أخبار العالم

ذكرى استشهاد السيد القائد حسن نصرالله : غياب القائد وامتداد النموذج

مقدمة 

في السابع والعشرين من سبتمبر 2024 اغتال الكيان الصهيوني الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في غارة جوية استهدفت مقر القيادة في الضاحية الجنوبية لبيروت في واحدة من أكثر العمليات العسكرية والاستخباراتية تأثيراً في مسار المواجهة بين إسرائيل وحزب الله خلال العقود الأخيرة وجاء اغتياله بعد أكثر من ثلاثة عقود قضاها على رأس التنظيم وهي فترة لم يكن خلالها نصر الله مجرد قائد يتولى إدارة شؤون تنظيم سياسي وعسكري وإنما كان شخصية محورية في مرحلة كاملة من تاريخ المقاومة وفي التحولات التي شهدتها المنطقة وقد ارتبط اسمه منذ توليه قيادة حزب الله سنة 1992 بمسار طويل من إعادة بناء التنظيم وتطوير قدراته وتعزيز حضوره داخل المجتمع اللبناني وتثبيت موقعه في مواجهة إسرائيل وهو ما جعل شخصيته مرتبطة بصورة وثيقة بمسار الحزب وبالتحولات التي عرفتها بنيته السياسية والعسكرية والاجتماعية وتشير دراسات صادرة عن معهد الدراسات الاستراتيجية الدولية إلى أن مقتل نصر الله مثل نقطة تحول بالنسبة إلى حزب الله ولبنان ومنطقة المشرق والاستراتيجية الإيرانية في المنطقة بالنظر إلى الدور الذي اضطلع به طوال ثلاثة عقود في صياغة موقع الحزب داخل المعادلات اللبنانية والإقليمية

وتكتسب شخصية نصر الله أهميتها من كونها ارتبطت بمرحلة شهدت انتقال حزب الله من تنظيم مقاوم يعمل بصورة أساسية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان إلى فاعل يمتلك بنية عسكرية وسياسية واجتماعية واسعة وقد ساهم نصر الله في قيادة هذا التحول عبر بناء مؤسسات الحزب وتطوير قدراته العسكرية وتعزيز حضوره السياسي والاجتماعي وتوسيع قدرته على التعبئة والتنظيم وهو ما جعل الحزب نموذجاً مختلفاً عن الصورة التقليدية للتنظيمات المسلحة وقد أشار المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية إلى أن الحزب خلال فترة قيادة نصر الله تحول إلى حركة جماهيرية وحزب سياسي ومؤسسة تقدم خدمات اجتماعية إلى جانب تطوره كفاعل عسكري أكثر قدرة وفعالية وهو ما يوضح أن مشروع نصر الله لم يكن قائماً على البعد العسكري وحده وإنما على بناء منظومة متكاملة تستطيع أن تحافظ على حضورها في المجتمع وأن تجمع بين المقاومة والعمل السياسي والتنظيم الاجتماعي

ولذلك فإن الحديث عن نصر الله لا يمكن اختزاله في شخص القائد العسكري أو السياسي وإنما يرتبط بمسار تجربة مقاومة كاملة استطاعت خلال سنوات طويلة أن تفرض نفسها كأحد أبرز الفاعلين في الصراع مع إسرائيل ففي سنة 2000 ارتبطت قيادة نصر الله بمرحلة الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان بعد سنوات من الاحتلال وفي حرب يوليو 2006 ظهر الحزب كقوة قادرة على خوض مواجهة عسكرية واسعة مع إسرائيل والاستمرار فيها رغم التفوق العسكري الإسرائيلي وفي السنوات اللاحقة توسع الدور الإقليمي للحزب مع مشاركته في الحرب السورية وتطور علاقاته مع قوى مسلحة وسياسية أخرى في المنطقة وقد ساهمت هذه المسارات في جعل تجربة حزب الله جزءاً أساسياً من دراسة التحولات التي طرأت على مفهوم القوة في الشرق الأوسط وهو تحول لم يكن منفصلاً عن شخصية نصر الله التي أصبحت مع مرور الوقت أحد الرموز الأكثر ارتباطاً بمفهوم المقاومة في المنطقة وقد وصفت تحليلات دولية نصر الله بأنه الشخصية التي ساهمت بصورة كبيرة في تحويل الحزب إلى فاعل غير دولتي يمتلك قدرات عسكرية متطورة وحضوراً سياسياً واجتماعياً وشبكة واسعة من العلاقات الإقليمية

كما أن القيمة السياسية والرمزية لنصر الله ارتبطت بصورة أساسية بقدرته على تقديم المقاومة باعتبارها مشروعاً يتجاوز المواجهة العسكرية المباشرة فقد كان حضوره الإعلامي والخطابي جزءاً من بناء صورة سياسية للمقاومة تقوم على الصمود والاستمرارية والقدرة على مواجهة التفوق العسكري الإسرائيلي وقد جعل منه ذلك قائداً يتمتع بحضور واسع داخل بيئته السياسية والاجتماعية وبقدرة كبيرة على مخاطبة جمهوره وتحويل الخطاب السياسي إلى أداة للتعبئة والحشد وإعادة إنتاج الشرعية الداخلية للحزب وبذلك لم تعد المقاومة في تجربته مجرد نشاط عسكري وإنما أصبحت منظومة تجمع بين السلاح والتنظيم والخطاب والإدارة الاجتماعية والحضور السياسي وهي عناصر ساعدت حزب الله على المحافظة على موقعه طوال عقود من التحولات والأزمات وقد أشار مجلس العلاقات الخارجية إلى أن نصر الله كان الشخصية المركزية في التحول الطويل الذي عرفه الحزب منذ التسعينيات وأنه لعب دوراً أساسياً في بناء مؤسساته السياسية والاجتماعية وفي ترسيخ حضوره داخل الحياة اللبنانية

ومن هذه الزاوية يصبح استحضار ذكرى نصر الله مناسبة لقراءة تجربة المقاومة الحديثة من خلال أحد أبرز نماذجها في المنطقة فالمسألة لا تتعلق فقط بمقتل قائد وإنما بغياب شخصية ارتبطت طوال أكثر من ثلاثة عقود ببناء هوية تنظيمية وبصياغة استراتيجية وبإدارة علاقة معقدة بين المقاومة والدولة والمجتمع والإقليم وقد جعل طول فترة قيادته منه جزءاً من الذاكرة السياسية والعسكرية للصراع العربي الإسرائيلي كما جعل تجربته موضوعاً أساسياً لفهم كيفية تطور الحركات المسلحة عندما تتحول من تنظيم محدود النشاط إلى بنية سياسية واجتماعية وعسكرية قادرة على الاستمرار والتكيف مع تغير الظروف وقد أظهرت تجربة حزب الله خلال قيادة نصر الله أن الفاعل غير الدولتي يمكن أن يمتلك أدوات متعددة للتأثير وأن القوة لا تتحدد فقط بحجم الترسانة العسكرية وإنما كذلك بالقدرة على بناء التنظيم والحفاظ على شبكات الدعم والتعبئة الاجتماعية وإنتاج خطاب سياسي قادر على الاستمرار في ظل الضغوط العسكرية والأمنية

ولهذا فإن اغتيال نصر الله في سبتمبر 2024 حمل بعداً يتجاوز استهداف شخصه لأنه جاء في سياق تصعيد واسع بين إسرائيل وحزب الله بدأ بعد اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر 2023 ثم انتقل خلال سبتمبر 2024 إلى مرحلة أكثر كثافة من العمليات الإسرائيلية ضد البنية القيادية والعسكرية للحزب وقد وثق معهد الدراسات الاستراتيجية الدولية أن العمليات الإسرائيلية في تلك الفترة ألحقت أضراراً كبيرة ببنية القيادة والسيطرة لدى حزب الله وأن اغتيال نصر الله كان من أبرز محطات هذا التصعيد ومن هنا يمكن فهم العملية باعتبارها محاولة لضرب أحد أهم مراكز القيادة التي ارتبطت ببناء الاستراتيجية العسكرية والسياسية للحزب وليس فقط تصفية قائد بعينه وهو ما يفسر المكانة التي احتلتها العملية في مسار الحرب وفي الحسابات الإسرائيلية والإقليمية

ومع ذلك فإن أهمية نصر الله التاريخية لا تختزل في الطريقة التي انتهت بها حياته القيادية وإنما في المسار الذي تركه وراءه فالرجل الذي قاد حزب الله منذ 1992 أصبح خلال أكثر من ثلاثة عقود جزءاً من التحول الكبير في طبيعة الصراعات الإقليمية وفي صعود الفاعلين من غير الدول وفي إعادة تعريف العلاقة بين القوة العسكرية والعمل السياسي والمجتمع والتحالفات الإقليمية ولذلك فإن دراسة إرثه تفتح المجال أمام فهم أوسع لتجربة المقاومة الحديثة وللكيفية التي يمكن من خلالها لتنظيم غير دولتي أن يبني مؤسسات وقدرات وشبكات نفوذ تمكنه من الاستمرار لعقود كما تطرح في الوقت نفسه سؤالاً أساسياً حول العلاقة بين القائد والتنظيم وحول قدرة البنية التي ساهم قائد تاريخي في بنائها على الاستمرار بعد غيابه وهو سؤال اكتسب أهمية أكبر بعد اغتيال نصر الله بالنظر إلى أن شخصيته أصبحت على امتداد ثلاثة عقود جزءاً أساسياً من صورة الحزب وهويته السياسية والعسكرية

ومن هذا المنظور يمكن النظر إلى نصر الله باعتباره أحد أبرز الشخصيات التي جسدت مرحلة انتقال المقاومة من العمل العسكري المحدود إلى نموذج أكثر تعقيداً يقوم على الجمع بين القوة العسكرية والتنظيم السياسي والتعبئة الاجتماعية والحضور الإعلامي والعلاقات الإقليمية وهو ما يجعل إرثه موضوعاً يتجاوز السيرة الشخصية نحو دراسة التحولات العميقة التي عرفتها المنطقة خلال العقود الأخيرة فذكرى استشهاده لا تستحضر فقط قائداً اغتيل في قلب مواجهة عسكرية وإنما تستحضر مرحلة كاملة من تاريخ الصراع وما أنتجته من مفاهيم جديدة حول الردع والمقاومة والقوة غير الدولتية والصراع غير المتكافئ وهي مفاهيم ستظل مرتبطة بدراسة تجربة حسن نصر الله وحزب الله باعتبارها واحدة من أكثر التجارب تأثيراً في تاريخ الصراعات الشرق أوسطية المعاصرة

من قيادة تنظيم مقاوم إلى بناء نموذج سياسي عسكري مركب

عندما تولى حسن نصر الله الأمانة العامة لحزب الله سنة 1992 كان الحزب قد بدأ بالفعل في الانتقال من مرحلة التنظيم المقاوم الذي نشأ في سياق الاحتلال الإسرائيلي للبنان إلى مرحلة أكثر تعقيداً من البناء المؤسسي والسياسي غير أن تولي نصر الله القيادة شكل نقطة مهمة في تسريع هذا المسار وفي إعادة صياغة موقع الحزب داخل المجتمع اللبناني والإقليم فلم يتعامل مع المقاومة باعتبارها نشاطاً عسكرياً منفصلاً عن محيطه الاجتماعي والسياسي وإنما عمل على بناء تنظيم قادر على الجمع بين الوظيفة العسكرية والحضور السياسي والتعبئة الاجتماعية والمؤسساتية وهو ما جعل تجربة الحزب خلال فترة قيادته تتجاوز النموذج التقليدي للحركات المسلحة التي تقتصر وظيفتها على حمل السلاح ومواجهة الخصم عسكرياً وتشير دراسة لمعهد الدراسات الاستراتيجية الدولية إلى أن صعود نصر الله تزامن مع تحول حزب الله إلى حركة جماهيرية وحزب سياسي ومقدم للخدمات الاجتماعية بالتوازي مع تطور قدراته كفاعل عسكري أكثر فعالية وهي عملية ساهمت في وضع الحزب في قلب السياسة اللبنانية وفي المعادلات الأمنية الإقليمية

وقد ارتبط هذا التحول إلى حد كبير بطريقة نصر الله في بناء العلاقة بين المقاومة والمجتمع فقد أدركت قيادة الحزب أن استمرار العمل المقاوم لا يرتبط فقط بامتلاك القدرة على المواجهة العسكرية وإنما يحتاج كذلك إلى قاعدة اجتماعية قادرة على احتضان التنظيم وتوفير البيئة السياسية والاجتماعية التي تسمح له بالاستمرار ولذلك تطورت خلال سنوات قيادته مؤسسات وخدمات اجتماعية وصحية وتعليمية إلى جانب البنية السياسية والتنظيمية للحزب وقد أتاح هذا التداخل للحزب أن يرسخ حضوره داخل مناطق نفوذه وأن يتحول تدريجياً إلى فاعل تتجاوز وظائفه المجال العسكري المباشر وتشير دراسات مختلفة إلى أن شبكة الخدمات الاجتماعية التي طورها الحزب شملت مؤسسات صحية وتعليمية وبنى اجتماعية متعددة وأسهمت في ترسيخ قاعدته المجتمعية وفي تعزيز قدرته على الحفاظ على حضوره السياسي

ومن هنا يمكن فهم إحدى أهم سمات تجربة حسن نصر الله وهي إعادة تعريف القوة داخل نموذج المقاومة بحيث لم تعد القوة تعني امتلاك السلاح والقدرة على خوض المواجهة العسكرية فقط وإنما أصبحت نتيجة لتفاعل مجموعة واسعة من العناصر التنظيمية والاجتماعية والسياسية والعسكرية والإعلامية فقد ساهمت البنية التنظيمية في ضمان الاستمرارية بينما وفرت المؤسسات الاجتماعية أدوات للتواصل مع المجتمع في حين منح الحضور السياسي الحزب إمكانية المشاركة في مؤسسات الدولة والتأثير في الحياة السياسية اللبنانية أما القدرات العسكرية فقد شكلت أداة أساسية في مواجهة إسرائيل وفرضت نفسها في الحسابات الأمنية للخصوم في الوقت نفسه أدى الخطاب السياسي والإعلامي دوراً في تقديم سردية المقاومة وفي تعبئة الجمهور حول أهدافها وهو ما جعل القوة في هذه التجربة ذات طبيعة مركبة لا يمكن اختزالها في البعد العسكري وحده

وقد انعكس هذا النموذج بصورة واضحة على مسار حزب الله منذ التسعينيات إذ انتقل من موقع التنظيم المقاوم الذي يركز على مواجهة الاحتلال في جنوب لبنان إلى فاعل سياسي وعسكري واجتماعي يمتلك مؤسسات متعددة ومجالات مختلفة للحضور فقد دخل الحزب الحياة البرلمانية منذ سنة 1992 وشارك لاحقاً في الحكومات اللبنانية كما حافظ في الوقت نفسه على بنيته العسكرية المستقلة وعلى شبكة واسعة من المؤسسات الاجتماعية وهو ما جعله حالة يصعب وضعها داخل تصنيف سياسي أو عسكري واحد وقد ساهم نصر الله في إدارة هذا التداخل بين مختلف وظائف الحزب بحيث لم تتحول المشاركة السياسية إلى التخلي عن خيار المقاومة كما لم يؤد العمل العسكري إلى الانسحاب من المجال السياسي والاجتماعي بل نشأ نموذج يقوم على التعايش بين هذه المستويات داخل بنية تنظيمية واحدة

وفي هذا الإطار اكتسبت شخصية حسن نصر الله أهمية تتجاوز موقعه الرسمي كأمين عام للحزب لأن مسار التحول المؤسسي الذي شهده حزب الله خلال قيادته ارتبط كذلك بأسلوبه في القيادة وبقدرته على الجمع بين الخطاب السياسي والقدرة التنظيمية والحضور الجماهيري وقد وصفته دراسات دولية بأنه كان شخصية محورية في التحول الذي عرفه الحزب على مدى أكثر من ثلاثة عقود من تنظيم مقاوم إلى فاعل سياسي وعسكري واجتماعي مؤثر في لبنان والمنطقة ولذلك فإن دراسة نصر الله لا تنفصل عن دراسة النموذج الذي ساهم في بنائه لأن إرثه لا يرتبط فقط بالقرارات التي اتخذها خلال مراحل الصراع وإنما كذلك بالبنية التي تركها وراءه وبالطريقة التي أعاد من خلالها تعريف وظيفة التنظيم المقاوم وحدود حضوره داخل الدولة والمجتمع والإقليم

وبذلك نشأ نموذج سياسي عسكري مركب يصعب اختزاله في خانة واحدة فهو حزب سياسي شارك في الانتخابات والبرلمان والحكومات اللبنانية وهو تنظيم مسلح احتفظ بقدرات عسكرية مستقلة وهو أيضاً بنية اجتماعية امتلكت مؤسسات وخدمات في مجالات متعددة وهو في الوقت نفسه فاعل إقليمي ارتبط بشبكة من العلاقات والتحالفات التي تجاوزت الحدود اللبنانية وقد جعل هذا التداخل حزب الله حالة بارزة في دراسة الفاعلين من غير الدول في الشرق الأوسط لأن تأثيره لم يكن ناتجاً عن أداة واحدة وإنما عن القدرة على الجمع بين عدة أدوات في الوقت نفسه وهو ما جعل تجربة نصر الله مرتبطة بسؤال أوسع يتعلق بكيفية تحول الحركات المسلحة إلى فاعلين مركبين قادرين على العمل في المجال العسكري والسياسي والاجتماعي والإقليمي في آن واحد

عام 2000: المقاومة باعتبارها مصدر قوة سياسية

شكل عام 2000 محطة مفصلية في مسار حسن نصر الله وحزب الله وفي الطريقة التي بدأت بها المقاومة تتحول من وظيفة عسكرية مرتبطة بمواجهة الاحتلال إلى مصدر من مصادر القوة السياسية والرمزية داخل لبنان والمنطقة ففي الرابع والعشرين من مايو 2000 انسحبت القوات الإسرائيلية من معظم الأراضي التي كانت تحتلها في جنوب لبنان وقد أكد الأمين العام للأمم المتحدة لاحقا أن الانسحاب تم وفقا للقرار 425 الصادر عن مجلس الأمن سنة 1978 وأن مجلس الأمن أقر بهذه النتيجة في يونيو من السنة نفسها وفي المقابل قدم حزب الله هذا الانسحاب باعتباره ثمرة مباشرة لمسار طويل من المقاومة المسلحة والاستنزاف الذي جعل استمرار الاحتلال أكثر كلفة وأقل قابلية للاستمرار ومن هذا المنظور لم يكن عام 2000 بالنسبة إلى نصر الله مجرد نهاية لمرحلة عسكرية وإنما لحظة أثبتت فيها المقاومة بحسب خطاب الحزب قدرتها على تغيير معادلة كانت تبدو لسنوات مرتبطة بتفوق إسرائيل العسكري والتكنولوجي

وقد منح هذا الحدث حسن نصر الله مكانة سياسية ورمزية جديدة داخل البيئة التي شكلت القاعدة الاجتماعية للمقاومة كما عزز حضور الحزب في النقاش اللبناني والإقليمي حول جدوى العمل المسلح فقد أصبح الانسحاب الإسرائيلي جزءا مركزيا من السردية السياسية التي قدم بها حزب الله تجربته باعتبارها نموذجاً على قدرة تنظيم غير دولتي على الاستمرار في مواجهة قوة عسكرية متفوقة من خلال التنظيم والاستنزاف والتعبئة المحلية والدعم السياسي والعسكري وقد ساهمت هذه النتيجة في تعزيز صورة نصر الله باعتباره قائداً ارتبط اسمه بمرحلة انتهت بانسحاب القوات الإسرائيلية من الجنوب بعد سنوات طويلة من الاحتلال وهو ما جعل تجربة الحزب أكثر حضوراً في النقاشات المتعلقة بالمقاومة وبطبيعة القوة في الصراعات غير المتكافئة

غير أن أهمية عام 2000 لم تكن مرتبطة فقط بما اعتبره حزب الله إنجازاً عسكرياً وسياسياً بل تكمن كذلك في المفارقة التي أفرزها هذا الانسحاب فنجاح المقاومة في تحقيق الهدف الذي قامت حوله أساساً لم يؤد إلى نهاية دورها بل فتح أمامها سؤالاً جديداً يتعلق بمستقبل السلاح ووظيفة التنظيم بعد انتهاء الاحتلال في معظم الأراضي اللبنانية وهنا انتقلت القضية تدريجياً من سؤال كيفية مواجهة الاحتلال إلى سؤال أكثر تعقيداً يتعلق بموقع المقاومة داخل الدولة اللبنانية وبالعلاقة بين شرعية المقاومة وشرعية مؤسسات الدولة

وفي هذا السياق حافظ حزب الله على مبرر استمرار سلاحه انطلاقاً من رؤيته التي اعتبرت أن المواجهة لم تنته بصورة كاملة بسبب استمرار النزاع حول مزارع شبعا ومناطق أخرى وبسبب استمرار التهديد الإسرائيلي للبنان وقد أشار تقرير للأمين العام للأمم المتحدة سنة 2004 إلى أن الحكومة اللبنانية كانت تصف حزب الله في تلك المرحلة بأنه مجموعة مقاومة وطنية هدفها الدفاع عن لبنان ومواجهة إسرائيل وإزالة وجودها من الأراضي التي اعتبرتها بيروت لبنانية بما في ذلك مزارع شبعا وفي المقابل ظل موقف الأمم المتحدة يؤكد أن الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية التي شملها القرار 425 قد اكتمل في يونيو 2000 بينما بقي وضع مزارع شبعا موضوعاً مرتبطاً بالنزاع الحدودي اللبناني السوري وبالادعاء اللبناني بلبنانيتها

ومن هنا بدأت مرحلة جديدة في تجربة نصر الله حيث لم تعد المقاومة تُطرح فقط باعتبارها أداة عسكرية لمواجهة الاحتلال وإنما أصبحت جزءاً من تصور أوسع للقوة السياسية داخل لبنان فالمقاومة التي ارتبطت خلال الثمانينيات والتسعينيات بمواجهة الاحتلال أصبحت بعد عام 2000 تمتلك رصيداً سياسياً ورمزياً يمكن توظيفه في الحياة العامة وفي النقاش حول مستقبل الدولة والأمن والسيادة وهذا التحول ساهم في تعزيز موقع حزب الله كفاعل سياسي قادر على الجمع بين الخطاب المقاوم والمشاركة المؤسساتية وهو المسار الذي كان قد بدأه الحزب منذ دخوله الحياة البرلمانية سنة 1992

لكن هذه المرحلة حملت في الوقت نفسه بداية واحدة من أكثر القضايا حساسية في النظام السياسي اللبناني وهي مسألة احتكار الدولة للسلاح فقد أصبح السؤال المطروح لا يتعلق فقط بمشروعية مقاومة الاحتلال وإنما بمن يملك حق استخدام القوة داخل الدولة ومن يحدد أولويات الأمن والدفاع وهل يمكن أن توجد قوة عسكرية مستقلة عن الجيش اللبناني تحتفظ بدورها المقاوم في ظل وجود مؤسسات الدولة وهكذا تحولت تجربة عام 2000 من لحظة انتصار عسكري في خطاب حزب الله إلى نقطة انطلاق لنقاش سياسي طويل حول السيادة والدولة والمقاومة وهو نقاش ظل حاضراً في الحياة اللبنانية خلال السنوات اللاحقة وتداخل مع قرارات مجلس الأمن المتعلقة بنزع سلاح الجماعات المسلحة وبسط سلطة الدولة اللبنانية

وبذلك يمكن النظر إلى عام 2000 باعتباره لحظة أعادت تعريف موقع حسن نصر الله داخل المعادلة اللبنانية فقبل الانسحاب كان موقعه يرتبط أساساً بقيادة تنظيم يخوض مواجهة عسكرية ضد الاحتلال أما بعد الانسحاب فقد أصبح أمام قيادة تمتلك رصيداً سياسياً واجتماعياً متزايداً وتواجه في الوقت نفسه سؤالاً جديداً حول مستقبل المقاومة ودورها داخل الدولة وقد جعل هذا التحول تجربة نصر الله أكثر تعقيداً لأن القوة التي اكتسبها حزب الله من مسار المقاومة أصبحت مرتبطة بعد ذلك ليس فقط بالقدرة على مواجهة الخصم عسكرياً وإنما كذلك بالقدرة على تحويل هذا الرصيد إلى حضور سياسي واجتماعي والحفاظ على تماسك التنظيم أمام التحولات التي عرفها لبنان والمنطقة ولذلك لم يكن عام 2000 نهاية فصل من تاريخ حزب الله بقدر ما كان بداية مرحلة جديدة أصبح فيها إرث المقاومة جزءاً أساسياً من مصادر القوة السياسية التي اعتمد عليها الحزب في السنوات اللاحقة

 

حرب 2006 واختبار الردع

إذا كانت سنة 2000 قد شكلت بالنسبة إلى حزب الله لحظة مفصلية في بناء سردية المقاومة وترسيخ حضورها السياسي فإن حرب تموز 2006 مثلت الاختبار العسكري الأكبر لهذه التجربة خلال قيادة حسن نصر الله فقد اندلعت الحرب في يوليو 2006 واستمرت أكثر من شهر وانتهت بوقف الأعمال القتالية في الرابع عشر من أغسطس بعد اعتماد مجلس الأمن القرار 1701 الذي دعا إلى وقف كامل للأعمال العدائية وإلى انتشار الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل في الجنوب بالتوازي مع انسحاب القوات الإسرائيلية منه وقد جاءت الحرب في سياق تصعيد واسع بدأ في 12 يوليو 2006 وأدى خلال أسابيع المواجهة إلى سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى وإلى أضرار واسعة في البنية التحتية ونزوح أعداد كبيرة من السكان وهو ما جعلها واحدة من أبرز المواجهات العسكرية بين إسرائيل وحزب الله منذ تأسيس الحزب 

وبالنسبة إلى حسن نصر الله كانت الحرب اختباراً مباشراً للنموذج العسكري الذي عمل حزب الله على بنائه طوال السنوات السابقة فقد أظهر الحزب خلال المواجهة قدرة على مواصلة إطلاق الصواريخ والاحتفاظ بقدر من القدرة العملياتية رغم التفوق الإسرائيلي الكبير في سلاح الجو والاستطلاع والتكنولوجيا العسكرية وتشير دراسة لمعهد الدراسات الاستراتيجية الدولية إلى أن حزب الله أطلق خلال حرب 2006 متوسطاً يومياً بلغ نحو 124 صاروخاً وهو ما يعكس امتلاكه قدرة صاروخية وتنظيمية سمحت له بالحفاظ على وتيرة عملياتية مستمرة خلال فترة الحرب ولم يكن هذا الأمر يعني امتلاك الحزب تفوقاً عسكرياً على إسرائيل أو امتلاك أدوات الحرب التقليدية نفسها وإنما أظهر اختلافاً في طبيعة القوة المستخدمة وفي الطريقة التي يمكن من خلالها لتنظيم غير دولي أن يخوض مواجهة طويلة مع جيش يمتلك تفوقاً كبيراً في القدرات الجوية والاستخباراتية والتكنولوجية

ومن هنا اكتسبت حرب 2006 أهمية خاصة في دراسة مفهوم الردع غير المتكافئ فحزب الله لم يكن يسعى إلى تحقيق تفوق عسكري شامل على إسرائيل بالمعنى التقليدي لأن موازين القوة بين الطرفين كانت ولا تزال مختلفة بصورة كبيرة وإنما ارتكزت فاعلية الردع في هذا النوع من الصراعات على القدرة على رفع تكلفة العمل العسكري على الخصم وعلى حرمانه من تحقيق أهدافه بسرعة ومن دون خسائر أو تداعيات سياسية وأمنية كبيرة وفي هذا السياق أصبحت قدرة الحزب على الاستمرار في إطلاق الصواريخ والحفاظ على بنيته العملياتية طوال فترة الحرب جزءاً من المعادلة التي أعادت تشكيل حسابات الطرفين وقد سمحت هذه التجربة بطرح نموذج مختلف للقوة لا يقوم على مبدأ التماثل بين القدرات وإنما على قدرة الطرف الأضعف على استثمار نقاط قوته الخاصة والاستفادة من طبيعة الحرب غير المتكافئة

كما كشفت الحرب عن جانب آخر من تجربة حسن نصر الله يتعلق بالقيادة السياسية والإعلامية للمواجهة فقد أصبحت خطاباته خلال الحرب جزءاً من إدارة المعركة نفسها ومن عملية تعبئة الجمهور والحفاظ على المعنويات وتقديم تفسير سياسي وعسكري للأحداث وهو ما عزز ارتباط صورته بقيادة الحزب خلال واحدة من أكثر مراحل الصراع حدة وقد ساهم ذلك في ترسيخ حضوره كشخصية مركزية في تجربة المقاومة في الوعي المؤيد للحزب كما جعل خطابه السياسي والإعلامي أحد العناصر التي يجب أخذها في الاعتبار عند دراسة طبيعة القوة التي طورها حزب الله فالمواجهة لم تكن عسكرية فقط وإنما كانت أيضاً مواجهة على مستوى الإرادة والصورة والقدرة على التأثير في إدراك الجمهور والخصم لطبيعة نتائج الحرب

وقد انتهت الحرب بقرار مجلس الأمن رقم 1701 الذي دعا إلى وقف كامل للأعمال العدائية ونص على انتشار القوات اللبنانية واليونيفيل في الجنوب وانسحاب القوات الإسرائيلية بالتوازي مع ذلك كما أكد القرار ضرورة بسط سلطة الحكومة اللبنانية على كامل أراضيها بحيث لا تكون هناك أسلحة من دون موافقة الحكومة ولا سلطة أخرى غير سلطة الدولة ولذلك فإن قراءة حرب 2006 لا يمكن أن تقتصر على نتائجها العسكرية المباشرة لأنها فتحت كذلك نقاشاً جديداً حول العلاقة بين المقاومة والدولة فقد أظهرت الحرب قدرة حزب الله على العمل كقوة عسكرية مستقلة لكنها في الوقت نفسه أعادت إلى الواجهة مسألة السيادة اللبنانية وحدود الدور الذي يمكن أن تؤديه قوة مسلحة خارج البنية العسكرية الرسمية للدولة

ومن هذه الزاوية أصبحت حرب 2006 مرحلة مركزية في بناء صورة حسن نصر الله كقائد ارتبط اسمه بتجربة عسكرية استطاعت الحفاظ على قدرتها على القتال أمام قوة متفوقة في مجالات أساسية من الحرب التقليدية غير أن أهمية التجربة لا تكمن في القول إن حزب الله حقق تفوقاً عسكرياً على إسرائيل وإنما في أنها أظهرت قدرة فاعل غير دولتي على إنتاج مستوى من القوة يسمح له بالتأثير في حسابات خصم يمتلك موارد عسكرية أكبر بكثير وهذا هو الجانب الذي جعل حرب تموز مهمة في دراسة الردع غير المتكافئ إذ انتقل النقاش من سؤال من يمتلك القوة الأكبر إلى سؤال آخر يتعلق بكيفية استخدام القوة المتاحة لمنع الخصم الأقوى من تحويل تفوقه المادي إلى حسم سريع

وبذلك شكلت حرب 2006 مرحلة جديدة في مسار نصر الله فبعد أن ارتبط عام 2000 بانسحاب إسرائيل من جنوب لبنان ارتبطت سنة 2006 باختبار قدرة المقاومة على الصمود في مواجهة حرب واسعة وعلى الحفاظ على جزء من قدرتها العملياتية والسياسية تحت ضغط عسكري شديد وقد ساهمت هذه التجربة في ترسيخ النموذج الذي أصبح حزب الله يمثل من خلاله حالة مركبة تجمع بين التنظيم العسكري والحضور السياسي والتعبئة الاجتماعية والقدرة على إدارة الخطاب العام وهو نموذج سيظهر لاحقاً بصورة أكثر تعقيداً مع انتقال الحزب إلى ساحات إقليمية جديدة بعد عام 2011

حين يصبح الخطاب جزءاً من المعركة

لم تكن تجربة حسن نصر الله قائمة على تطوير القدرات العسكرية والتنظيمية لحزب الله فحسب وإنما ارتبطت كذلك بإدراك متزايد لأهمية الإعلام باعتباره جزءاً من أدوات الصراع فقد أدركت قيادة الحزب أن الحرب بين قوة دولية أو إقليمية متفوقة وبين تنظيم غير دولتي لا تجري في الميدان العسكري وحده وإنما تمتد إلى المجال الإعلامي والنفسي والسياسي حيث يصبح التحكم في الرسالة وفي توقيت إيصالها وفي الصورة التي تقدم بها الأحداث عنصراً مؤثراً في قدرة التنظيم على الحفاظ على تماسكه وعلى مخاطبة جمهوره وعلى إرسال إشارات إلى الخصم وفي هذا السياق اكتسبت خطابات نصر الله حضوراً يتجاوز حدود البيانات السياسية التقليدية لأنها كانت تأتي في لحظات ترتبط مباشرة بتطورات المواجهة وتحمل رسائل موجهة في الوقت نفسه إلى الجمهور اللبناني وإلى البيئة العربية وإلى إسرائيل وإلى الأطراف الإقليمية والدولية

وقد برز هذا الدور بصورة خاصة خلال حرب 2006 عندما أصبح ظهور نصر الله وخطابه جزءاً من المشهد العام للحرب فقد لم تعد وسائل الإعلام تنقل العمليات العسكرية فقط وإنما أصبحت جزءاً من الطريقة التي يفهم بها الجمهور مسار الحرب ونتائجها وقد أشار نقاش بحثي نظمته مؤسسة بروكينغز حول حرب 2006 إلى أن التلفزيون والإنترنت أصبحا جزءاً من ساحة المعركة نفسها وأن التغطية الإعلامية الفورية للعمليات العسكرية أوجدت تحديات جديدة في الحروب غير المتكافئة كما أشار المشاركون إلى قدرة حزب الله على بناء سردية إعلامية دقيقة ومتماسكة حول الحرب وعلى التحكم بدرجة كبيرة في وصول الصحفيين إلى بعض المناطق والموضوعات وهو ما جعل إدارة المعلومات جزءاً من ديناميكيات المواجهة 

ومن هنا يمكن فهم خطاب نصر الله باعتباره أحد مكونات القوة السياسية والنفسية التي طورها الحزب خلال سنوات قيادته فالخطاب لم يكن منفصلاً عن العمليات العسكرية وإنما كان يؤدي وظيفة مرتبطة بها من خلال رفع المعنويات وتفسير تطورات المعركة وإعادة تقديم الأحداث ضمن سردية المقاومة وفي الوقت نفسه توجيه رسائل مباشرة إلى الخصم وقد ساهم هذا الأسلوب في جعل نصر الله شخصية حاضرة في المجال الإعلامي الإقليمي بحيث أصبحت خطاباته تتابع على نطاق واسع داخل لبنان وخارجه وأصبح ظهوره مرتبطاً في الوعي العام بمحطات رئيسية من الصراع مع إسرائيل وهذا الحضور الإعلامي منح القيادة السياسية والعسكرية للحزب بعداً إضافياً يتمثل في القدرة على مخاطبة جمهور واسع خارج البنية التنظيمية المباشرة

كما أن أهمية الخطاب في تجربة حزب الله ارتبطت بطبيعة الحرب غير المتكافئة نفسها فحين تكون موازين القوة المادية مختلة بصورة كبيرة لا يصبح تحقيق النصر العسكري التقليدي هو المعيار الوحيد لقياس قدرة الطرف الأضعف على التأثير وإنما يصبح الحفاظ على المعنويات واستمرار القدرة على التعبئة وإقناع الجمهور بجدوى المواجهة جزءاً من الصراع ولذلك فإن الرسالة الإعلامية يمكن أن تؤدي وظيفة استراتيجية عندما تساعد التنظيم على تحويل القدرة المحدودة إلى أثر سياسي ونفسي أكبر من حجم موارده المادية وفي حالة حزب الله أصبح الإعلام وسيلة لربط العمليات العسكرية بالخطاب السياسي ولتفسير مفهوم الصمود ولتقديم صورة عن قدرة التنظيم على الاستمرار في مواجهة خصم أكثر تفوقاً في الإمكانات التقليدية

وقد ارتبط ذلك أيضاً بتطور بنية إعلامية خاصة بالحزب وعلى رأسها قناة المنار التي شكلت إحدى الأدوات الأساسية في نشر خطاب الحزب وتغطية الأحداث المرتبطة بالمقاومة ومع مرور الوقت أصبح المجال الإعلامي جزءاً من منظومة أوسع تجمع بين التنظيم السياسي والمؤسسات الاجتماعية والقدرات العسكرية والخطاب الجماهيري وهو ما ينسجم مع التحول الذي عرفه حزب الله خلال قيادة نصر الله من تنظيم مقاوم إلى فاعل مركب يمتلك أدوات متعددة للتأثير وتشير الدراسات المتخصصة إلى أن تطور الحزب لم يكن عسكرياً فقط بل شمل كذلك بناء مؤسسات وشبكات قادرة على دعم حضوره السياسي والاجتماعي والإعلامي وهو ما ساعد على ترسيخ قدرته على التعبئة والاستمرار

ومن هذه الزاوية يمكن إدراج الإعلام ضمن مفهوم أوسع هو الحرب النفسية أو الحرب على الإدراك حيث يصبح الهدف ليس فقط التأثير في قدرة الخصم العسكرية وإنما التأثير في الطريقة التي يفسر بها الخصم والجمهور الأحداث والنتائج والتكاليف وقد استخدم نصر الله في خطاباته لغة تقوم على الجمع بين التهديد والردع والتعبئة والطمأنة والتأكيد على الاستمرارية وهو ما جعل الخطاب جزءاً من إدارة العلاقة بين الحزب وجمهوره وبين الحزب وخصومه وفي هذا السياق لم تعد الرسالة موجهة إلى طرف واحد بل أصبحت متعددة المستويات إذ يمكن للخطاب نفسه أن يحمل رسالة تعبئة للجمهور ورسالة ردع للخصم ورسالة سياسية إلى الأطراف اللبنانية ورسالة إقليمية تتعلق بموقع الحزب ضمن الصراع الأوسع في المنطقة

وتبرز هنا إحدى السمات التي جعلت تجربة نصر الله مثيرة للاهتمام في دراسة الحروب غير المتكافئة وهي قدرته على تحويل الحضور الإعلامي إلى امتداد للقيادة السياسية والعسكرية فقد أصبح ظهوره في لحظات معينة جزءاً من إدارة المعركة نفسها وأصبح غيابه أو ظهوره يحمل دلالة سياسية في نظر المتابعين كما أصبحت عباراته وخطاباته مادة أساسية في تحليل توجهات الحزب ونواياه وقد ساهم ذلك في بناء علاقة مباشرة بين شخصية القائد وصورة التنظيم بحيث لم يعد الجمهور يتعامل فقط مع مؤسسة سياسية وعسكرية وإنما مع قيادة لها صوت واضح وحضور إعلامي قادر على إنتاج خطاب متماسك حول المقاومة والصراع

لكن دراسة هذا الجانب تقتضي أيضاً التمييز بين فعالية الخطاب وبين صحة المعلومات التي يقدمها فالحرب الإعلامية تقوم بطبيعتها على التنافس بين الروايات وعلى محاولة كل طرف التأثير في إدراك الجمهور ولذلك فإن الخطاب السياسي لا يمكن اعتباره مصدراً محايداً لوصف الوقائع العسكرية وإنما ينبغي دراسته باعتباره أداة من أدوات الصراع وفي هذا السياق أشارت دراسات حول حرب 2006 إلى أن حزب الله تمكن من التحكم بدرجة كبيرة في السردية الإعلامية التي قدمها حول الحرب مع وجود انتقادات تتعلق ببعض المعلومات التي قدمها للصحفيين وهذا يوضح أن أهمية الإعلام في الحرب لا تكمن فقط في نقل الحقيقة العسكرية وإنما في قدرته على إنتاج إطار تفسيري للأحداث وعلى التأثير في الطريقة التي يستقبل بها الجمهور نتائج المواجهة

ومن ثم فإن تجربة حسن نصر الله تبرز أن الحرب الحديثة وخاصة في الصراعات غير المتكافئة لم تعد تجري على الأرض وحدها وإنما أصبحت تشمل فضاءً واسعاً من المعلومات والصورة والخطاب والإدراك فالمقاتل يحتاج إلى معرفة ما يجري في الميدان لكن الجمهور يحتاج كذلك إلى تفسير لما يحدث والخصم يحتاج إلى قراءة الرسائل السياسية والعسكرية الصادرة عن الطرف الآخر وهنا يصبح الإعلام جزءاً من القوة الاستراتيجية وليس مجرد وسيلة لنقل الأحداث ولذلك يمكن فهم الحضور الإعلامي لنصر الله باعتباره أحد العناصر التي ساعدت في بناء صورة القيادة وفي الحفاظ على التعبئة وفي إيصال رسائل الردع وفي تحويل الخطاب إلى أداة موازية للأداة العسكرية وهو ما يجعل دراسة تجربته غير مكتملة من دون دراسة العلاقة بين القوة العسكرية والقوة الإعلامية والحرب النفسية وإدارة الإدراك في الصراعات غير المتكافئة

 

من المقاومة اللبنانية إلى الفاعل الإقليمي

 

كان التحول الأكثر عمقاً في مسيرة حزب الله خلال قيادة حسن نصر الله هو انتقاله التدريجي من تنظيم يتركز نشاطه العسكري والسياسي بصورة أساسية على مواجهة إسرائيل في لبنان إلى فاعل إقليمي يمتلك القدرة على التحرك خارج حدوده الوطنية والمشاركة في صراعات متعددة وقد بدأ هذا التحول يتبلور بصورة أوضح بعد عام 2011 مع اندلاع الحرب السورية حيث وجد الحزب نفسه أمام بيئة استراتيجية مختلفة جعلت من سوريا بالنسبة إليه أكثر من مجرد دولة مجاورة فقد كانت دمشق جزءاً أساسياً من شبكة العلاقات التي سمحت للحزب بالحفاظ على خطوط الإمداد القادمة من إيران كما كانت سوريا تمثل حلقة جغرافية وسياسية تربط بين الحزب وحلفائه الإقليميين ولذلك أصبحت تطورات الحرب السورية مرتبطة بصورة مباشرة بحسابات الحزب المتعلقة بأمنه وبموقعه الإقليمي وباستمرارية قدراته العسكرية كما أن حزب الله اعتبر سوريا عمقاً استراتيجياً مهماً له وأن علاقته بدمشق كانت جزءاً من البنية التي ساهمت في تعزيز قدراته وتوسيع نطاق تحركه الإقليمي 

وقد أعلن حزب الله بصورة علنية عن مشاركته في الحرب السورية سنة 2013 بعد أن كان وجود مقاتليه قد أصبح موضوعاً متداولاً قبل ذلك وقد شاركت قواته إلى جانب القوات الحكومية السورية وحلفائها في عدد من المعارك والمناطق وهو ما نقل الحزب من نمط القتال الذي اعتاد عليه في جنوب لبنان إلى نمط أكثر تعقيداً يقوم على العمليات البرية واسعة النطاق والعمل في بيئات جغرافية مختلفة والتنسيق مع قوات محلية وإقليمية متعددة ووفق معطيات مجلس العلاقات الخارجية ساهم القتال في سوريا في اكتساب حزب الله خبرة ميدانية إضافية وفي تطوير قدرته كقوة عسكرية بعدما خاض سنوات من العمليات خارج البيئة اللبنانية المباشرة كما أصبح الحزب خلال هذه المرحلة جزءاً من شبكة عسكرية إقليمية أوسع شاركت فيها إيران وقوى أخرى دعمت الحكومة السورية وهو ما عزز موقعه كفاعل يتجاوز المجال اللبناني

ومن منظور حزب الله كانت المشاركة في سوريا مرتبطة باعتبارات أمنية واستراتيجية تتجاوز مسألة التدخل في نزاع داخلي سوري فقد قدم الحزب تدخله باعتباره مرتبطاً بحماية لبنان من امتداد الجماعات المسلحة وبمنع تحول الأراضي السورية إلى قاعدة تستهدف لبنان وحلفاءه وبالحفاظ على خطوط الإمداد التي تربطه بإيران كما ارتبطت مشاركته بحماية مناطق ومواقع اعتبرها ذات أهمية استراتيجية وفي هذا السياق يمكن فهم الانتقال إلى سوريا باعتباره امتداداً لمنطق أمني يرى أن الحدود اللبنانية لا يمكن فصلها بصورة كاملة عن البيئة الإقليمية المحيطة بها وقد سمح هذا المنظور للحزب بتوسيع تعريف المجال الذي يرى أنه معني بالدفاع عنه من الأراضي اللبنانية إلى المجال الإقليمي المتصل بأمنه ومصالحه وتحالفاته

لكن هذا التحول لم يكن عسكرياً فقط بل أدى إلى إعادة تعريف موقع حزب الله في المعادلات الإقليمية فقد أصبح الحزب يمتلك خبرة في إدارة عمليات عسكرية خارج لبنان وفي التعامل مع جبهات متعددة وفي العمل ضمن تحالفات عسكرية وسياسية عابرة للحدود كما أن حزب الله أصبح خلال هذه المرحلة أكثر خبرة بالعمليات الإقليمية وأكثر قدرة على العمل كفاعل عسكري يتجاوز حدوده الوطنية كما تصف الدراسة الحزب بأنه كان قد اكتسب خبرة قتالية واسعة نتيجة مشاركته في ساحات إقليمية متعددة وبذلك لم يعد مفهوم المقاومة في تجربة الحزب مرتبطاً حصراً بالمواجهة مع إسرائيل داخل جنوب لبنان وإنما أصبح مرتبطاً أيضاً بإدارة تهديدات وتحالفات وصراعات تمتد إلى المجال الإقليمي

وقد ساهم الدعم الإيراني في هذا المسار بصورة واضحة إذ شكلت إيران طوال عقود مصدراً رئيسياً للدعم السياسي والعسكري لحزب الله كما لعبت سوريا دوراً مهماً في تسهيل انتقال الأسلحة والمعدات بين إيران ولبنان وقد ساعد استمرار هذه الشبكة خلال الحرب السورية على تعزيز قدرة الحزب على الحفاظ على بنيته العسكرية وتوسيع خبرته العملياتية وفي الوقت نفسه جعل ذلك الحزب جزءاً أكثر وضوحاً من شبكة إقليمية تقودها علاقات استراتيجية مع طهران وتشير دراسات متخصصة إلى أن حزب الله احتل موقعاً مركزياً داخل شبكة الفاعلين المسلحين المرتبطين بإيران وأن دوره في سوريا كان من العناصر المهمة في دعم حكومة بشار الأسد خلال الحرب

غير أن هذا التوسع الإقليمي حمل معه كلفة سياسية ورمزية كبيرة فكلما توسع نشاط الحزب خارج لبنان أصبح من الصعب الحفاظ على الصورة التي تأسست حوله باعتباره حركة مقاومة تركز وظيفتها الأساسية على مواجهة إسرائيل وقد أدى التدخل في سوريا إلى انقسام واضح في المواقف اللبنانية والعربية تجاه الحزب فبينما اعتبر مؤيدوه أن مشاركته كانت مرتبطة بمواجهة تهديدات أمنية مباشرة وبحماية لبنان من تداعيات الحرب السورية رأى خصومه أن الحزب تجاوز دوره اللبناني وأصبح طرفاً في صراع إقليمي معقد كما أثارت مشاركته انتقادات مرتبطة بالتوترات الطائفية التي اتخذت بعداً واضحاً داخل الحرب السورية وقد أشارت دراسات عن الصراع السوري إلى أن الحرب نفسها ساهمت في تعميق الانقسامات الطائفية والإقليمية في المنطقة وأن مشاركة إيران وحزب الله كانت جزءاً من هذا السياق الأوسع

وهنا يظهر التعقيد الأساسي في إرث حسن نصر الله فالتوسع الإقليمي لحزب الله يمكن قراءته في الوقت نفسه باعتباره نتيجة لتراكم القدرات التي طورها الحزب خلال عقود من العمل العسكري والتنظيمي وباعتباره تحولاً فرضته البيئة الاستراتيجية التي وجد نفسه داخلها بعد 2011 لكنه في المقابل أدى إلى توسيع دائرة الجدل حول وظيفة الحزب وحدود دوره فكلما أصبح الحزب أكثر قدرة على التحرك خارج لبنان أصبح السؤال حول علاقته بالدولة اللبنانية وبالقرار الوطني أكثر حضوراً كما أصبحت علاقته بإيران وبشبكة حلفائها الإقليميين جزءاً أساسياً من تحليل موقعه السياسي والعسكري

ومن هذه الزاوية لم تعد قوة حزب الله خلال مرحلة نصر الله تقاس فقط بقدرته على مواجهة إسرائيل وإنما أصبحت تقاس أيضاً بقدرته على الانتقال بين ساحات مختلفة وبناء الخبرة العملياتية والتنسيق مع حلفاء متنوعين والحفاظ على خطوط الإمداد والقدرة على إدارة حرب طويلة ومعقدة وهو ما جعل الحزب حالة بارزة في دراسة الفاعلين من غير الدول في الشرق الأوسط وقد اصبح الحزب في السنوات التي سبقت مقتل نصر الله بأنه أصبح فاعلاً غير دولي ذا قدرات عسكرية متقدمة وخبرة قتالية تراكمت من خلال مشاركته في صراعات إقليمية متعددة 

وبذلك مثلت الحرب السورية نقطة تحول أساسية في المسار الذي قاده نصر الله إذ خرج حزب الله منها بخبرة عسكرية إقليمية أوسع وبشبكة علاقات وتحالفات أكثر امتداداً وبقدرة أكبر على العمل خارج البيئة اللبنانية وفي الوقت نفسه أصبح أكثر ارتباطاً بالصراعات الإقليمية وأكثر تعرضاً للجدل حول طبيعة دوره وحدود مشروعيته السياسية وهذا التناقض يمثل أحد أبرز ملامح إرث نصر الله فالقوة التي ساعدت الحزب على الانتقال من مقاومة لبنانية إلى فاعل إقليمي هي نفسها التي جعلت موقعه أكثر تعقيداً داخل لبنان والمنطقة وجعلت تجربة الحزب نموذجاً لدراسة الكيفية التي يمكن من خلالها لتنظيم غير دولتي أن يتحول من فاعل محلي إلى قوة ذات امتدادات إقليمية دون أن يتخلى عن هويته الأصلية المرتبطة بالمقاومة

العلاقة مع إيران: تحالف استراتيجي متعدد الأبعاد

لا يمكن تحليل تجربة حسن نصر الله أو فهم تطور حزب الله خلال العقود التي قضاها في قيادته من دون التوقف عند العلاقة الاستراتيجية التي نشأت بين الحزب وإيران والتي شكلت أحد أهم العوامل في بناء قدراته العسكرية والتنظيمية والإقليمية فمنذ تأسيس الحزب في سياق الحرب الأهلية اللبنانية والاجتياح الإسرائيلي سنة 1982 ارتبطت نشأته بصورة وثيقة بالدعم الذي قدمته الجمهورية الإسلامية الإيرانية للمجموعات الشيعية اللبنانية التي ساهمت في تأسيسه وقد تطورت هذه العلاقة مع مرور الوقت من علاقة دعم وتعاون إلى شراكة استراتيجية طويلة الأمد أصبحت فيها إيران المصدر الأساسي للدعم المالي والعسكري والسياسي للحزب بينما أصبح حزب الله أحد أهم الشركاء غير الدولتيين في الاستراتيجية الإقليمية الإيرانية وتشير دراسات معهد الدراسات الاستراتيجية الدولية إلى أن العلاقة بين الطرفين تقوم على تقاطع أبعاد أيديولوجية واستراتيجية وسياسية وعملياتية وأن حزب الله يمثل بالنسبة إلى إيران أحد أهم الشركاء الإقليميين وأكثرهم قيمة من الناحية الاستراتيجية

وقد ساهمت هذه العلاقة في توفير البيئة التي سمحت لحزب الله بتطوير قدراته بصورة متواصلة فالدعم الإيراني لم يقتصر على التمويل وإنما شمل التسليح والتدريب والمساعدة التنظيمية والدعم السياسي وهو ما أتاح للحزب بناء قوة عسكرية تتجاوز بكثير الإمكانات التي كانت متاحة لتنظيم لبناني يعمل خارج المؤسسات العسكرية الرسمية للدولة وتشير تقارير رسمية أمريكية إلى أن إيران واصلت توفير الجزء الأكبر من تمويل حزب الله وتدريبه وتسليحه إلى جانب أشكال أخرى من الدعم السياسي والتنظيمي كما تشير الدراسات الاستراتيجية إلى أن تطور الترسانة الصاروخية للحزب وقدرته على بناء قوة عسكرية إقليمية ارتبطا بدرجة كبيرة باستمرار هذا الدعم وبالشبكة التي نشأت بين طهران والحزب عبر عقود من التعاون

غير أن اختزال هذه العلاقة في مفهوم التبعية وحده لا يفسر بصورة كاملة طبيعة حزب الله ولا مسار تطوره خلال عهد حسن نصر الله فالحزب لم يكن مجرد بنية خارجية تعمل وفق تعليمات إيرانية مباشرة وإنما طور على مدى عقود مؤسسات سياسية واجتماعية وتنظيمية خاصة به وبنى قاعدة اجتماعية لبنانية وشارك في الانتخابات والبرلمان والحكومات وطور خبرة واسعة في التعامل مع البيئة السياسية اللبنانية كما راكم معرفة ميدانية ناتجة عن عقود من المواجهة مع إسرائيل وعن مشاركته لاحقاً في الحرب السورية ولذلك فإن العلاقة مع إيران يمكن فهمها بصورة أكثر دقة باعتبارها علاقة تحالف استراتيجي عميق تجمع بين التقارب الأيديولوجي والمصالح الأمنية والتنسيق العسكري وبين وجود حسابات محلية خاصة بالحزب وقد أشار معهد الدراسات الاستراتيجية الدولية إلى أن العلاقة بين إيران وحزب الله لم تكن دائماً قائمة على تطابق كامل في المصالح وأن بعض العمليات والقرارات خدمت في أوقات معينة أهداف الحزب الخاصة أكثر من أهداف إيران وهو ما يعكس وجود هامش من الاستقلال في القرار داخل العلاقة بين الطرفين

وهنا برز دور حسن نصر الله في إدارة معادلة دقيقة تقوم على الجمع بين الهوية اللبنانية للحزب والارتباط الاستراتيجي بإيران فقد كان حزب الله بحاجة إلى الحفاظ على صورته كتنظيم لبناني مرتبط بقضية المقاومة وبالبيئة الاجتماعية التي نشأ داخلها وفي الوقت نفسه كان يعتمد على شبكة الدعم الإيرانية التي شكلت أحد شروط استمرار قدرته العسكرية وقد ساهمت قيادة نصر الله في المحافظة على هذا التوازن من خلال تقديم الحزب باعتباره جزءاً من البيئة اللبنانية وفي الوقت نفسه جزءاً من مشروع إقليمي أوسع للمقاومة وتشير دراسة معهد الدراسات الاستراتيجية الدولية إلى أن صعود نصر الله في التسعينيات تزامن مع تأكيد أكبر على الهوية اللبنانية لحزب الله مع بقاء الحزب بقوة داخل المدار الإيراني وهو ما يوضح طبيعة المعادلة التي حاولت القيادة الحفاظ عليها خلال تلك المرحلة

وقد أصبحت هذه المعادلة أكثر وضوحاً بعد توسع الدور الإقليمي للحزب إذ لم يعد الدعم الإيراني مرتبطاً فقط بالمواجهة مع إسرائيل داخل لبنان وإنما أصبح جزءاً من شبكة أوسع من التعاون العسكري والأمني امتدت إلى سوريا وغيرها من الساحات الإقليمية وقد وصف معهد الدراسات الاستراتيجية الدولية حزب الله بأنه يحتل موقعاً مركزياً في شبكة الشركاء غير الدولتيين التي طورتها إيران في الشرق الأوسط وأن طهران ساهمت في رفع قدراته العسكرية وفي تمكينه من امتلاك وسائل متقدمة تسمح له بإسقاط القوة خارج الأراضي اللبنانية وبذلك أصبح الحزب بالنسبة إلى إيران وسيلة مهمة للحفاظ على قدرة ردع متقدمة تجاه إسرائيل ولإيصال النفوذ الإيراني إلى شرق المتوسط بينما استفاد الحزب بدوره من الموارد والخبرات والشبكات التي وفرتها له العلاقة مع طهران

وفي المقابل لم تكن العلاقة ذات منفعة استراتيجية لإيران وحدها فقد وفرت إيران لحزب الله عمقاً استراتيجياً ومصادر مستمرة للتمويل والتسليح والتدريب وهو ما ساعده على المحافظة على قدراته حتى خلال الفترات التي تعرض فيها لبنان لأزمات سياسية وأمنية واقتصادية متلاحقة كما ساهمت هذه العلاقة في تعزيز قدرة الحزب على الانتقال من تنظيم مقاوم محلي إلى فاعل عسكري قادر على العمل في بيئات متعددة وقد أظهر مسار الحزب خلال الحرب السورية أن العلاقة مع إيران لم تعد تقتصر على توفير الموارد وإنما أصبحت تشمل تنسيقاً أوسع في العمليات وفي بناء القدرات وفي إدارة شبكة من الحلفاء والفاعلين المسلحين في المنطقة

ومن منظور العلاقات الدولية تقدم هذه العلاقة نموذجاً مهماً لفهم الطريقة التي يمكن من خلالها للدولة أن تمارس نفوذاً خارج حدودها عبر شبكات من الفاعلين غير الدولتيين فإيران لم تعتمد فقط على أدوات الدولة التقليدية مثل القوات المسلحة والدبلوماسية وإنما طورت شبكة واسعة من الشركاء المسلحين والسياسيين في المنطقة وقد اعتبر معهد الدراسات الاستراتيجية الدولية أن هذه الشبكات أصبحت جزءاً أساسياً من الطريقة التي تمارس بها إيران نفوذها الإقليمي وأن حزب الله يمثل إحدى أكثر الحالات تطوراً ضمن هذه المنظومة وفي هذا الإطار أصبح الحزب قناة لنقل القوة الإيرانية إلى بيئة جغرافية بعيدة عن الأراضي الإيرانية وفي الوقت نفسه حافظ على قدرته على العمل داخل البيئة اللبنانية وعلى إنتاج قرارات مرتبطة بحساباته الخاصة

لكن هذه العلاقة نفسها أصبحت أحد مصادر الجدل حول حزب الله وحول إرث حسن نصر الله فكلما ازدادت القدرات التي وفرها التحالف مع إيران أصبح السؤال حول حدود استقلال القرار اللبناني للحزب أكثر حضوراً في النقاش السياسي كما أصبح ارتباط الحزب بطهران عاملاً أساسياً في تفسير مواقفه الإقليمية والعسكرية وقد تراوحت التفسيرات بين من يرى في العلاقة تحالفاً استراتيجياً يخدم مصالح مشتركة وبين من يركز على اعتماد الحزب الكبير على الدعم الإيراني باعتباره عاملاً يحد من استقلال قراره وفي الواقع فإن طبيعة العلاقة تبدو أكثر تعقيداً من أي من هذين التفسيرين المنفردين إذ تجمع بين الاعتماد المتبادل والتقارب الأيديولوجي والتنسيق الاستراتيجي وبين وجود مصالح محلية واعتبارات لبنانية خاصة بالحزب

ومن هنا فإن إحدى أهم سمات إرث حسن نصر الله تتمثل في نجاحه خلال سنوات طويلة في إدارة هذه العلاقة المركبة والحفاظ على موقع حزب الله كفاعل لبناني له هويته السياسية والاجتماعية الخاصة وفي الوقت نفسه كحليف استراتيجي لإيران يمتلك دوراً مهماً داخل شبكة إقليمية أوسع وقد ساعد هذا التوازن الحزب على الحصول على موارد وقدرات عسكرية واسعة وعلى توسيع نطاق تأثيره خارج لبنان لكنه في الوقت نفسه جعل علاقته بإيران جزءاً دائماً من الجدل حول هويته السياسية وموقعه داخل الدولة اللبنانية ومن ثم فإن دراسة العلاقة بين حزب الله وإيران لا تكشف فقط عن طبيعة تحالف بين دولة وفاعل غير دولتي وإنما تكشف أيضاً عن تحول أوسع في طبيعة القوة في الشرق الأوسط حيث أصبحت الشبكات العابرة للحدود والتحالفات غير التقليدية جزءاً أساسياً من حسابات الأمن الإقليمي وصناعة الردع وإدارة الصراعات

ما بعد 7 أكتوبر: انهيار معادلة الردع؟

بعد اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر 2023 دخل حزب الله في مرحلة جديدة من المواجهة مع إسرائيل إذ فتح جبهة عسكرية على الحدود اللبنانية تحت عنوان دعم غزة وربط استمرار عملياته العسكرية باستمرار الحرب الإسرائيلية على القطاع وقد حرص حسن نصر الله خلال الأشهر الأولى من المواجهة على إبقاء التصعيد ضمن مستوى محسوب يسمح بالضغط على إسرائيل وإبقاء الجبهة اللبنانية حاضرة في المعادلة الإقليمية من دون الانتقال مباشرة إلى حرب شاملة وهو ما وصفته دراسات معهد الدراسات الاستراتيجية الدولية بمحاولة للحفاظ على توازن دقيق بين إسناد غزة وتجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة لا يرغب الحزب في خوضها في تلك المرحلة

وكان هذا السلوك امتداداً لمنطق أمني وسياسي ارتبط بتجربة نصر الله منذ حرب 2006 حيث لم تكن قوة الحزب تقوم على التفوق العسكري التقليدي بقدر ما قامت على امتلاك قدرة صاروخية وعسكرية تسمح بفرض تكلفة على إسرائيل وعلى استخدام التصعيد بصورة تدريجية بهدف التأثير في حسابات الخصم ولذلك حاول نصر الله بعد أكتوبر 2023 الحفاظ على ما يمكن تسميته بمعادلة الردع المتدرج التي تقوم على توجيه ضربات محدودة ومدروسة مع تجنب تجاوز العتبة التي يمكن أن تؤدي إلى حرب شاملة وقد كان هذا واضحاً في خطاب الحزب العسكري والسياسي خلال الأشهر الأولى من المواجهة حيث حافظ على مستوى من العمليات لم يصل إلى استخدام كامل قدراته العسكرية رغم امتلاكه ترسانة أكبر بكثير مما استخدمه في حرب 2006

غير أن هذه المعادلة أصبحت أكثر صعوبة مع استمرار الحرب في غزة واتساع العمليات على الجبهة اللبنانية فقد كانت حسابات الحزب تقوم على أن استمرار الضغط العسكري على إسرائيل من الشمال يمكن أن يساهم في دفعها نحو وقف الحرب في غزة ولذلك ربط نصر الله عملياً بين وقف العمليات على الحدود اللبنانية وبين التوصل إلى وقف لإطلاق النار في القطاع وكان هذا الربط جزءاً من تصور أوسع أراد من خلاله الحزب تقديم نفسه باعتباره طرفاً في معركة إقليمية واحدة وليس طرفاً منفصلاً عن الحرب في غزة لكن هذه الاستراتيجية اصطدمت بحسابات إسرائيلية مختلفة إذ لم تتعامل إسرائيل مع الجبهة الشمالية باعتبارها جبهة محدودة يمكن احتواؤها ضمن قواعد الاشتباك السابقة بل بدأت تدريجياً في رفع مستوى العمليات العسكرية وتوسيع نطاق الاستهداف وهو ما أدى إلى تآكل المساحة التي كان الحزب يستطيع من خلالها التحكم في مستوى التصعيد

ومن هنا برزت إحدى أهم نقاط التحول في المرحلة الأخيرة من قيادة نصر الله فقد كان الحزب خلال العقود السابقة يعتمد بدرجة كبيرة على قدرته على التحكم في إيقاع المواجهة وعلى تحديد مستوى التصعيد الذي يستطيع تحمله والانتقال بين الرد المحدود والتهديد بالتصعيد الأوسع دون الوصول بالضرورة إلى حرب مفتوحة لكن مع مرور الأشهر أصبح هذا التحكم أكثر صعوبة إذ اتجهت إسرائيل إلى استخدام تفوقها الجوي والاستخباراتي بصورة أكثر كثافة واستهدفت بصورة متزايدة البنية القيادية والعسكرية للحزب وقد أشار معهد الدراسات الاستراتيجية الدولية إلى أن الحملة الإسرائيلية لم تقتصر على تبادل الضربات وإنما تحولت إلى حملة استنزاف متصاعدة أضعفت قدرات القيادة والسيطرة ومخزونات السلاح وأصبح الحزب يواجه مستوى من العمليات لم يعد قادراً على ضبط إيقاعه بالطريقة نفسها التي عرفتها المواجهات السابقة

وكان سبتمبر 2024 نقطة التحول الأكثر حدة في هذا المسار فقد شهدت تلك الفترة سلسلة عمليات إسرائيلية استهدفت بنية الحزب التنظيمية والاتصالية والعسكرية حيث سبقت عملية اغتيال نصر الله تفجيرات أجهزة الاتصال التي أصابت عدداً كبيراً من عناصر الحزب ثم اغتيال عدد من القيادات العسكرية قبل أن تصل المواجهة إلى استهداف القيادة العليا في الضاحية الجنوبية لبيروت وقد وصف معهد الدراسات الاستراتيجية الدولية هذه التطورات بأنها كشفت عن تحول في طبيعة الصراع وعن قدرة إسرائيلية متزايدة على اختراق البنية الأمنية للحزب واستهداف قياداته بصورة متتابعة

وفي 27 سبتمبر 2024 اغتيل حسن نصر الله في غارة إسرائيلية على مقر للقيادة في بيروت لتنتهي بذلك مرحلة امتدت لأكثر من ثلاثة عقود قاد خلالها الحزب في مراحل متعددة من الصراع مع إسرائيل وقد أظهرت التقارير التي نشرتها رويترز بعد مقتله أن العملية جاءت ضمن سلسلة أوسع من الضربات التي أضعفت القيادة العسكرية للحزب وأثارت تساؤلات حول حجم الاختراق الاستخباراتي الإسرائيلي لبنيته الأمنية والتنظيمية

وهنا تظهر إحدى أكثر المفارقات أهمية في إرث حسن نصر الله فالرجل الذي جعل من إدارة التصعيد والردع المتبادل أحد أهم عناصر استراتيجية حزب الله وجد نفسه في نهاية قيادته أمام خصم لم يعد يتعامل مع قواعد الاشتباك السابقة باعتبارها إطاراً ثابتاً للمواجهة فقد استطاع الحزب خلال سنوات طويلة أن يجعل الردع قائماً على فكرة أن أي حرب واسعة مع إسرائيل ستكون مكلفة للطرفين وأن قدرة الحزب على إطلاق الصواريخ واستهداف العمق الإسرائيلي يمكن أن تشكل عاملاً يحد من استعداد إسرائيل لخوض مواجهة شاملة لكن تجربة ما بعد أكتوبر 2023 أظهرت أن الردع لا يعتمد فقط على امتلاك القدرات العسكرية وإنما يعتمد أيضاً على تقدير استعداد الخصم لتحمل المخاطر وعلى قدرته على تغيير طبيعة الحرب وإيقاعها

وبذلك فإن الحديث عن انهيار معادلة الردع لا يعني بالضرورة اختفاء قدرة حزب الله على استخدام القوة أو انتهاء تجربته العسكرية وإنما يشير بصورة أدق إلى تعرض الصيغة التي حكمت المواجهة الإسرائيلية اللبنانية منذ 2006 لاختبار استثنائي فقد أثبتت أحداث 2024 أن امتلاك ترسانة كبيرة وخبرة قتالية واسعة لا يضمن وحده القدرة على التحكم في مسار التصعيد عندما يتمكن الخصم من امتلاك تفوق استخباراتي وجوي واستخدامه لاستهداف القيادة والسيطرة والاتصالات في آن واحد ومن هذه الزاوية يمكن اعتبار المرحلة الأخيرة من حياة نصر الله لحظة انتقال من نموذج الردع القائم على إدارة المواجهة إلى نموذج جديد أصبحت فيه قدرة كل طرف على فرض إيقاع الحرب جزءاً مركزياً من معادلة القوة

ومع ذلك فإن نهاية نصر الله لم تعن نهاية حزب الله باعتباره تنظيماً سياسياً وعسكرياً فقد أشارت تحليلات رويترز بعد اغتياله إلى أن خسارته مثلت ضربة كبيرة للقيادة والمعنويات والتنسيق لكنها لم تكن بحد ذاتها دليلاً على انهيار التنظيم بالكامل كما أن بنية الحزب التي تشكلت خلال عقود لم تكن قائمة على شخص واحد فقط وإن كان نصر الله قد أصبح رمزاً مركزياً فيها ولذلك فإن الأثر الحقيقي لاغتياله لا يرتبط فقط بخسارة قائد تاريخي وإنما يرتبط أيضاً بالتحول الذي فرضته الحرب على نموذج القوة الذي بناه خلال أكثر من ثلاثين عاماً

ومن هذه الزاوية تصبح مرحلة ما بعد 7 أكتوبر جزءاً أساسياً من تقييم إرث نصر الله لأنها كشفت في الوقت نفسه قوة النموذج الذي بناه وحدوده فقد استطاع الحزب أن يتحول خلال عهده إلى فاعل عسكري وسياسي إقليمي يمتلك قدرات كبيرة وشبكة تحالفات واسعة وخبرة طويلة في إدارة الصراع غير المتكافئ لكنه واجه في نهاية المطاف بيئة استراتيجية مختلفة أصبح فيها التفوق الاستخباراتي والجوي والقدرة على استهداف القيادة والبنية التنظيمية عوامل قادرة على تغيير قواعد المواجهة ولذلك فإن إرث نصر الله في هذه المرحلة لا يمكن اختزاله في فكرة الانتصار أو الهزيمة وإنما يدرس باعتباره تجربة طويلة في بناء الردع وإدارته ثم مواجهة الحدود التي يمكن أن يصل إليها هذا الردع عندما تتغير قواعد الحرب وحسابات الخصم

 

اغتيال نصر الله استهداف القائد أم استهداف النموذج 

تطرح عملية اغتيال حسن نصر الله في 27 سبتمبر 2024 واحدة من أكثر المسائل أهمية في دراسة تجربة حزب الله خلال العقود الثلاثة التي قاد فيها نصر الله التنظيم وهي مسألة العلاقة بين مصير القائد ومصير النموذج السياسي والعسكري الذي ساهم في بنائه وتطويره فلم يكن نصر الله مجرد أمين عام يتولى إدارة شؤون الحزب اليومية وإنما أصبح مع مرور السنوات مركزاً أساسياً في بنيته القيادية وصورته العامة وخطابه السياسي والاستراتيجي كما ارتبط اسمه بالمحطات الرئيسية التي أعادت تشكيل موقع الحزب داخل لبنان وفي علاقته بإسرائيل وإيران وبقية القوى الإقليمية ولذلك تجاوزت دلالات اغتياله مسألة غياب شخصية قيادية بارزة لتطرح سؤالاً أوسع يتعلق بمدى قدرة التنظيم على الحفاظ على بنيته ووظيفته الاستراتيجية بعد فقدان الشخصية التي قادت تحوله من حركة مقاومة محلية إلى فاعل سياسي وعسكري ذي امتدادات إقليمية

وقد اكتسب هذا البعد أهمية إضافية لأن اغتيال نصر الله لم يقع في سياق منفصل عن بقية التطورات العسكرية وإنما جاء بعد حملة إسرائيلية متصاعدة استهدفت عدداً من كبار القادة العسكريين في الحزب وترافقت مع تفجيرات أجهزة الاتصال والضربات التي طالت مواقع وبنى عسكرية وأمنية مختلفة وقد أشار مجلس العلاقات الخارجية في تحليله الصادر في 28 سبتمبر 2024 إلى أن مقتل نصر الله شكل ضربة شديدة للحزب خصوصاً أنه جاء بعد مقتل عدد من أبرز قادته العسكريين وفي ظل مؤشرات على اختراق أمني واستخباراتي واسع لبنيته التنظيمية وهو ما جعل العملية تتجاوز استهداف رأس القيادة السياسية إلى إضعاف منظومة القيادة والسيطرة التي تعتمد عليها التنظيمات المسلحة في تنسيق عملياتها والحفاظ على تماسكها خلال الحرب

ومن هذه الزاوية يمكن فهم استهداف نصر الله باعتباره جزءاً من محاولة أوسع لتقليص قدرة حزب الله على العمل بوصفه منظومة متكاملة تجمع بين القيادة السياسية والقدرات العسكرية وشبكات الاتصال والتحالفات الإقليمية فقد كانت قوة الحزب قبل سبتمبر 2024 مرتبطة بتراكم طويل من الخبرة التنظيمية والعسكرية وبوجود قيادة استطاعت إدارة العلاقة بين مختلف مكوناته وتحديد أولويات المواجهة وتقديم تصور سياسي يربط بين العمل العسكري وموقع الحزب داخل النظام اللبناني ولذلك فإن استهداف القيادة العليا يحمل أهمية تتجاوز الخسائر البشرية المباشرة لأنه يضع التنظيم أمام تحدي إعادة بناء آليات التنسيق واتخاذ القرار في لحظة تتعرض فيها قدراته العسكرية والأمنية لضغط متزامن

غير أن القول إن اغتيال نصر الله استهدف نموذج حزب الله بأكمله يحتاج إلى تمييز ضروري بين النتائج المباشرة للعملية وبين الأهداف الاستراتيجية التي يمكن استنتاجها من سياقها فالوقائع المتاحة تؤكد أن العملية وجهت ضربة كبيرة إلى القيادة وأنها جاءت ضمن حملة عسكرية أوسع ضد الحزب أما اعتبارها محاولة لتفكيك النموذج السياسي والعسكري الذي بناه نصر الله فهو تفسير استراتيجي يستند إلى طبيعة الأهداف والسياق ولا يمكن التعامل معه باعتباره حقيقة مستقلة عن تحليل نتائج الحرب فالاستهداف العسكري قد يؤدي إلى إضعاف التنظيم وتعطيل بعض وظائفه لكنه لا يعني بالضرورة زوال شبكاته الاجتماعية والسياسية أو اختفاء قاعدته التنظيمية أو انتهاء قدرته على إعادة تشكيل نفسه

وهنا يظهر الفرق الأساسي بين القائد والمؤسسة فقد ارتبط نصر الله بشخصية قيادية ذات حضور سياسي وإعلامي استثنائي داخل الحزب وخارجه كما امتلك خبرة تراكمت عبر أكثر من ثلاثة عقود من إدارة الأزمات والحروب والتفاوض السياسي وتوجيه الخطاب العام وقد ساهم هذا التراكم في جعل شخصه جزءاً من صورة الحزب وهويته السياسية ولذلك فإن غيابه لا يمكن تعويضه بمجرد تعيين أمين عام جديد لأن القيادة لا تتكون من الصلاحيات التنظيمية وحدها وإنما تتشكل أيضاً من الخبرة والعلاقات والثقة الداخلية والقدرة على التأثير في الجمهور والحلفاء والخصوم وهي عناصر تحتاج إلى وقت طويل كي تتراكم ولا تنتقل بصورة آلية من قائد إلى آخر

ومع ذلك فإن استمرار حزب الله بعد اغتيال نصر الله يوضح أن التنظيم لم يكن قائماً على شخص واحد فقط فعلى الرغم من مركزية دوره فقد امتلك الحزب مؤسسات قيادية وهياكل سياسية وعسكرية واجتماعية وشبكات من العلاقات الداخلية والإقليمية تشكلت خلال عقود من العمل وقد أتاحت هذه البنية قدراً من الاستمرارية بعد فقدان الأمين العام وإن كانت الخسائر المتزامنة التي لحقت بالقيادة العسكرية والأمنية قد جعلت عملية إعادة التنظيم أكثر تعقيداً ولذلك ينبغي التمييز بين قدرة المؤسسة على البقاء وبين قدرتها على استعادة المستوى نفسه من الفاعلية العسكرية والسياسية فالبقاء التنظيمي لا يعني بالضرورة استعادة التوازن السابق ولا يثبت وحده أن آثار الضربات قد جرى تجاوزها بالكامل

وقد برز هذا التحدي بصورة واضحة في مسألة الخلافة القيادية إذ أعلن حزب الله في 29 أكتوبر 2024 اختيار نعيم قاسم أميناً عاماً جديداً بعد أن شغل منصب نائب الأمين العام لسنوات طويلة وجاء القرار عبر مجلس الشورى وفق الآليات الداخلية المعلنة للحزب وقد أظهر هذا الانتقال أن التنظيم امتلك إجراءً مؤسساتياً لاختيار قيادة جديدة رغم الظروف العسكرية الاستثنائية التي مر بها غير أن وجود آلية للخلافة لا يعني أن عملية الانتقال كانت خالية من التحديات ولا يعني أن القائد الجديد يستطيع أن يرث تلقائياً المكانة الرمزية والسياسية التي راكمها نصر الله خلال سنوات طويلة

وتكمن أهمية هذا الانتقال في أنه وضع الحزب أمام مهمتين مترابطتين تتمثل الأولى في الحفاظ على الاستمرارية التنظيمية وإعادة تنسيق هياكله القيادية والعسكرية بعد الخسائر التي تعرض لها بينما تتمثل الثانية في إعادة بناء العلاقة بين القيادة الجديدة والجمهور والحلفاء والبيئة السياسية اللبنانية فقد كان نصر الله يمتلك رصيداً تراكمياً من الخطاب والخبرة والعلاقات جعل حضوره مؤثراً في تحديد صورة الحزب وموقعه في المعادلات الإقليمية أما القيادة الجديدة فقد تسلمت المسؤولية في ظروف مختلفة تتسم بتراجع قدرات الحزب نتيجة العمليات الإسرائيلية وبازدياد الأسئلة حول مستقبله العسكري وعلاقته بالدولة اللبنانية وبالتحولات التي شهدتها المنطقة ولذلك فإن استمرارية المنصب لا تعني بالضرورة استمرارية النفوذ بالشكل نفسه

ومن منظور علم التنظيمات السياسية يمكن قراءة هذه المرحلة باعتبارها اختباراً لقدرة المؤسسة على الانتقال من الاعتماد الكبير على شخصية قيادية إلى إعادة إنتاج سلطتها من خلال الهياكل والإجراءات والعلاقات التنظيمية فكلما ارتبطت شرعية التنظيم وحضوره العام بشخصية واحدة ازدادت صعوبة تعويض الدور الذي كانت تؤديه هذه الشخصية عند غيابها لكن وجود مؤسسات قادرة على اتخاذ القرار وتوزيع المسؤوليات يمنح التنظيم فرصاً أكبر للحفاظ على استمراريته وفي حالة حزب الله اجتمع العاملان معاً فقد كان نصر الله شخصية محورية في تحديد الخطاب والاتجاه الاستراتيجي لكنه كان يقود في الوقت نفسه تنظيماً امتلك هياكل ومؤسسات وخبرات لا تختفي بمجرد غياب الأمين العام

كما أن أثر الاغتيال لم يقتصر على الجانب التنظيمي بل امتد إلى البعد الرمزي الذي يحتله نصر الله في الذاكرة السياسية لجمهوره ولدى خصومه على حد سواء فقد ارتبط اسمه بمحطات تاريخية مثل الانسحاب الإسرائيلي من معظم جنوب لبنان سنة 2000 وحرب يوليو 2006 كما ارتبط بخطاب المقاومة وبالتصور الذي قدمه الحزب عن الردع والقدرة على مواجهة التفوق العسكري الإسرائيلي ولذلك فإن غيابه يفتح المجال لإعادة تقييم هذه التجربة في ضوء نتائجها وحدودها ويطرح سؤالاً حول قدرة القيادة الجديدة على المحافظة على العناصر التي شكلت هوية الحزب مع التكيف في الوقت نفسه مع بيئة استراتيجية تغيرت بصورة عميقة خلال عام 2024

وفي المقابل فإن تحليل الأثر الرمزي للاغتيال لا ينبغي أن يحجب الكلفة الإنسانية والعسكرية التي تحملها لبنان خلال الحرب ولا التعقيدات السياسية المرتبطة بوجود قوة عسكرية خارج القيادة المباشرة للدولة فدراسة تجربة نصر الله تقتضي وضع مكانته داخل تاريخ المقاومة اللبنانية في سياق أوسع يشمل أيضاً أسئلة السيادة الوطنية وتوازنات النظام السياسي وحماية المدنيين وتداعيات الحروب على المجتمع اللبناني وبذلك يمكن فهم إرثه باعتباره تجربة تجمع بين بناء القدرة العسكرية وتوسيع النفوذ السياسي وبين خلافات عميقة حول حدود دور الحزب وعلاقته بالدولة والمجتمع

وعليه فإن اغتيال حسن نصر الله لا يمكن اختزاله في استهداف شخص القائد وحده كما لا يمكن اعتباره دليلاً كافياً على انتهاء النموذج الذي ارتبط باسمه فقد وجهت العملية ضربة كبيرة إلى رأس القيادة وإلى منظومة الحزب في مرحلة كانت بنيته العسكرية والأمنية تتعرض فيها لضغط متصاعد لكنها لم تؤد بصورة فورية إلى اختفاء التنظيم أو مؤسساته وقد كشف انتقال القيادة إلى نعيم قاسم عن وجود آلية للخلافة في حين ظلت قدرة الحزب على استعادة فاعليته السابقة مسألة مختلفة تحتاج إلى تقييم مستقل ومن هنا تكمن أهمية هذه المحطة في أنها تميز بين بقاء التنظيم وبقاء النموذج الاستراتيجي الذي بناه نصر الله فالمؤسسة قد تستمر بعد غياب قائدها لكن قدرتها على استعادة المكانة نفسها تتوقف على ما تمتلكه من موارد وخبرات وتماسك داخلي وعلى طبيعة البيئة الإقليمية والسياسية التي ستعمل ضمنها في المرحلة اللاحقة

إرث معقد يتجاوز صورة واحدة

بعد عامين من مقتله يصعب اختزال حسن نصر الله في صورة واحدة أو في توصيف سياسي واحد لأن تجربته الممتدة لأكثر من ثلاثة عقود ارتبطت بتحولات عميقة في تاريخ حزب الله ولبنان والمنطقة كما أن موقعه في الذاكرة السياسية لا يزال مرتبطاً باختلاف واضح في تفسير طبيعة الدور الذي لعبه والنتائج التي ترتبت على قيادته ولذلك فإن محاولة فهم إرثه تقتضي تجاوز الصورة الأحادية التي تختزل الرجل إما في شخصية قائد للمقاومة أو في قائد لتنظيم مسلح ذي نفوذ إقليمي والنظر بدلاً من ذلك إلى المسار التاريخي الكامل الذي قاد خلاله حزب الله في مراحل مختلفة من الصراع والتحول السياسي والعسكري

بالنسبة إلى أنصاره ارتبط حسن نصر الله بصورة قائد للمقاومة استطاع خلال سنوات طويلة أن يحافظ على قدرة حزب الله على مواجهة إسرائيل وأن يحول التنظيم إلى قوة عسكرية يصعب تجاهلها في الحسابات الأمنية الإسرائيلية والإقليمية وقد ارتبط اسمه بصورة خاصة بالانسحاب الإسرائيلي من معظم جنوب لبنان سنة 2000 وبحرب 2006 وبالخطاب الذي قدم المقاومة باعتبارها وسيلة لإعادة تشكيل ميزان القوة في مواجهة خصم يمتلك تفوقاً عسكرياً وتكنولوجياً كبيراً وفي هذا السياق ينظر مؤيدوه إلى نصر الله باعتباره قائداً تمكن من تحويل محدودية الإمكانات التقليدية إلى مصدر للقوة من خلال التنظيم والمرونة العملياتية والقدرة على الاستنزاف وبناء منظومة عسكرية وسياسية واجتماعية متماسكة وقد أشار مجلس العلاقات الخارجية إلى أن نصر الله قاد خلال ثلاثة عقود تحول حزب الله من تنظيم مقاوم إلى قوة سياسية وعسكرية بارزة في لبنان والمنطقة

أما بالنسبة إلى خصومه فقد ارتبطت صورته بتحول حزب الله من حركة مقاومة لبنانية إلى فاعل سياسي وعسكري يمتلك نفوذاً واسعاً داخل الدولة اللبنانية ويتحرك خارج حدودها كما ارتبط هذا المسار بمشاركة الحزب في الحرب السورية وبعلاقته الاستراتيجية مع إيران وبالدور الذي أصبح يؤديه داخل شبكة إقليمية من القوى المسلحة المتحالفة مع طهران ولذلك يركز هذا التصور على الأسئلة المتعلقة بالسيادة اللبنانية وباحتكار الدولة للقوة وبطبيعة العلاقة بين الحزب ومؤسسات الدولة وبالتكاليف السياسية والعسكرية التي ترتبت على انتقاله من مواجهة إسرائيل في لبنان إلى المشاركة في صراعات إقليمية متعددة وهذه القضايا أصبحت جزءاً أساسياً من الدراسات التي تتناول حزب الله باعتباره حالة مركبة تجمع بين العمل الحزبي والسياسي والعسكري والاجتماعي والعابر للحدود

غير أن القراءة الأكاديمية لا تحتاج إلى تبني إحدى الصورتين لكي تفهم أهمية حسن نصر الله فالأهمية التاريخية لشخصيته لا تتوقف على الاتفاق معه أو الاختلاف حوله وإنما ترتبط بما حدث فعلياً خلال فترة قيادته فقد تولى قيادة حزب الله لأكثر من ثلاثين عاماً وخلال هذه الفترة تطور الحزب بصورة كبيرة على المستويات التنظيمية والعسكرية والسياسية والاجتماعية وأصبح جزءاً أساسياً من المعادلات اللبنانية والإقليمية وقد وصف مجلس العلاقات الخارجية نصر الله بأنه كان الشخصية الأبرز في السياسة اللبنانية والإقليمية لأكثر من ثلاثة عقود وربط بين قيادته وبين التحول الكبير الذي عرفه الحزب خلال هذه الفترة

ومن منظور العلاقات الدولية تكمن أهمية هذه التجربة أيضاً في أنها تقدم حالة واضحة لدراسة صعود الفاعلين من غير الدول وكيف يمكن لتنظيم مسلح أن يطور قدرات عسكرية وشبكات اجتماعية ومؤسسات سياسية وعلاقات إقليمية تسمح له بالتأثير في بيئة تتجاوز حدود الدولة التي نشأ داخلها وقد جعل ذلك من حزب الله حالة مهمة في دراسة القوة غير المتكافئة والحرب غير النظامية والردع غير التقليدي والعلاقة بين الفاعل غير الدولتي والدولة كما أن ارتباط الحزب بإيران يوضح كيف يمكن للدول أن تستخدم شبكات من الشركاء والفاعلين المسلحين لتوسيع قدرتها على التأثير الإقليمي خارج الأدوات العسكرية والدبلوماسية التقليدية

لكن السنوات الأخيرة من قيادة نصر الله أظهرت في الوقت نفسه حدود هذا النموذج فقد كشفت الحرب التي اندلعت بعد أكتوبر 2023 أن امتلاك قدرات عسكرية كبيرة وخبرة طويلة في الحرب غير المتكافئة لا يعني بالضرورة القدرة على التحكم الكامل في إيقاع المواجهة عندما يمتلك الخصم تفوقاً كبيراً في الاستخبارات والقوة الجوية والتكنولوجيا وقد أدى التصعيد في 2024 إلى استهداف متدرج للقيادات والبنية الاتصالية والعسكرية للحزب قبل أن يصل إلى اغتيال نصر الله في سبتمبر وقد أشارت رويترز إلى أن العملية جاءت بعد سلسلة من الضربات التي ألحقت خسائر كبيرة بالقيادة العسكرية للحزب وكشفت عن مستوى عميق من الاختراق الاستخباراتي الإسرائيلي لبنيته التنظيمية

وهنا تظهر المفارقة الأساسية في إرث نصر الله فالقوة التي ساهم في بنائها خلال عقود مكّنت حزب الله من البقاء لاعباً رئيسياً في لبنان ومن امتلاك قدرة عسكرية إقليمية مهمة لكنها لم تمنحه قدرة مطلقة على منع خصم متفوق تقنياً واستخباراتياً من تغيير قواعد المواجهة واستهداف قيادته وبنيته التنظيمية ولذلك فإن تجربة السنوات الأخيرة لا يمكن قراءتها باعتبارها دليلاً على نجاح كامل لنموذج الردع ولا باعتبارها دليلاً على انهياره الكامل وإنما باعتبارها اختباراً حاداً لحدود القوة غير المتكافئة عندما تدخل في مواجهة مباشرة مع دولة تمتلك موارد عسكرية واستخباراتية وتكنولوجية أكبر بكثير

كما أن اغتيال نصر الله أظهر الفرق بين استمرار المؤسسة واستمرار النموذج الذي ارتبط بشخص القائد فقد شكل مقتله ضربة شديدة للحزب وفق تحليل مجلس العلاقات الخارجية الذي ربط أثر العملية بمكانته الاستثنائية وبالخسائر التي كانت قد طالت عدداً من كبار قادته العسكريين في الأسابيع السابقة لكن الحزب لم يختف بعد مقتله بل انتقلت القيادة لاحقاً إلى نعيم قاسم الذي اختاره مجلس الشورى أميناً عاماً في أكتوبر 2024 وهو ما يدل على امتلاك التنظيم آلية مؤسساتية للخلافة وإن كان انتقال القيادة لا يعني بالضرورة انتقال الوزن السياسي والرمزي نفسه الذي راكمه نصر الله خلال أكثر من ثلاثة عقود

ومن هنا يمكن فهم إرث حسن نصر الله باعتباره إرثاً مركباً يجمع بين بناء القوة وتحول الوظيفة السياسية والعسكرية واختبار حدود الردع فقد قاد حزب الله في مرحلة انتقل فيها من تنظيم مقاوم يتركز نشاطه الأساسي في لبنان إلى فاعل يمتلك حضوراً سياسياً وعسكرياً واجتماعياً وإقليمياً واسعاً وفي الوقت نفسه قادت التحولات نفسها إلى أسئلة أكثر تعقيداً حول علاقة الحزب بالدولة اللبنانية وحول علاقته بإيران وحول دوره في الصراعات الإقليمية وحول قدرة نموذج القوة غير الدولتية على الاستمرار عندما تتغير البيئة الاستراتيجية

ولذلك فإن دراسة نصر الله بعد عامين من مقتله لا ينبغي أن تقوم على سؤال ما إذا كان بطلاً أو خصماً في السرديات السياسية المختلفة وإنما على سؤال أكثر أهمية بالنسبة إلى دراسة العلاقات الدولية وهو كيف استطاع قائد واحد خلال أكثر من ثلاثة عقود أن يشارك في بناء تنظيم أصبح فاعلاً مركزياً في نظام إقليمي شديد التعقيد وكيف تمكن هذا التنظيم من الجمع بين المقاومة والعمل السياسي والقدرة العسكرية والشبكات الاجتماعية والتحالفات الإقليمية ثم كيف اصطدم هذا النموذج في نهايات مرحلة نصر الله بحدود القوة وبالتفوق الاستخباراتي والتكنولوجي للخصم

وبهذا المعنى يتجاوز إرث حسن نصر الله صورة الرجل التي صنعتها الخطب والمواقف السياسية إلى كونه حالة دراسية في القوة غير المتكافئة وفي العلاقة بين المقاومة والسياسة وفي بناء الفاعلين من غير الدول وفي طبيعة الردع في الصراعات المعاصرة فقد كان أثره أكبر من حدود شخصه لأنه ارتبط بمؤسسة أعاد تشكيلها على مدى عقود وببيئة إقليمية ساهم في تغيير توازناتها ولذلك فإن رحيله لم ينه الأسئلة التي صنعت تجربته بل نقلها إلى مرحلة جديدة أصبح فيها مستقبل حزب الله وقدرته على إعادة بناء مؤسساته والحفاظ على موقعه السياسي والعسكري جزءاً من السؤال الأوسع حول مستقبل الفاعلين المسلحين من غير الدول وحول حدود القوة والردع والحرب غير المتكافئة في الشرق الأوسط

 

خاتمة 

إن ذكرى استشهاد السيد حسن نصر الله ليست مجرد مناسبة لاستعادة سيرة قائد ارتبط اسمه بتاريخ حزب الله خلال أكثر من ثلاثة عقود وإنما تمثل فرصة لإعادة قراءة مرحلة كاملة من التحولات التي شهدها مفهوم المقاومة وطبيعة الحرب وتوزيع القوة في الشرق الأوسط فقد قاد نصر الله الحزب منذ عام 1992 خلال مراحل مفصلية بدأت من مرحلة المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان مروراً بالانسحاب الإسرائيلي سنة 2000 وحرب 2006 وصولاً إلى التحول الإقليمي للحزب ومشاركته في صراعات خارج الحدود اللبنانية ثم المواجهة التي اندلعت بعد أكتوبر 2023 وانتهت باغتياله في سبتمبر 2024 وقد وصف معهد الدراسات الاستراتيجية الدولية مقتله بأنه نقطة تحول بالنسبة إلى الحزب ولبنان والمنطقة واعتبر أن ثلاثة عقود من قيادة نصر الله ساهمت بصورة كبيرة في تشكيل الديناميات السياسية والأمنية في لبنان والمشرق

وخلال هذه المسيرة ساهم نصر الله في بناء نموذج للمقاومة تجاوز الحدود التقليدية بين العمل العسكري والعمل السياسي والاجتماعي والإعلامي فتحول حزب الله في عهده من تنظيم مقاوم يعمل أساساً في البيئة اللبنانية إلى فاعل يمتلك مؤسسات سياسية وشبكات اجتماعية وقدرات عسكرية متقدمة وعلاقات إقليمية واسعة وقد أشار مجلس العلاقات الخارجية إلى أن نصر الله قاد الحزب لأكثر من ثلاثين عاماً وساهم في تشكيله ليصبح أحد أبرز الفاعلين غير الدولتيين المسلحين في المنطقة كما ارتبط تطور قدراته بالدعم الإيراني وبخبرة قتالية تراكمت في ساحات مختلفة من لبنان إلى سوريا وغيرها

لكن القوة التي ساهمت في بناء هذا النموذج حملت معها في الوقت نفسه مجموعة من التناقضات فقد أدى امتلاك الحزب لقدرات عسكرية مستقلة عن مؤسسات الدولة إلى تعميق النقاش حول السيادة واحتكار الدولة للقوة كما أدى انتقاله من المقاومة المحلية إلى الفاعل الإقليمي إلى توسيع نطاق حضوره وتأثيره لكنه أدخله أيضاً في صراعات إقليمية أكثر تعقيداً وخاصة بعد مشاركته في الحرب السورية ثم جاءت الحرب التي اندلعت بعد أكتوبر 2023 لتكشف جانباً آخر من هذه التجربة حين وجد الحزب نفسه أمام مواجهة اتسمت بتفوق إسرائيلي كبير في الاستخبارات والقوة الجوية وقدرة الاستهداف الدقيق وقد خلصت تحليلات معهد الدراسات الاستراتيجية الدولية إلى أن العمليات الإسرائيلية في 2024 ألحقت أضراراً كبيرة ببنية الحزب القيادية والعسكرية وأضعفت قدراته بصورة واضحة

ومن هنا فإن تجربة نصر الله تكشف أن القوة غير المتكافئة لا تعني امتلاك قدرة مطلقة على فرض نتائج الحرب وإنما تعني امتلاك أدوات تسمح للفاعل الأضعف نسبياً بالتأثير في حسابات خصمه ورفع تكلفة المواجهة وخلق قدرة على الاستمرار في ظروف لا تسمح بالتنافس التقليدي في القوة العسكرية وقد تمكن حزب الله خلال سنوات طويلة من بناء هذه القدرة مستفيداً من التنظيم والخبرة القتالية والدعم الخارجي والقدرة على العمل ضمن بيئات متعددة لكن تجربة 2024 أظهرت في المقابل أن الردع يظل مرتبطاً بقدرة الفاعل على حماية قيادته واتصالاته وبنيته التنظيمية وعلى التكيف مع تطور القدرات الاستخباراتية والتكنولوجية للخصم

كما أن اغتيال نصر الله أظهر بوضوح الفرق بين استمرار المؤسسة واستمرار النموذج المرتبط بشخص القائد فقد شكل غيابه ضربة كبيرة للحزب بسبب مكانته القيادية والرمزية والتراكم الذي مثله خلال أكثر من ثلاثة عقود غير أن التنظيم لم يختف بعد مقتله بل انتقلت القيادة لاحقاً إلى نعيم قاسم بعد اختياره من مجلس الشورى وهو ما يدل على وجود آليات تنظيمية تسمح باستمرار المؤسسة حتى في ظروف استثنائية ومع ذلك فإن قدرة المؤسسة على الاستمرار لا تعني بالضرورة قدرتها على إنتاج المكانة السياسية والرمزية نفسها التي ارتبطت بشخص نصر الله

ولهذا فإن إرث حسن نصر الله لا يمكن فهمه باعتباره انتصاراً مطلقاً أو هزيمة مطلقة ولا باعتباره صورة واحدة ثابتة في الذاكرة السياسية وإنما باعتباره تجربة تاريخية مركبة في بناء القوة خارج الدولة وفي استخدام المقاومة كأداة عسكرية وسياسية وفي تطوير الردع غير التقليدي وفي تحويل فاعل من غير الدول إلى عنصر مؤثر في توازنات الأمن الإقليمي وفي الوقت نفسه تكشف هذه التجربة حدود النموذج عندما ينتقل من مواجهة محلية إلى شبكة صراعات إقليمية واسعة وعندما يواجه خصماً يمتلك تفوقاً كبيراً في الاستخبارات والتكنولوجيا والقوة الجوية

ومن منظور العلاقات الدولية فإن القيمة الأكاديمية لهذه التجربة تكمن تحديداً في أنها تسمح بدراسة العلاقة المعقدة بين الفاعل غير الدولتي والدولة وبين المقاومة والسياسة وبين القوة العسكرية والشرعية السياسية وبين الردع والحرب غير المتكافئة كما تطرح سؤالاً أوسع حول قدرة التنظيمات المسلحة على بناء مؤسسات تتجاوز شخصية مؤسسها أو قائدها وحول مدى قدرة هذه المؤسسات على الحفاظ على تماسكها عندما تتعرض قيادتها وبنيتها العسكرية لضربات متزامنة

وبذلك فإن ذكرى حسن نصر الله لا تغلق النقاش حول تجربته وإنما تفتحه على مرحلة جديدة فالسؤال الذي يبقى مفتوحاً أمام الباحثين في العلاقات الدولية ليس فقط ماذا حدث لحزب الله بعد غياب قائده وإنما ماذا تكشف تجربة نصر الله عن مستقبل المقاومة والردع والحرب غير المتكافئة في الشرق الأوسط وهل تستطيع المؤسسات التي بناها القائد أن تحافظ على الفاعلية نفسها بعد غياب الشخصية التي منحتها جزءاً كبيراً من رمزيتها وقدرتها على التعبئة وهل يستطيع الفاعل غير الدولتي أن يحافظ على موقعه عندما تتغير البيئة الإقليمية وتتبدل موازين القوة وتصبح التكنولوجيا والاستخبارات والقدرة على استهداف القيادة عوامل مركزية في تحديد نتائج الصراع

وفي هذا المعنى يبقى إرث حسن نصر الله أكبر من مسألة شخص واحد وأوسع من لحظة اغتياله لأنه يرتبط بتجربة كاملة في بناء القوة وإدارتها وتوسيع نطاقها ثم اختبار حدودها وهي تجربة تجعل من حزب الله حالة دراسية أساسية لفهم التحولات التي طرأت على الحرب الحديثة وعلى طبيعة الفاعلين في النظام الإقليمي وعلى الكيفية التي أصبحت بها القوة في الشرق الأوسط تتجاوز في كثير من الأحيان حدود الدولة ومؤسساتها التقليدية

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق