيفة نيويورك تايمز. إذ أقروا بأن “المقاومة الناجحة” و”الصمود الهائل” لإيران قد عَقّدا أهداف واشنطن الحربية وعززا موقف طهران على أرض المعركة.
الآن، الكرة في ملعب ترامب. بإمكانه إما تجديد الحرب والمخاطرة بمزيد من الإذلال، كما اقترح المستشار الألماني، أو اتباع دبلوماسية حقيقية، وهو أمر يبدو مستبعداً بناءً على نمط سلوكه.
———————
المصدر: طهران تايمز – Tehran times
الكاتب: غرفة التحرير



