الحرب الايرانية الامريكية ضمن أولويات قمة السبع

قسم البحوث والدراسات الاستراتجية والعلاقات الدولية 19-06-2026
في مدينة ايفان الفرنسية وفي الوقت الذي اجتمع فيه قادة مجموعة السبع لمناقشة الاختلالات الاقتصادية العالمية وتداعيات الأزمات الجيوسياسية، كان العالم كله ينتظر قمة جنيف القريبة ليرسم المشهد العالمي وخاصة ضمن توقيع الرسمي لمذكرة التفاهم الايرانية الأمريكية.
وبينما انشغل القادة داخل القاعات المغلقة بملفات الحرب والتجارة والطاقة، عبّرت الاحتجاجات الشعبية خارجها عن اتساع الفجوة بين أولويات الحكومات الغربية ومزاج قطاعات واسعة من الرأي العام، خصوصاً في ما يتعلق بالحرب في الشرق الأوسط.
برزت هيمنة الملف الأميركي الإيراني على القمة وكانت في صدارة جدول الأعمال، رغم أن القمة دُعيت أساساً لمناقشة قضايا اقتصادية وتجارية. اذ جاء انعقادها بعد أشهر من الحرب التي شهدتها المنطقة، وفي ظل تفاهم أميركي إيراني أنهى مرحلة من التصعيد العسكري وفتح الباب أمام مسار تفاوضي جديد. لذلك وجد قادة الدول الصناعية الكبرى أنفسهم أمام استحقاق سياسي وأمني تجاوز بكثير الملفات الاقتصادية التي كانت مطروحة مسبقاً.
في هذا السياق، ظهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب بوصفه الشخصية الأكثر تأثيراً في القمة. فالنقاشات واللقاءات والمواقف الإعلامية دارت إلى حد كبير حول الدور الأميركي في إدارة الأزمات الدولية، وحول مستقبل التفاهمات التي أفضت إلى وقف الحرب. وقد سعت الدول الأوروبية إلى الحفاظ على مستوى من التنسيق مع واشنطن في مرحلة تتسم بقدر كبير من عدم اليقين، سواء في الشرق الأوسط أو في أوكرانيا أو في العلاقات مع الصين.
كما أن مشهد آلاف المتظاهرين الذين نزلوا إلى الشوارع تحت راية تحالف يضم عشرات المنظمات المناهضة للعولمة والسياسات الغربية كان له مكانه في صدارة المشهد أيضاً، خاصة مع رفعهم لشعارات تدين الحروب والتدخلات العسكرية وتدعم القضية الفلسطينية. ورغم أن التحالف الاحتجاجي تأسس على خلفية اقتصادية واجتماعية مرتبطة بانتقاد الرأسمالية العالمية، فإن الحرب في الشرق الأوسط فرضت نفسها على مضمون التظاهرات وعلى الشعارات التي تصدرت المسيرات.
كما سلطت القمة الضوء على أزمة أعمق تتعلق بمكانة مجموعة السبع في النظام الدولي. فهذه المجموعة التي تأسست في سبعينيات القرن الماضي باعتبارها مركز القرار الاقتصادي والسياسي للغرب تواجه اليوم واقعاً مختلفاً. اذ أن صعود الصين والهند ومجموعة بريكس، واتساع نفوذ الاقتصادات الناشئة، كلها عوامل قلّصت من القدرة الغربية على احتكار إدارة الشؤون الدولية. لذلك حرصت القمة على إشراك عدد من الدول من خارج المجموعة، بما في ذلك دول عربية وآسيوية وأفريقية، في اعتراف ضمني بأن التحديات العالمية أصبحت أكبر من أن تعالجها القوى الصناعية التقليدية وحدها.
مع ذلك، بقيت حدود هذا الانفتاح واضحة، فالدول المدعوة شاركت في النقاشات، بينما استمرت القرارات الأساسية في أيدي أعضاء المجموعة. وهذه المفارقة كانت حاضرة أيضاً في الانتقادات التي وجهها المحتجون، الذين رأوا أن المؤسسات الغربية ما زالت تدير الملفات الدولية وفق توازنات تخدم مصالح القوى الكبرى أكثر مما تعكس مصالح المجتمع الدولي الأوسع.
شكّلت الأبعاد الأمنية للقمة بدورها عنواناً بارزاً من جهتها. فقد دفعت المخاوف من الاحتجاجات ومن تداعيات التوترات الدولية فرنسا وسويسرا إلى تنفيذ إجراءات استثنائية شملت نشر عشرات الآلاف من عناصر الأمن وإغلاق عدد كبير من المعابر الحدودية. وتعكس هذه الإجراءات حجم القلق الذي يرافق القمم الدولية في مرحلة تتزايد فيها الاستقطابات السياسية وتتعقد فيها الأزمات الإقليمية.
تكشف قمة إيفيان والاحتجاجات المرافقة لها عن حقيقة أساسية مفادها أن النظام الدولي يعيش مرحلة انتقالية تتراجع فيها قدرة المؤسسات التقليدية على إنتاج توافقات واسعة. فالقادة المجتمعون كانوا يبحثون عن إدارة الأزمات المتلاحقة، بينما كانت الشوارع الأوروبية تعبّر عن اعتراضات متزايدة على السياسات التي أوصلت العالم إلى هذه الأزمات.



