القواعد الأمريكية في مرمى الصواريخ الإيرانية

قسم البحوث والدراسات الاستراتجية 03-03-2026
شكّل فجر السبت 28 فبراير 2026 لحظة مفصلية في تاريخ الصراع في غرب آسيا. فقد أقدمت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على تنفيذ عدوان واسع استهدف العمق الإيراني، في عملية هدفت – وفق معطياتها الميدانية – إلى توجيه ضربة شاملة للبنية القيادية والعسكرية للجمهورية الإسلامية، بلغت ذروتها باغتيال قائد الأمة ومرجعها الأعلى السيد علي خامنئي.
ظنّ المخططون أن “ضربة قطع الرأس” كفيلة بإحداث صدمة تُدخل الدولة الإيرانية في حالة شلل سياسي وعسكري، وتمنعها من الرد المنظم، إلا أن مجريات الساعات التالية كشفت عن تقدير خاطئ لطبيعة النظام الإيراني وقدرته على امتصاص الصدمة والتحول السريع من الدفاع إلى الهجوم.
في الساعات الأولى، استهدفت الضربات الجوية والصاروخية مدناً رئيسية مثل طهران وأصفهان وقم ولورستان، وتوسعت لتطال مرافق مدنية حساسة، في محاولة لإحداث أثر نفسي واسع. لكن بعد أقل من ساعتين، أعلنت القوات المسلحة الإيرانية، وفي مقدمتها الحرس الثوري، بدء الرد ضمن عملية حملت اسم “الوعد الصادق 4″، لتدخل المنطقة في مرحلة مواجهة مفتوحة متعددة الجبهات. هذا الانتقال السريع من الصدمة إلى الفعل الهجومي عكس جهوزية مؤسسية وقدرة على الحفاظ على تماسك القيادة والسيطرة رغم الخسارة الكبرى التي تمثلت باغتيال القائد الأعلى.
المرحلة الثانية من العمليات اتسمت بطابع هجومي شامل. فقد أطلقت إيران موجات متتالية من الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه أهداف في عمق الأراضي المحتلة، شملت مراكز قيادية وعسكرية وبنى تحتية استراتيجية. وترافق ذلك مع توسيع نطاق الاشتباك ليشمل القواعد الأمريكية في عدد من دول الخليج والعراق، إضافة إلى الأصول البحرية في الخليج العربي وبحر عُمان. هذا التوسّع المتزامن أربك منظومات الدفاع المعادية وفرض عليها توزيع جهودها على مسارح عمليات متعددة في آن واحد، ما أفقدها القدرة على تركيز النيران أو احتواء الهجمات.
اللافت أن هذه المواجهة لم تكن وليدة لحظة مفاجئة بالكامل. فخلال الساعات الأربع والعشرين إلى الثماني والأربعين التي سبقت الهجوم، أظهرت بيانات الرصد المفتوحة نمطاً مكثفاً من التحركات الجوية المنسقة للقوات الأمريكية والبريطانية والإسرائيلية وقوات الناتو. تم رصد طائرات تزويد بالوقود بعيدة المدى، ومنصات استخبارات واستطلاع إلكتروني، وطائرات إنذار مبكر، إلى جانب نشاط لوجستي كثيف لطائرات النقل الاستراتيجي. هذا الحشد لم يكن ضمن “النطاق الروتيني”، بل عكس مرحلة الإعداد الأخيرة لعملية هجومية واسعة. غير أن إيران بدورها فعّلت أصولها الاستطلاعية، ونفذت مهام مراقبة مضادة فوق خليج عُمان، ما يشير إلى أنها لم تُفاجأ استراتيجياً بالكامل، بل كانت تتابع مؤشرات التصعيد وتستعد لأسوأ الاحتمالات.
تكتيكياً، اعتمدت إيران على مبدأ “الإغراق المتدرج”. فقد أُطلقت موجات أولى بكثافة عالية لإرهاق أنظمة الدفاع الجوي المعادية واستهلاك صواريخها الاعتراضية، تلتها موجات استخدمت صواريخ أكثر تطوراً ودقة. هذا الأسلوب رفع احتمالية الاختراق وأحدث أضراراً ملموسة في أهداف استراتيجية. كما لجأت طهران إلى تنويع وسائل الهجوم بين صواريخ باليستية وصواريخ كروز منخفضة الارتفاع وطائرات مسيّرة انتحارية، ما عقّد مهمة الرصد والاعتراض وخلق بيئة تشويش عملياتي مستمر.
في المقابل، كشفت الساعات الأولى عن إخفاقات واضحة في الحسابات الأمريكية-الإسرائيلية. أول هذه الإخفاقات كان سوء تقدير القدرة الإيرانية على الحفاظ على تماسكها بعد اغتيال رأس الهرم القيادي. فقد افترض المخططون أن الضربة ستحدث فراغاً قيادياً ينعكس شللاً في القرار العسكري، إلا أن سرعة تشكيل قيادة بديلة واستمرار العمليات أبطلت هذا الرهان. الإخفاق الثاني تمثل في الثقة المفرطة بفعالية منظومات الدفاع الجوي متعددة الطبقات، والتي تعرضت لضغط ناري كثيف كشف محدودية قدرتها على التعامل مع هجمات مركبة ومتزامنة.
كما برزت هشاشة القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة. فبدلاً من أن تبقى أدوات لإسقاط القوة، تحولت إلى أهداف مباشرة ضمن مدى الصواريخ الإيرانية. وأي إصابات أو أضرار في منشآت حيوية داخل هذه القواعد أعادت طرح سؤال جوهري حول جدوى انتشارها في بيئة صاروخية معادية عالية الكثافة. كذلك، فإن توسع الاشتباك ليشمل الممرات البحرية الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، أضفى بعداً اقتصادياً عالمياً على المواجهة، إذ ارتفعت المخاوف من اضطراب إمدادات الطاقة وارتفاع حاد في أسعار النفط.
من الناحية الاستراتيجية، لم تحقق الضربة الأولى هدفها في تحييد القدرة الصاروخية الإيرانية أو شل بنيتها الدفاعية. بل إن الرد السريع والمتعدد الجبهات نقل المعركة من إطار “عملية تأديبية محدودة” إلى حرب إقليمية مفتوحة الاحتمالات. ومع استمرار تبادل الضربات، باتت المنطقة أمام ثلاث مسارات محتملة: تصعيد نوعي خطير قد يشمل استخدام أسلحة غير تقليدية، أو انزلاق إلى حرب استنزاف طويلة تُنهك الجميع، أو تدخل دولي مكثف يفرض وقف إطلاق نار تحت ضغط تداعيات اقتصادية عالمية.
خلال اثنتين وسبعين ساعة فقط، تبدلت معادلات كثيرة. فقد تعرضت صورة الردع الأمريكية-الإسرائيلية لاختبار قاسٍ، فيما دفعت إيران ثمناً باهظاً باغتيال قائدها الأعلى، لكنها أظهرت قدرة على تحويل الخسارة إلى حافز تعبوي وعسكري. في الوقت ذاته، أدركت عواصم العالم أن أي مواجهة واسعة في الخليج لا تبقى محصورة جغرافياً، بل تمتد آثارها إلى أسواق الطاقة والبورصات وسلاسل الإمداد العالمية.
خلاصة المشهد أن العدوان الذي استهدف إحداث انهيار سريع في بنية الدولة الإيرانية أفضى إلى نتيجة معاكسة، إذ أطلق دينامية تصعيدية أعادت رسم خطوط الاشتباك الإقليمي. لم تعد القواعد العسكرية أو منظومات الدفاع المتطورة ضمانة مطلقة للأمن، كما لم يعد ممكناً افتراض أن الضربات الخاطفة تكفي لحسم صراع مع دولة تمتلك عمقاً جغرافياً وبنية عسكرية موزعة وقدرات صاروخية متراكمة. نحن أمام لحظة تأسيسية قد تعيد صياغة توازنات القوة في غرب آسيا، وتؤكد أن أي حسابات مستقبلية في الإقليم ستُبنى على دروس هذه المواجهة القاسية، لا على افتراضات الماضي.



