آسياأخبار العالمإفريقيابحوث ودراسات

التفاعلات التاريخية والتعلم المتبادل فى إطار الحوكمة العالميةوالتبادل الإنساني بين الصين ودول الخليج

اختتمت بالجزائر أعمال الندوة الدولية الأولى حول “التبادل الحضاري والتعلم المتبادل بين الصين والدول العربية والإفريقية” يوم 14 ابريل 2026 بالعاصمة الجزائرية وبمشاركة جامعة الجزائر 3 وجامعة شمال غرب الصين ودار مجلة الصين اليوم بالمجموعة الصينية للإعلام الدولي وجامعة فودان الصينية وسفارة جمهورية الصين الشعبية بالجزائر، بمشاركة أكثر من 300 باحث ودارس وأكاديمي يمثلون 13 دولة، من بينها الصين والجزائر وسلطنة عمان وتونس والمملكة العربية السعودية والبحرين وليبيا وموريتانيا والسودان ومصر…

ولقد القت الدكتورة والباحثة البحرينية كلمة حول التفاعلات التاريخية والتعلم المتبادل فى إطار الحوكمة العالمية والتبادل الإنساني بين الصين ودول الخليج

النص الكامل للمداخلة: التفاعلات التاريخية والتعلم المتبادل فى إطار الحوكمة العالمية والتبادل الإنساني بين الصين ودول الخليج

يُعد ترسيخ نظام الحوكمة العالمية من الأولويات الرئيسية للرئيس (شى جين بينج) منذ توليه قيادة الصين في العام 2013، من أجل إحداث إصلاح شامل حقيقي للنظام الدولي القائموليس تحديهوتوطيد المساواة والعدالة بين الدول، وتعزيز السلام والأمن والاستقرار العالمي.

            وطرح الرئيس شى جين بينج منذ توليه القيادة عدة مبادرات عالمية رامية إلى تعزيز الحكومة العالمية بأبعادها المتنوعة مثل مبادرة التنمية الدولية، ومبادرة الأمن العالمي، ومبادرة التعاون العالمي، ومبادرة الحضارة العالمية. وفى سبتمبر عام 2025، توج الرئيس شى جين بينج تلك الجهود بطرح (مبادرة الحوكمة العالمية) رسمياً كرؤية استراتيجية عامة شاملة لإصلاح النظام الدولي والتصدي لتحدياته الخطيرة المختلفة، ترتكز على عدة مبادىء أساسية على رأسها:

        المساواة التامة فى السيادة بين الدول لضمان مشاركة جميع الدول بشكل متساوي في النظام الدولي ومؤسساته وصنع معاييره وقواعده (وهو ما بات يُطلق عليه دمقرطة العلاقات الدولية). وترسيخ سيادة القانون الدولي لتوخى العدالة والاستقرار والسلام في العالم، وتكريس التعددية كمنطلق للمساواة وتعزيز التضامن والتعاون، وأخيراً محورية دور الشعوب والإنسان بصفة عامة في نظام الحوكمة العالمي الجديد، بما يضمن حقوق الشعوب الإنسانية الأساسية، وتعزيز مشاركتها في التنمية، وإرساء الانفتاح والتطور والإبداع عبر تواصل الشعوب بعضها البعض.

           تشكل الحضارة والثقافة الصينية العريقة المنطلق الرئيسي للحوكمة العالمية؛ ففي حضارة الصين القديمة أو المملكة الوسطى، كانت الجدارة والكفاءة المعيار الرئيسي الوحيد للاختيار بغض النظر عن الوضعية الاقتصادية والاجتماعية، وكانت سيادة القانون سيادة مطلقة، وروح الإخاء والتعاون والعمل المشترك والتسامح جوهر المجتمع، وأساس الازدهار والاستقرار.

        ولم تتوقف الحوكمة الصينية عند هذا الحد، بل آمنت ورسخت مسألة التبادل الإنساني والحضاري والتعلم المتبادل، كمنطلق حيوي لا غنى عنه للإثراء الفكري والإنساني والحضاري والسلمي والتجاري. إذ تؤمن التقاليد الصينية المستمدة من الثقافة الكونفوشيوسية العريقة؛ بإن التواصل والتكامل بين الحضارات والثقافات يشكل أساس الفهم العميق المشترك للآخر، وإرساء السلام والازدهار الاقتصادي، إلى جانب إثراء ثقافة وحضارة كل من الآخر، انطلاقاً من الإيمان الراسخ بأنه لا توجد حضارة أعظم من الأخرى، فلكل حضارة خصوصية ومنجزات خاصة، ومن ثم فالتواصل العميق بين الحضارات أمر حتمي للتعلم والإثراء والتطور المتبادل، وترسيخ السلام والاستقرار لكن في إطار الحفاظ على الخصوصية الثقافية لكل حضارة“.

           وجسد طريق الحرير القديم جوهر الفكر الصيني للحكومة العالمية؛ إذ لم يكن طريقاً للتجارة فقط، بل جسراً للتواصل العميق بين الحضارات القديمة المختلفة (الصينية، والعربية، واليونانية، والفارسية، والهندية). فخلال فترة الطريق التي دامت نحو 1500 عاماً؛ شهد التواصل الثقافي والفني والفلسفي والديني والمعرفي والصناعي بين تلك الحضارات نمواً واسعاً جداً، حيث أثرت الصين بثقافتها وخبراتها في تلك الحضارات، ونقلت منها صناعة الورقعلى سبيل المثال، وتأثرت الصين أيضا بتلك الحضارات في جوانب فلسفية وصناعية وإدارية وعلمية متنوعة.

          وكنتيجة لذلك، شهدت حقبة طريق الحرير القديم فترات واسعة من الازدهار والسلام والاستقرار العالمي، نادرة الحدوث في تاريخ العلاقات الدولية المسطر في جانبه الأكبر بالفوضى والحروب والصراعات والعنف والكراهية والمؤامرات وإهدار كرامة الإنسان والقانون الدولي.

           يعد فكر أو مفهوم الرئيس شى جين بينج للحوكمة امتدادً أصيلاً للفلسفة الصينية القديمة للحوكمة مع إعادة صياغة واسعة لها على المستويين المفهومي والعملي للتماهى مع التطبيق الحديث لها منذ تأسيس الجمهورية الصين الشعبية عام 1949، وتجربة الصين التنموية الصناعية الكبيرة التي انطلق في سبعينيات القرن المنصرم، وأيضا لمواكبة التطورات والتحديات العالمية المتصارعة الراهنة، إلى جانب رؤية الرئيس شى جين بينج الإصلاحية الخاصة على المستويين الداخلي والخارجي، لكن في عمومها ظلت تتمحور حول نفس المنطلقات والمبادىء القديمة الراسخة، ولن تحيد عنها كما تجسدها مبادرة الحوكمة العالمية.

         ارتأى الرئيس شى جين بينج أن العالم رغم تنوعه الهائل من حيث الأفكار والثقافات والخلفيات والأعراق والأديان، وحدة واحدة لا يمكن تجزئته، مجتمع واحد لكن متنوع كأمر طبيعي. ومن ثم، فالتواصل والتعاون بينه ليس أمراً حتمياً فحسب، بل أن مصيره ومستقبله واحد، وهو ما كرسه في مبدأ المجتمع ذو مصير مشتركأو المصير المشترك للبشرية؛ وهذا ليس أحد أهم مبادىء الرئيس شى جين بينج التاريخية الراسخة فحسب، بل المرتكز الرئيسي لفكره بشأن الحوكمة.

        فالمبدأ يعكس من حيث التطبيق التواصل العميق والفعال بين جميع الحضارات، وضرورة التعلم المتبادل، وتبادل الخبرات والأفكار والتجارب من منطلق إيمانه المطلق بعدم وجود أمة أو حضارة أو ثقافة أعظم من الأخرى، والعمل المشترك الجاد لا سيما لمواجهة التحديات الخطيرة التي تهدد مصير نفس المجتمع الواحد مثل قضية الانتشار النووي والتغير المناخي. ومن ثم، تكريس الاستقرار والسلم والأمن والازدهار الدولي.

           وفى إطار المبدأ، يبرز أهم المبادي الراسخة للرئيس شى جين بينج وهو التبادل الإنساني والتواصل بين الشعوب، فالإنسان على مدار امتداد تاريخ الصين وصولاً للرئيس شى جين بينج، هو جوهر التنمية والتواصل، ومحور بناء المجتمع العادل الفعال، ونقل الخبرات والمعرفة، والإثراء العلمي والثقافي.

         وفى العام 2013، أطلق الرئيس شى جين بينج مبادرة الحزام والطريق والتي اعتبارها مشروع القرن، وأكبر مبادرة عالمية عرفتها البشرية للترابط بين القارات (بريا وبحريا ودبلوماسياً)، وتعزيز التبادل التجاري العالمي، وتعزيز العولمة وتنشيط الاقتصاد العالمي، وتوطيد التبادل الحضاري والإنساني والثقافي. ولقت المبادرة ترحيبا دوليا واسعا غير مسبوق، حيث انضم إليها نحو 200 دولة من قارات العالم الخمس، وعشرات المنظمات الدولية والإقليمية. ويعزو هذا الترحيب إلى رغبة دول العالم في إصلاح النظام الدولي القائم، وترسيخ السلام والعدالة الدولية، والاستفادة من التجربة التنموية للصين أو ما تسمى المعجزة الصينية، مقابل ذلك رغبة صينية قوية في الاستفادة من الخبرات الثقافية والعلمية والسياسية والتنموية للدول الأخرى لأعضاء المبادرة.

         وتعد المبادرة تجسيداً عملياً للحوكمة العالمية بمفهومها الشامل من أجل بناء المجتمع الواحد ذات المصير المشترك، مجتمع يسوده المساواة والعدل والسلام والاستقرار رغم تنوعه الهائل. إذ على المستوى الاقتصادي رفعت المبادرة شعار المكسب للجميعلتوخى المساواة الاقتصادية وعدم نهب ثروات الشعوب مع التركيز على أولوية التنمية والمساعدة للدول الأكثر فقراً. وعلى المستوى السياسي حافظت على المبادئ الرئيسية للسياسة الخارجية الصينية لا سيما مبدأ عدم التدخل في شئون الدول، وحل الصراعات بالوسائل السلمية، وعدم الاعتداء وغطرسة القوة والتوسع العسكري الخارجي. هذا إلى جانب، التركيز على التعاون الدولي في مجال البيئة والتكنولوجيا والتعليم والإدارة والفني والعلميوغيرها.

          أما على المستوى التواصل الثقافي والحضاري والإنساني، فقد شكل التواصل بين الشعوب أحد المرتكزات الرئيسية للمبادرة؛ إذ في إطاره تتحقق وتتجسد المرمى الأساسي للمبادرة بما فى ذلك ترسيخ الحوكمة العالمية. والتواصل بين الشعوب وفقا للمبادرة مفهوم عميق متعدد الأبعاد، يشملعلى سبيل المثال لا الحصرالتبادل الثقافي والأكاديمي المكثف بين أعضاء المبادرة، والحوار المشترك المستمر غير الرسمي عبر وسائل متعددة لأجل تعزيز التفاهم الحضاري والثقافي المتبادل وتعزيز روح التسامح والإخاء، والتبادل العلمي والتقني والطبي والفني الرسمي وغير الرسمي عبر منظمات المجتمع المدني، وتعزيز تعلم اللغات المشترك، وتنمية السياحة المشتركة، والتركيز على المشروعات متناهية الصغر لتعزيز دخول وكرامة الفقراءوغيرها.

          تتمتع الصين بعلاقات تاريخية وثيقة مع دول الخليج، واتخذت العلاقات مستوى متدرج من التطور وصولا لارتقاء العلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة بحلول العام 2015؛ فدول مجلس التعاون كانت من أولى الدول المنضمة إلى مبادرة الحزام والطريق، والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية. فالصين غدت شريك رئيسي لدول المجلس للمساهمة في تحقيق الرؤى التنموية الجديدة لدول المجلس مثل رؤية السعودية 2030.

          وعلى الجانب الآخر، تعد دول المجلس بما تمتلكه من ثقل اقتصادي وتاريخي وثقافي وسياسي وجغرافي، عاملاً حاسماً لتحقيق الرؤية التنموية الحضارية الاقتصادية العالمية لمبادرة الحزام والطريق. لذا، يلاحظ خلال الأعوام القليلة الماضية أن مستوى التطور والارتقاء بين الصين ودول المجلس قد تعمق وتشعب بشدة في مجالات متعددة؛ إذ لم يعد يقتصر فقط على العامل الاقتصادي والطاقوى.

         وعلى هذا الأساس، يشكل التبادل الإنساني بين الصين ودول المجلس بصفة خاصة، والصين والدول العربية بصفة عامة، ركيزة جوهرية لتوطيد التعاون والتشارك والتفاهم والتواصل وبناء الثقة لا سيما فى إطار مبادرة الحزام والطريق؛ وهو ما يؤشر على قناعة الجانبين الراسخة بمبدأ المجتمع ذات المصير المشتركالمتمحور حول الإنسان والتفاعل العميق بين الشعوب. فضلا عن الأهمية البالغة للتواصل الحضاري كأساس للتفاهم والتعلم المتبادل، وإرساء السلام.

         يشهد التبادل الإنساني بين الصين ودول المجلس نمواً لا فتاً، آخذاً في التنامي المطرد الشامل. فعلى المستوى التعليمي والأكاديمي، تزايد عدد الطلاب الخليجيين الدارسين فى الجامعات الصينية لا سيما عبر المنح المجانية، فضلا عن تنامى البحوث والبعثات العلمية المشتركة لا سيما فى المجال التكنولوجي والذكاء الاصطناعي بين جامعات الخليج وجامعات الصين، هذا علاوة على تزايد الاهتمام فى الجامعات الخليجية بدراسة اللغة الصينية، وتأسيس الصين معاهد لدراسة اللغة الصينية فى دول الخليج، ومنح مجانية لتعلمها لأبناء الخليج.

          وعلى المستوى الثقافي والفني، فيشهد التواصل مستوى مرتفع رفيع المستوى متنوع للغاية؛ وذلك من حيث تنظيم معارض فنية وندوات وفعاليات ثقافية مشتركة، على سبيل المثال لا الحصرمعرض الخط والفنون الذي أقيم في أبوظبي فى 2024، وبرامج متبادلة مثل برامج حفظ التراث التاريخي المشترك بين السعودية والصين. فضلا عن تنظيم دول الخليج أسابيع خاصة للثقافة الصينية، بل أن السعودية أطلقت عام ثقافي كامل بين السعودية والصين وهو 2025 تضمن نحو 60 فعالية ثقافية شملت معارض فنية وندوات ثقافية وفعاليات استعراضية وغنائية. وهناك أيضا تزايد في الاهتمام بالسينما والموسيقى مما يتيح المجال للتعرف على ثقافة كل الآخر والتواصل الحضاري بشكل أعمق، حيث أقيمت دول الخليج مهرجانات للأفلام والأغاني الصينية، وبالمقابل للأفلام والأغاني التراثية الخليجية في الصين.

             وهناك كذلك السياحة كأقوى وسائل التواصل الإنساني والحضاري، والفهم الثقافي المتبادل. أولى الجانبين الصيني والخليجي اهتماما بالغا بتعزيز التعاون فى مجال السياحة، وتذليل جميع العقبات المعرقلة لتطور التبادل السياحي بين الجانبين، وهو ما تجسد في سياسة الإعفاء المتبادل من تأشيرة السياحة والزيارة، وزيادة عدد الرحلات الجوية الأسبوعية وتوسعها أيضا لتشمل وجهات متعددة بحيث لا تقتصر على العواصم والمدن الكبرى فقط، مما أسهم في تنامى الزيارات السياحية المتبادلة بصورة مأهولة، فدبي وحدها قد زارها أكثر من مليون مواطن صينى خلال العامى 2023-2025، والسعودية نحو نصف مليون خلال ذات الفترة، نظير زيادة مطردة فى أعداد السياح الخليجيين للصين والتي ارتفعت بنسبة تجاوزت ال 70% فى 2025.

         فضلا عن ذلك، عملت دول المجلس على تشجيع السياحة الصينية عبر وسائل متعددة من بينها تعزيز خدمات السائح الصيني باللغة الصينية، وزيادة الحملات الترويجية فى الصين وعبر وسائل التواصل الاجتماعي للتشجيع على الزيارة، وتعد البحرين من أنشط دول الخليج المروجة للسياحة فى البحرين، والمشاركة بكثافة في معارض السياحة الدولية في الصين وكانت آخر مشاركة فى معرض السياحة الدولي في شنغهاي2024.

        يمتد التبادل الإنساني أيضا ليشمل الحوار الحضاري والذي يتم عبر فعاليات شعبية وأكاديمية مباشرة بين الطرفين مثل برنامج جسور الإماراتي، أو عبر وسائل الإعلام لا سيما إنتاج أفلام ووثائقيات مشتركة تهدف إلى تعزيز الحوار حول قيم التعاون والاستقرار، والتواصل الحضاري والثقافي، وهو من شأنه تعزيز بناء الثقة والتواصل على المدى الطويل.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق