كلمة الدكتورة هدى الحزامي في الملتقى العربي الصيني: من قرطاج إلى الحزام والطريق: تونس شريك استراتيجي في بناء فضاء متوسطي صيني عربي جديد

قسم البحوث والدراسات والعلاقات الدولية 19-07-2026
إذا كانت الجغرافيا قد جعلت من قرطاج مفتاحًا للبحر الأبيض المتوسط في العصور القديمة، فإن التحولات الجيوسياسية والاقتصادية الراهنة تمنح تونس فرصة تاريخية لاستعادة هذا الدور في إطار شراكة استراتيجية جديدة مع جمهورية الصين الشعبية. فالموقع الذي مكّن قرطاج من أن تكون إحدى أبرز القوى التجارية والبحرية في العالم القديم لم يفقد أهميته، وإنما تغيرت أدوات توظيفه، حيث انتقل العالم من صراع حول طرق التجارة التقليدية إلى تنافس على الممرات اللوجستية وسلاسل الإمداد والطاقة والتكنولوجيا وشبكات الاقتصاد العالمي.
في إطار التغيرات غير المسبوقة التي يشهدها النظام الدولي، وما يرافقها من إعادة تشكيل لموازين القوى الاقتصادية والجيوسياسية، برزت مبادرة الحزام والطريق باعتبارها إحدى أهم المبادرات الدولية الهادفة إلى بناء فضاءات جديدة للتعاون والتنمية والربط الاقتصادي بين القارات. وفي هذا المسار ، لا تبدو تونس مجرد دولة عربية منخرطة في هذه المبادرة، وإنما تبرز بوصفها فضاءً جيواقتصاديًا يمتلك من المقومات التاريخية والجغرافية ما يؤهله للاضطلاع بدور محوري في إعادة ربط الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط بشبكات التجارة والاستثمار العالمية.
وانطلاقًا من هذا التصور، يقوم هذا المقال على فرضية مفادها أن مبادرة الحزام والطريق لا تمنح تونس موقعًا جديدًا، بقدر ما تتيح لها استعادة وظيفة تاريخية اضطلعت بها منذ العهد القرطاجي، والمتمثلة في الربط بين فضاءات التجارة والحضارات في قلب البحر الأبيض المتوسط. ومن ثم، فإن بناء المجتمع الصيني العربي للمستقبل المشترك لا يقتصر على تعزيز علاقات التعاون التقليدية، وإنما يفتح المجال أمام إعادة تموقع تونس كشريك استراتيجي في بناء فضاء متوسطي صيني عربي جديد، قائم على التنمية المشتركة، والتكامل الاقتصادي، والاستثمار في البنية التحتية والطاقة والابتكار، بما يخدم المصالح المتبادلة ويستجيب لمتطلبات النظام الدولي المتشكل.
وفي هذا السياق، يطرح هذا المقال إشكالية رئيسية تتمثل في التساؤل التالي:
إلى أي مدى يمكن لتونس، بالاستناد إلى رصيدها التاريخي والحضاري المتمثل في الإرث القرطاجي، وموقعها الجغرافي في قلب المتوسط، وانخراطها في مبادرة الحزام والطريق، أن تتحول من مجرد موقع جغرافي استراتيجي إلى شريك فاعل في بناء فضاء متوسطي صيني عربي جديد قائم على التنمية المشتركة؟
ويمكن تقسيم هاته الإشكالية الى تساؤلات فرعية:
كيف يمكن توظيف الموقع المتوسطي لتونس في إعادة إدماجها ضمن شبكات التجارة العالمية؟ وما هي الفرص التي تتيحها الشراكة الصينية التونسية في مجالات البنية التحتية والطاقة والاقتصاد الرقمي؟ وما هي التحديات التي تحول دون الانتقال من الاتفاقيات السياسية إلى مشاريع تنموية استراتيجية؟
أولًا: قرطاج والبعد التاريخي للموقع التونسي في شبكات التجارة العالمية قرطاج… حين صنعت الجغرافيا التاريخ
* نشأت قرطاج في موقع استراتيجي على الساحل التونسي، في قلب البحر الأبيض المتوسط، وهو موقع منحها قدرة استثنائية على التحكم في طرق الملاحة والتبادل التجاري بين شرق المتوسط وغربه
* أدرك القرطاجيون منذ البداية أن القوة الاقتصادية لا تقوم فقط على التوسع العسكري، بل على التحكم في شبكات التجارة والممرات البحرية
* قامت قوة قرطاج على بناء أسطول بحري متطور، وتطوير مهارات الملاحة، وإنشاء شبكة واسعة من الموانئ والمراكز التجارية التي امتدت عبر غرب البحر الأبيض المتوسط وشمال إفريقيا والجزر المتوسطية، مما مكّنها من تنظيم حركة التبادل التجاري والتحكم في مسارات بحرية استراتيجية.
* أصبحت قرطاج إحدى أبرز القوى التجارية في العالم القديم، حيث حولت البحر الأبيض المتوسط إلى فضاء للتبادل الاقتصادي والحضاري، وجعلت من الموانئ والطرق البحرية أدوات أساسية لبناء نفوذها الاقتصادي والسياسي.
التجارة كأداة لبناء النفوذ القرطاجي
* لم تكن التجارة بالنسبة لقرطاج مجرد نشاط اقتصادي، بل كانت وسيلة لبناء النفوذ السياسي والحضاري * اعتمدت قرطاج على إقامة علاقات تجارية واسعة وربط الأسواق والموارد بين مختلف مناطق المتوسط * شكلت تجربتها نموذجًا مبكرًا لأهمية الممرات البحرية وشبكات الاتصال في بناء القوة الاقتصادية للدول
* يبرز الإرث القرطاجي حقيقة أساسية: أن الموقع الجغرافي يصبح مصدر قوة عندما يتم تحويله إلى شبكة من المبادلات والمصالح المشتركة
القيروان… استمرارية الدور التونسي كمركز للتبادل الحضاري والتجاري
* بعد الحقبة القرطاجية، واصلت تونس أداء دورها كمجال للربط بين الحضارات والفضاءات الاقتصادية المختلفة * شكلت القيروان منذ تأسيسها مركزًا سياسيًا وعلميًا وحضاريًا بارزًا في المغرب الإسلامي
* لم تقتصر أهمية القيروان على دورها الديني والثقافي، بل كانت أيضًا مركزًا للتبادل التجاري، تربط بين المجال المتوسطي وعمق إفريقيا والمشرق
* ساهم موقعها في شبكات طرق التجارة والقوافل في جعلها نقطة اتصال بين مناطق مختلفة، مما عزز مكانة تونس كحلقة وصل بين الفضاءات الحضارية والاقتصادية
من الإرث التاريخي إلى الرؤية المستقبلية
* يكشف المسار الممتد من قرطاج إلى القيروان أن الدور التاريخي لتونس قام دائمًا على وظيفة أساسية تتمثل في الربط بين الحضارات والأسواق والمجالات الجغرافية المختلفة.
* تغيرت أدوات القوة عبر الزمن؛ فقد كانت السفن والموانئ التجارية أدوات النفوذ في العصر القرطاجي، بينما أصبحت اليوم الموانئ الذكية، والطاقة، والتكنولوجيا، وسلاسل القيمة العالمية أدوات التنمية والتأثير.
* من هنا تبرز أهمية الانتقال من الدور التاريخي لتونس في شبكات التجارة القديمة إلى إمكانية إعادة تموقعها في شبكات التنمية العالمية المعاصرة من خلال الشراكة مع الصين ومبادرة الحزام والطريق.
إن الانتقال من قرطاج إلى الحزام والطريق لا يمثل قطيعة مع التاريخ، بل يعكس استمرارية وظيفة استراتيجية لتونس: تحويل موقعها الجغرافي والحضاري إلى قوة اقتصادية قادرة على بناء شراكات جديدة في فضاء متوسطي متجدد.
ثانيا: الحزام والطريق وإعادة تشكيل موقع تونس في الاقتصاد المتوسطي
تمثل مبادرة الحزام والطريق إطارًا استراتيجيًا جديدًا لإعادة إدماج تونس في شبكات اقتصادية كبرى، من خلال تحويل موقعها الجغرافي في قلب البحر الأبيض المتوسط إلى منصة للربط بين آسيا والمتوسط وإفريقيا وأوروبا.
وتندرج هذه الإمكانية ضمن التحول الذي عرفه النموذج التنموي الصيني خلال العقد الأخير، حيث انتقلت الصين من مرحلة التركيز على النمو السريع إلى مرحلة التنمية عالية الجودة القائمة على الابتكار التكنولوجي، والاستدامة البيئية، وبناء القدرات، وتحسين جودة النمو الاقتصادي.
وقد كرست هذه الرؤية ضمن توجهات الخطة الخمسية الخامسة عشرة للصين، التي تركز على تعزيز الابتكار، تطوير القدرات الوطنية، تحقيق التنمية المستدامة، وتعميق الانفتاح الاقتصادي وفق معايير أكثر جودة وتوازنًا.
وفي هذا الإطار، أصبحت مبادرة الحزام والطريق، التي أطلقت سنة 2013، منصة عملية لترجمة هذا التحول التنموي عبر تعزيز الترابط بين الدول، وتطوير البنية التحتية، ونقل التكنولوجيا، ودعم التعاون القائم على المنفعة المتبادلة والتنمية المشتركة.
وبالنسبة لتونس، فإن أهمية هذه المبادرة لا تكمن فقط في جذب الاستثمارات أو إنجاز مشاريع اقتصادية محددة، بل في قدرتها على إعادة تموقع تونس داخل سلاسل القيمة العالمية وشبكات التجارة والتنمية الدولية، بما يسمح بإعادة تفعيل دورها التاريخي كحلقة وصل بين الحضارات والأسواق، ولكن بأدوات اقتصادية وتكنولوجية معاصرة.
مبادرة الحزام والطريق كإطار جديد لإعادة بناء شبكات التنمية العالمية
* لا تمثل مبادرة الحزام والطريق مجرد مشروع للبنية التحتية أو ممرات تجارية، بل تعكس رؤية تنموية تقوم على تعزيز الربط الاقتصادي، وتوسيع شبكات التعاون، ودعم التنمية المشتركة بين الدول الشريكة.
* وتشمل المبادرة مجالات متعددة تتجاوز النقل والموانئ لتشمل الطاقة، والاقتصاد الرقمي، والتكنولوجيا، وبناء القدرات، بما يجعلها إحدى الأدوات الأساسية لإعادة تشكيل شبكات الاقتصاد العالمي.
* ومن هذا المنطلق، يمكن لتونس أن تستفيد من هذه الرؤية لتحويل موقعها الجغرافي من ميزة طبيعية إلى قيمة اقتصادية فاعلة.
تونس والحزام والطريق: من التعاون التقليدي إلى الشراكة الاستراتيجية
* تمثل تونس نقطة اتصال حيوية في شمال إفريقيا، بحكم موقعها في قلب المتوسط، وهو ما يمنحها إمكانية لعب دور .محوري في الربط بين آسيا وأوروبا وإفريقيا.
* تعود العلاقات التونسية الصينية إلى منتصف القرن العشرين، وقد شهدت تطورًا مهمًا خلال السنوات الأخيرة.
* شكلت الزيارة التاريخية للرئيس التونسي إلى الصين في ماي 2024، وهي الأولى من نوعها لرئيس تونسي، محطة مهمة أسفرت عن الارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة.
*يمثل انضمام تونس إلى مبادرة الحزام والطريق من خلال مذكرة التفاهم الموقعة في جويلية 2018 إطارًا قانونيًا يمكن أن يدعم تطوير التعاون الاقتصادي والاستثماري بين البلدين.
الحزام والطريق وإعادة تموقع تونس داخل شبكات الاقتصاد العالمي
* تكمن أهمية الحزام والطريق بالنسبة لتونس في إمكانية إعادة إدماجها في شبكات اقتصادية كبرى، وليس فقط في استقبال مشاريع استثمارية محددة.
*الموقع التونسي يمكن أن يتحول إلى منصة لوجستية وتجارية تربط بين آسيا والمتوسط وإفريقيا وأوروبا، خاصة عبر تطوير الموانئ، والنقل البحري، والخدمات اللوجستية.
*يفتح التعاون مع الصين آفاقًا جديدة في مجالات الاقتصاد الرقمي، والتكنولوجيا، والطاقة، بما يسمح لتونس بالاندماج في سلاسل القيمة العالمية.
* بالتالي يمكن لتونس أن تعيد تفعيل وظيفتها التاريخية كحلقة وصل بين الحضارات والأسواق، ولكن بأدوات معاصرة تقوم على الربط والابتكار والتنمية المستدامة.
ثالثا: من الموقع الجغرافي إلى الشراكة التنموية: الفرص الاستراتيجية أمام تونس والصين
إن مستقبل الشراكة التونسية الصينية لا ينبغي أن يقوم فقط على تنمية المبادلات التجارية، بل على بناء نموذج تنموي مشترك يحول الموقع الاستراتيجي لتونس إلى قيمة اقتصادية حقيقية.
فتونس لا تمتلك فقط موقعًا جغرافيًا متميزًا في قلب البحر الأبيض المتوسط، بل تمتلك إمكانية أن تصبح حلقة وصل بين آسيا وإفريقيا وأوروبا، وهو ما ينسجم مع الرؤية الاستراتيجية لمبادرة الحزام والطريق القائمة على الربط والتنمية المشتركة.
ومن هذا المنطلق، فإن الرهان الأساسي يتمثل في الانتقال من منطق التعاون التقليدي إلى منطق إنتاج القيمة المشتركة عبر مشاريع كبرى في البنية التحتية والطاقة والتنمية المستدامة.
.1 تطوير الموانئ التونسية كمنصات استراتيجية ضمن الحزام والطريق
* يمثل البحر الأبيض المتوسط تاريخيًا مجالًا لحركة التجارة والتواصل بين الحضارات، وقد شكلت الموانئ القرطاجية في الماضي أحد عناصر القوة الاقتصادية لتونس.
* اليوم، يمكن إعادة توظيف هذا الدور التاريخي من خلال تطوير الموانئ التونسية وتحويلها إلى منصات لوجستية وتجارية حديثة مرتبطة بشبكات التجارة العالمية.
*تتمتع موانئ مثل بنزرت وطبرقة وقليبية وجرجيس بإمكانيات يمكن تطويرها لتعزيز دور تونس كمركز بحري متوسطي، قادر على استقبال حركة التجارة الدولية وربط المسارات التجارية الصينية بالأسواق الإفريقية والأوروبية.
إن الاستثمار في الموانئ لا يمثل مجرد تطوير للبنية التحتية، بل يمثل إعادة تموقع استراتيجي لتونس داخل شبكات الحزام والطريق.
.2 الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر كجيل جديد من الشراكة التنموية
* يشكل قطاع الطاقة أحد أهم المجالات المستقبلية للتعاون التونسي الصيني، خاصة في ظل التحول العالمي نحو الطاقات النظيفة.
* تملك تونس مؤهلات مهمة في مجال الطاقة الشمسية بحكم موقعها الجغرافي، بينما تمتلك الصين خبرات متقدمة في التكنولوجيا والطاقة المتجددة والصناعات المرتبطة بها.
* بالتالي يمكن بناء شراكة تقوم على الاستثمار المشترك في إنتاج الطاقة النظيفة، وخاصة الهيدروجين الأخضر باعتباره أحد مصادر الطاقة المستقبلية.
* لا يمثل الهيدروجين الأخضر فقط فرصة اقتصادية جديدة، بل يمكن أن يجعل من تونس منصة إنتاج وتصدير للطاقة النظيفة، تجمع بين القدرات التكنولوجية الصينية والموقع الاستراتيجي التونسي.
.3 تونس حلقة وصل في سوق الطاقة النظيفة المتوسطية
* يفتح التحول الطاقي العالمي، وخاصة ارتفاع الطلب الأوروبي على مصادر الطاقة النظيفة، أمام تونس فرصة استراتيجية لإعادة تعريف دورها الاقتصادي.
* يسمح موقع تونس القريب من الأسواق الأوروبية، إضافة إلى إمكاناتها في مجال الطاقة الشمسية، لها بأن تصبح منصة
متوسطية لإنتاج وتصدير الهيدروجين الأخضر نحو أوروبا. اليوم ألمانيا تستورد في بواخر من الهيدروجين الأخضر من الهند لماذا لا تكون تونس القريبة من اهم المصدرين لها؟.
* بذلك يمكن للشراكة التونسية الصينية أن تنتقل من مجرد التعاون التجاري إلى بناء مشاريع إنتاجية طويلة المدى تحقق مصالح مشتركة للطرفين.
تستفيد الصين من توسيع مجالات استثمارها وشراكاتها التنموية، وتونس تستفيد من التكنولوجيا والخبرة والاستثمار بما يدعم تحولها إلى فاعل اقتصادي في قطاعات المستقبل.
الخلاصة:
* الرهان الحقيقي أمام تونس والصين لا يتمثل فقط في الاستفادة من الموقع الجغرافي التونسي، بل في تحويل هذا الموقع إلى قوة اقتصادية منتجة.
* فكما جعلت قرطاج من البحر مجالًا للتجارة والنفوذ، يمكن لتونس اليوم أن تعيد بناء هذا الدور بأدوات جديدة تقوم على الموانئ الحديثة، والطاقة النظيفة، والتكنولوجيا، ضمن رؤية مشتركة مع الصين في إطار الحزام والطريق.
* جاء الوقت الان للتعاون الصيني التونسي ليحكم المتوسط إقتصاديا.
رابعا: متطلبات الانتقال من الشراكة السياسية إلى الشراكة التنموية العملية
بالرغم من الإمكانات الكبيرة التي توفرها مبادرة الحزام والطريق لإعادة تموقع تونس داخل شبكات الاقتصاد العالمي، فإن تحقيق هذه الإمكانات يتطلب تجاوز مجموعة من التحديات المرتبطة بالبيئة الدولية وبالقدرة الوطنية على تحويل الفرص إلى مشاريع فعلية.
ان نجاح الشراكة التونسية الصينية لا يرتبط فقط بوجود اتفاقيات وأطر تعاون، بل بمدى قدرة الطرفين على بناء آليات تنفيذية واضحة تقوم على رؤية استراتيجية طويلة المدى، وتحقق المصالح المشتركة. ويتطلب ذلك اتباع الخطوات التالية:
.1 إدارة التحولات الجيوسياسية عبر تنويع الشراكات الاقتصادية
* اليوم تتحرك تونس في سياق دولي يشهد تحولات عميقة وإعادة تشكيل لموازين القوى الاقتصادية، وهو ما يفرض عليها تطوير مقاربة تقوم على تنويع الشراكات والانفتاح على مختلف الفضاءات الاقتصادية.
* ان بناء شراكة استراتيجية مع الصين لا يعني الابتعاد عن الشركاء التقليديين، بل يمثل فرصة لتعزيز موقع تونس
ضمن عالم متعدد الأقطاب، من خلال اعتماد دبلوماسية اقتصادية متوازنة تجعل من المصلحة الوطنية محورًا أساسيًا في خياراتها التنموية.
*واستخلاصا لذلك، فإن قدرة تونس على الاستفادة من مبادرة الحزام والطريق ترتبط بقدرتها على إدارة علاقاتها الدولية وفق رؤية مستقلة ومرنة تستجيب للتحولات الاقتصادية العالمية.
.2 بناء رؤية تونسية واضحة وتحويل الاتفاقيات إلى مشاريع عملية
* يشكل الانتقال من مرحلة الاتفاقيات السياسية إلى مرحلة الإنجاز الاقتصادي التحدي الأساسي أمام الشراكة التونسية الصينية.
* فبالرغم من توقيع مذكرة التفاهم حول مبادرة الحزام والطريق في جويلية 2018، ورغم الارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى
مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة سنة 2024، فإن التحدي الحقيقي يتمثل في وضع آليات عملية لترجمة هذه الأطر السياسية إلى مشاريع تنموية ملموسة.
* يقتضي ذلك بناء رؤية وطنية واضحة تحدد القطاعات ذات الأولوية، مثل الموانئ والطاقة والتكنولوجيا والبنية التحتية، وتعزيز دور الدبلوماسية الاقتصادية في إعداد المشاريع وجذب الاستثمارات ومتابعة تنفيذها عبر آليات مراقبة مشتركة بين الجانبين.
اذ نحتاج إلى مؤسسات قادرة على التخطيط والتفاوض والتنفيذ.
.3 تطوير البيئة الاقتصادية والمؤسساتية لضمان استدامة الشراكة
* ان جذب مشاريع استراتيجية ضمن مبادرة الحزام والطريق يتطلب توفير بيئة اقتصادية ومؤسساتية قادرة على مواكبة حجم هذه الشراكات.
* يفترض ذلك تحسين مناخ الاستثمار، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وتحديث الإدارة عبر الرقمنة، وتوفير إطار قانوني واضح يضمن الثقة لدى المستثمرين والشركاء الدوليين.
* ضرورة تطوير البنية التحتية وتعزيز القدرة المؤسساتية على إدارة المشاريع الكبرى، حتى تتحول الاستثمارات الخارجية إلى محركات للتنمية ونقل التكنولوجيا وخلق القيمة المضافة.
الخاتمة: تونس من ذاكرة قرطاج إلى أفق المستقبل المشترك
أبرز هذا المقال أن الموقع الجغرافي لتونس لم يكن عبر التاريخ مجرد معطى جغرافي، بل كان مصدرًا للقوة كلما ارتبط بشبكات التجارة والتواصل بين الحضارات. تسمح اليوم، مبادرة الحزام والطريق فرصة لإعادة توظيف هذا الموقع ضمن رؤية تنموية جديدة تجعل من تونس حلقة وصل بين آسيا وإفريقيا وأوروبا.
يقتضي نجاح هذه الرؤية، المرور من الاتفاقيات السياسية إلى المشاريع الاستراتيجية، بما يحول الشراكة التونسية الصينية إلى نموذج للتنمية المشتركة وإنتاج للقيمة المضافة.
ومن هذا السياق، فإن الانتقال من قرطاج إلى الحزام والطريق لا يمثل مجرد امتداد تاريخي، بل يعبر عن رؤية مستقبلية يمكن أن تجعل من تونس شريكًا استراتيجيًا في بناء فضاء متوسطي صيني عربي جديد، بما ينسجم مع أهداف بناء المجتمع الصيني العربي للمستقبل المشترك.



