سياسات دونالد ترامب الجدلية: استراتيجية دولة أم رؤية فردية؟

اعداد ادريس احميد: قسم البحوث والدراسات الاستراتجية 06-05-2026
في هذا المقال المتواضع، نحاول قراءة سياسات وتصرفات إدارة دونالد ترامب من خلال مقاربة تحليلية تقوم على طرح تساؤلات مفتوحة، والبحث في الخلفيات السياسية والاقتصادية التي تفسر هذه التوجهات، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، وموقع الولايات المتحدة باعتبارها القوة الأعظم اقتصاديًا وعسكريًا.
تُعد الولايات المتحدة القوة الأكثر تأثيرًا في النظام الدولي الحديث، وقد تشكلت مكانتها عبر مسار تاريخي طويل بعد الحرب العالمية الثانية، من خلال إعادة إعمار أوروبا عبر مشروع مارشال، وتأسيس حلف الناتو، وتوسيع نفوذها السياسي والعسكري عالميًا، إضافة إلى دورها المحوري في المنظمات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة.
هذا البناء جعل من الولايات المتحدة فاعلًا مركزيًا في النظام الدولي، يقوم على مزيج من القوة العسكرية والاقتصادية والتحالفات الاستراتيجية، وهو ما شكّل قاعدة نفوذها العالمي لعقود طويلة.
في هذا السياق، يبرز دونالد ترامب بوصفه شخصية سياسية مثيرة للجدل، قادمة من عالم الأعمال والاقتصاد، وهو ما انعكس على توجهه السياسي القائم على شعار “أمريكا أولًا”، الذي هدف إلى إعادة ترتيب الأولويات الأمريكية داخليًا وخارجيًا.
ومن هذا المنظور، يمكن فهم سياساته باعتبارها إعادة تعريف لدور الولايات المتحدة في العالم، عبر مقاربة تقوم على استخدام القوة الاقتصادية والعسكرية كأداة مباشرة لتحقيق المصالح، وتقليل الاعتماد على الالتزامات الدولية طويلة الأمد.
وفي هذا الإطار، طُرحت مجموعة من المواقف والسياسات التي ارتبطت بإدارته على المستوى الدولي، حيث طالب بضم غرينلاند، ودعا إلى أن تدفع دول حلف الناتو مقابل الدفاع عنها، وفرض رسومًا جمركية، وأخيرًا يعتزم طرح موضوع الانسحاب من الحلف.
وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنه يعتقد أنه سيحظى بـ”شرف السيطرة على كوبا”، وذلك في اليوم نفسه الذي شهدت فيه البلاد انهيار شبكتها الكهربائية الوطنية نتيجة تشديد الولايات المتحدة مؤخرًا حظرها النفطي على الجزيرة.
أما في أفريقيا، فقد تبنّت إدارة دونالد ترامب نهجًا متشددًا تجاه نيجيريا، وقامت بتوجيه ضربات ضد جماعات متطرفة، إلى جانب تصنيفها دولة “مثيرة للقلق”، وفرض قيود تأشيرات، وإرسال بعثات وفرق عسكرية، في إطار ربط الملف الأمني بحماية الأقليات الدينية.
مع خطاب سياسي تضمن أحيانًا مواقف حادة تجاه دول في أفريقيا، من بينها نيجيريا، في سياق ربط بعض القضايا بملف حماية الأقليات الدينية، وهو ما أثار جدلًا واسعًا حول حدود التدخل السياسي والإنساني.
وفي السياق نفسه، شملت السياسة الخارجية الأمريكية اعترافًا بالقدس عاصمة لإسرائيل، وما تبعه من إعادة صياغة للموقف الأمريكي من عملية السلام مع الفلسطينيين، إضافة إلى الانسحاب من عدد من الاتفاقيات والمنظمات الدولية، من بينها اليونسكو، وإعادة تقييم دور الولايات المتحدة داخل بعض المؤسسات الدولية الأخرى.
كما ارتبطت سياساته تجاه الحلفاء، خصوصًا داخل حلف الناتو، بمطالبات متكررة بزيادة الإنفاق الدفاعي وتقاسم الأعباء العسكرية، إلى جانب تبني مقاربة أكثر تشددًا في العلاقات مع الحلفاء التقليديين، وعلى رأسهم دول أوروبا.
وفي الداخل الأمريكي، اتسمت سياساته بمستوى عالٍ من الاستقطاب السياسي، حيث خاض مواجهات حادة مع خصومه، وعلى رأسهم باراك أوباما وجو بايدن، كما اتسم خطابه السياسي بمواجهة مباشرة مع عدد من وسائل الإعلام والصحافيين، ما أثار نقاشًا واسعًا حول العلاقة بين السلطة التنفيذية وحرية الإعلام.
وفي هذا الإطار، طُرحت أيضًا مواقف تتعلق بالتعامل مع ملف أوكرانيا خلال الحرب مع روسيا، حيث ضغط على فولوديمير زيلينسكي لدفع تعويضات عن الدعم الأمريكي في عهد إدارة جو بايدن بمليارات الدولارات، ووقّع اتفاقية المعادن.
وأخيرًا، الهجوم على إيران: اندلعت حرب قصيرة بين إيران وإسرائيل في يونيو 2025، بدأت بضربة إسرائيلية وردّ إيراني واسع، مع تدخل أمريكي، وانتهت بوقف إطلاق نار دون حسم.
كما شهد فبراير 2026 هجومًا أمريكيًا إسرائيليًا في حرب استمرت 40 يومًا، واجهت معارضة شديدة داخليًا وخارجيًا، وتحديدًا من الحلفاء الأوروبيين، وهي حاليًا متوقفة في إطار المفاوضات.
ولا نعلم إلى أين ستؤول في ظل تعثر المفاوضات، والحصار الأمريكي، وسيطرة إيران على مضيق هرمز، في حالة لا حرب ولا سلم.
وفي تقدير أوسع، قد لا تكون سياسات دونالد ترامب مجرد انعكاس لنهج فردي أو أسلوب سياسي مختلف، بقدر ما تمثل مؤشرًا على تحوّل أعمق داخل بنية الدولة الأمريكية نفسها. فالتراجع عن الالتزامات الدولية، وتصاعد منطق الصفقات، وإعادة تعريف التحالفات، كلها قد تعكس انتقالًا تدريجيًا من نموذج القيادة العالمية القائم على التوازن بين القوة الصلبة والناعمة، إلى نموذج أكثر براغماتية وأقل ارتباطًا بالقيم التقليدية التي حكمت السياسة الأمريكية لعقود.
وفي هذا السياق، تبدو السياسة الأمريكية تاريخيًا متمسكة بموقعها بوصفها القوة الأولى في النظام الدولي، وساعية للحفاظ على تفوقها عبر أدوات القوة العسكرية والاقتصادية والتحالفات الاستراتيجية. غير أن التحولات الجارية على مستوى النظام الدولي، وبروز قوى جديدة، تطرح تساؤلات جدية حول قدرة هذا النموذج على الاستمرار بالشكل ذاته.
وقد لا يكون مستبعدًا أن تتجه السياسة الأمريكية نحو مسارات جديدة تعيد تعريف مفهوم القيادة العالمية، خصوصًا في ظل الضغوط المتزايدة والتحديات الإقليمية والدولية. ويزداد هذا الاحتمال حضورًا في حال تعثرت بعض رهاناتها الكبرى، ومن بينها الملفات ذات الحساسية العالية في الشرق الأوسط، بما في ذلك التصعيد مع إيران.
ومع أن بعض القرارات قد تعكس، في ظاهرها، شخصية القيادة السياسية الحالية، فإنها في العمق ترتبط بتوازنات الدولة ومؤسساتها، وليس بالأفراد وحدهم. لكن المؤكد أن استمرار هذا النهج دون مراجعة استراتيجية قد يفرض على الولايات المتحدة تكاليف طويلة المدى، قد تؤثر في موقعها داخل النظام الدولي، في عالم يتجه نحو مزيد من التعددية وإعادة توزيع مراكز القوة.



