أخبار العالم

مصر ترفض تهديدات سموتريتش بشأن سيناء وتتمسك بثوابتها السيادية

ردّ الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على التصريحات التي أدلى بها وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش بشأن شبه جزيرة سيناء، مؤكداً أن مصر خاضت حرباً دفاعاً عن أراضيها واستعادت كامل ترابها الوطني، ومشدداً على أن أولويات الدولة المصرية تتمثل في حماية أمنها القومي وصون استقرارها والحفاظ على السلام في المنطقة. وجاءت تصريحات السيسي خلال الندوة التثقيفية الرابعة والأربعين للقوات المسلحة المصرية، التي أقيمت بمناسبة الذكرى الثالثة والخمسين لحرب أكتوبر 1973، في موقف يعكس رفض القاهرة لأي تصريحات تمس سيادتها الإقليمية أو تثير الشكوك بشأن نواياها تجاه إسرائيل.

وأكد السيسي أن مصر لا تحمل أي أجندات خفية ولا تطمح إلى الاعتداء على أراضي أي دولة، متسائلاً عما إذا كانت بعض الأوساط الإسرائيلية تتبنى تصورات أو مخاوف غير مبررة بشأن وجود مطامع مصرية تجاه إسرائيل. وشدد على أن الدولة المصرية لا تسعى إلى التصعيد، وأن هدفها الأساسي يتمثل في حماية حدودها ومقدرات شعبها وضمان أمنها واستقرارها، في إطار احترام الاتفاقيات الدولية والحفاظ على السلام الإقليمي.

وتأتي هذه التصريحات رداً على مواقف أطلقها سموتريتش في مقابلة مصورة مطلع أكتوبر الجاري، حين حذّر من أن مصر ستفقد شبه جزيرة سيناء إذا قررت شن هجوم على إسرائيل، قائلاً إن إدراك القاهرة للعواقب المحتملة لمثل هذا السيناريو ينبغي أن يشكل رادعاً لها. وقد أثارت تصريحاته انتقادات واسعة في مصر، حيث اعتُبرت مساساً بالسيادة المصرية ومحاولة لإعادة طرح سيناء في سياق التهديدات العسكرية الإسرائيلية.

وتحمل الإشارة إلى استعادة سيناء دلالة تاريخية وسياسية بالغة الأهمية، إذ تمثل شبه الجزيرة إحدى أبرز القضايا المرتبطة بالصراع العربي الإسرائيلي. فقد احتلت إسرائيل سيناء خلال حرب يونيو 1967، قبل أن تشن مصر حرب أكتوبر 1973، التي أسهمت في تغيير موازين المواجهة وفتحت الطريق أمام المسار السياسي الذي انتهى بتوقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية في مارس 1979، وانسحاب إسرائيل من سيناء على مراحل، اكتمل عام 1982، باستثناء منطقة طابا التي استعادت مصر السيادة عليها عام 1989 بعد مسار تحكيم دولي.

ومن هذا المنطلق، فإن تأكيد السيسي أن مصر خاضت حرباً دفاعاً عن أرضها واستعادت كامل أراضيها يمثل رسالة سياسية واضحة بشأن مركزية السيادة الوطنية في العقيدة المصرية، ورفض التعامل مع الأراضي المصرية باعتبارها موضوعاً قابلاً للمساومة أو التهديد. كما يعيد هذا الموقف التذكير بأن استعادة سيناء لم تكن نتيجة ترتيبات سياسية فحسب، بل جاءت بعد حرب وتفاوض طويلين، شكّلا معاً مساراً لاسترجاع الأرض وتثبيت السيادة المصرية عليها.

وفي سياق رده، أكد السيسي أن معاهدة السلام الموقعة بين مصر وإسرائيل تظل الإطار الحاكم للعلاقات بين البلدين. ويعكس هذا التأكيد تمسك القاهرة بالاتفاقية باعتبارها أساساً لتنظيم العلاقات الثنائية وتجنب المواجهة العسكرية، رغم تصاعد الخطاب السياسي الإسرائيلي تجاه مصر خلال الفترة الأخيرة.

وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة في ظل التوترات الإقليمية المرتبطة بالحرب في قطاع غزة، والمخاوف المصرية من محاولات تهجير الفلسطينيين قسراً إلى الأراضي المصرية، ولا سيما باتجاه سيناء. وترفض القاهرة بصورة متكررة أي سيناريو يؤدي إلى نقل سكان قطاع غزة إلى أراضيها، معتبرة أن تهجير الفلسطينيين يشكل تهديداً للأمن القومي المصري، فضلاً عن كونه مساساً بحق الفلسطينيين في البقاء على أرضهم وتهديداً لإمكانية إقامة دولة فلسطينية مستقلة.

وكانت تصريحات سموتريتش قد تزامنت أيضاً مع دعواته إلى احتلال أجزاء واسعة من قطاع غزة وتشجيع هجرة سكانه، الأمر الذي أضفى على حديثه عن سيناء أبعاداً تتجاوز التهديد العسكري الافتراضي إلى المخاوف المرتبطة بمستقبل القضية الفلسطينية والحدود المصرية الإسرائيلية. وقد رفضت القاهرة الزجّ باسم سيناء في هذه التصريحات، ووصفت مصادر مصرية التهديدات بأنها غير مقبولة، معتبرة أنها قد تخدم حسابات سياسية داخلية إسرائيلية.

ولم يقتصر موقف السيسي على الرد على التصريحات المتعلقة بسيناء، بل أعاد التأكيد على دعم مصر حل الدولتين باعتباره المسار الواقعي لتحقيق سلام عادل ودائم في المنطقة، من خلال إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل. ويعكس هذا الموقف ارتباط السياسة المصرية تجاه إسرائيل بملف الصراع الفلسطيني، إذ ترى القاهرة أن استقرار المنطقة لا يمكن ضمانه بصورة مستدامة دون معالجة جذور النزاع وضمان الحقوق الوطنية الفلسطينية.

وتسعى مصر، التي تضطلع بدور محوري في الوساطة بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، إلى منع اتساع نطاق الحرب وتجنب تداعياتها الأمنية والإنسانية على الدول المجاورة. كما أن أي محاولة لفرض واقع ديمغرافي جديد في غزة أو نقل أعداد كبيرة من الفلسطينيين إلى سيناء قد تضع القاهرة أمام تحديات أمنية وسياسية واقتصادية معقدة، وتؤثر في ترتيبات الحدود وفي مستقبل العلاقات المصرية الإسرائيلية.

وعلى المستوى الاستراتيجي، تكشف هذه التطورات عن معادلة دقيقة تحاول مصر الحفاظ عليها، تقوم على التمسك بمعاهدة السلام من جهة، ورفض التهديدات التي تمس سيادتها أو تستهدف تغيير الواقع الديمغرافي في قطاع غزة من جهة أخرى. فالقاهرة لا تبدو معنية بفتح مواجهة عسكرية جديدة، لكنها تؤكد في المقابل أن الحفاظ على السلام لا يعني التنازل عن الحقوق السيادية أو القبول بفرض وقائع جديدة بالقوة.

وتشير تصريحات السيسي إلى أن القاهرة تسعى إلى احتواء التصعيد عبر خطاب يجمع بين تأكيد القدرة على الدفاع عن الأراضي المصرية والتمسك بالمسار الدبلوماسي. كما تحمل رسالة إلى الأطراف الإقليمية والدولية مفادها أن استقرار العلاقات المصرية الإسرائيلية يظل مرتبطاً باحترام السيادة والالتزامات القائمة، وعدم استخدام الخطاب التهديدي في التعامل مع القضايا الحدودية.

وفي الوقت نفسه، يضع هذا السجال العلاقات المصرية الإسرائيلية أمام اختبار سياسي جديد، في ظل اتساع الفجوة بين الالتزام الرسمي بمعاهدة السلام وتصريحات بعض المسؤولين الإسرائيليين التي تتناول الأراضي المصرية بلغة التهديد. ولا يعني ذلك بالضرورة اقتراب مواجهة عسكرية بين البلدين، لكنه يكشف عن حساسية متزايدة في البيئة الأمنية الإقليمية، حيث تتداخل الحرب في غزة مع قضايا الحدود والتهجير القسري وموازين الردع.

وفي المحصلة، يتجاوز رد السيسي كونه جواباً مباشراً على تصريحات سموتريتش، ليؤكد ثوابت السياسة المصرية بشأن السيادة الوطنية وأمن الحدود ورفض تهجير الفلسطينيين، مع التشديد على أن السلام الإقليمي لا يمكن أن يستند إلى التهديد أو فرض الأمر الواقع. وبين التمسك بالمعاهدة والاستعداد لحماية الأمن القومي، تحاول القاهرة تثبيت معادلة تقوم على منع التصعيد دون السماح بتحويل التهدئة إلى غطاء للمساس بحقوقها السيادية أو بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق