أخبار العالمالشرق الأوسطبحوث ودراسات

هكذا يقود اليمين الإسرائيلي المتطرف المنطقة نحو صراع مفتوح…

لم تعد الحروب التي تشنها “إسرائيل” في غزة أو الضفة الغربية أو لبنان أو سوريا مجرد عمليات عسكرية مرتبطة بظروف أمنية أو ردود فعل على أحداث طارئة، بل أصبحت جزءًا من رؤية سياسية وأيديولوجية متكاملة تتبناها حكومة الاحتلال الإسرائيلية الحالية، والتي تعد الأكثر تطرفًا في تاريخ الدولة العبرية، فهذه الحكومة لا تنظر إلى القوة العسكرية باعتبارها أداة لتحقيق أهداف سياسية محددة، وإنما تعتبرها وسيلة دائمة لفرض الوقائع وتغيير الخرائط وإعادة تشكيل المنطقة وفق تصوراتها العقائدية.

لقد أظهرت السنوات الأخيرة أن حكومة بنيامين نتنياهو لا تتعامل مع الاحتلال باعتباره حالة مؤقتة يمكن أن تنتهي عبر التسويات السياسية، بل تنظر إليه كحالة طبيعية يجب ترسيخها وتعميقها، فمن غزة إلى الضفة الغربية، ومن جنوب لبنان إلى الأراضي السورية المحتلة، يتكرر النمط ذاته؛ التوغل العسكري، وفرض الوقائع الجديدة، ثم رفض العودة إلى ما كان عليه الوضع قبل الحرب أو المواجهة”.

سياسة هذه الحكومة تستند إلى بيئة فكرية وسياسية يهيمن عليها تيار اليمين الديني والقومي المتطرف، الذي يؤمن بأن الأرض الممتدة من البحر إلى النهر او من النيل الى الفرات تمثل حقًا حصريًا لـ”إسرائيل”، وأن أي انسحاب من  اي ارض محتلة يعد تنازلًا غير مقبول، وفي هذا السياق، لا يُنظر إلى التسويات السياسية باعتبارها حلولًا للصراع، بل باعتبارها تهديدًا للمشروع الأيديولوجي الذي يسعى إلى توسيع السيطرة الإسرائيلية وتكريسها على أكبر مساحة ممكنة من الأرض.

وبين أنه لهذا السبب، لم تؤد اتفاقات التهدئة أو قرارات وقف إطلاق النار في الاشهر الماضية إلى تغيير جوهري في السلوك الإسرائيلي، فالتهدئة بالنسبة لهذه الحكومة ليست مقدمة للسلام، وإنما استراحة مؤقتة لإعادة ترتيب الأولويات والاستعداد لجولات جديدة من الصراع، وحتى عندما تُفرض عليها تفاهمات دولية أو ضغوط سياسية، فإنها تسعى إلى الاحتفاظ بالمكاسب التي حققتها بالقوة العسكرية، وتحويلها إلى حقائق دائمة يصعب التراجع عنها لاحقًا.

لحرب في قطاع غزة تجاوزت حدود المواجهة العسكرية لتتحول إلى عملية واسعة النطاق استهدفت البشر والحجر ومقومات الحياة الأساسية، فالتدمير الشامل للأحياء السكنية والبنية التحتية، والحصار والتجويع والضغط المستمر على السكان، كلها أدوات تصب في اتجاه واحد يتمثل في دفع الفلسطينيين نحو الرحيل أو القبول بواقع جديد يُفرض عليهم بالقوة.

أما في الضفة الغربية، ان الاستيطان المتسارع ومصادرة الأراضي والاعتداءات المتكررة على الفلسطينيين تكشف أن الهدف لم يعد مجرد إدارة الاحتلال، بل تثبيته وتوسيعه وصولًا إلى القضاء على أي إمكانية حقيقية لقيام دولة فلسطينية مستقبلا فكل مستوطنة جديدة، وكل طريق استيطاني جديد، يمثل خطوة إضافية في مشروع الضم الزاحف الذي يجري تنفيذه على الأرض بعيدًا عن الضجيج الإعلامي.

إن “إسرائيل” تتصرف في لبنان وسوريا بعقلية القوة الإقليمية التي تسعى إلى فرض معادلات جديدة بالقوة العسكرية، مستفيدة من حالة الانقسام العربي والدعم الأمريكي غير المحدود، وهي لا تخفي رغبتها في توسيع هامش حركتها العسكرية والأمنية خارج حدودها، بما يضمن بقاء تفوقها الاستراتيجي وهيمنتها على محيطها.

 أن المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في الحروب التي تشنها هذه الحكومة، بل في طبيعة الفكر الذي يحكم قراراتها، فهذا الفكر لا يعترف بالمساواة بين الشعوب، ولا يؤمن بحقوق الآخرين الوطنية والتاريخية، بل ينطلق من رؤية تعتبر أن أمن إسرائيل وتوسعها يبرران كل أشكال العنف والاحتلال والتهجير والتدمير، ومن هنا تتحول حياة المدنيين وحقوقهم إلى مجرد تفاصيل ثانوية في حسابات القوة والسيطرة.

 إذا كانت الحكومات السابقة قد حاولت أحيانًا إخفاء هذه التوجهات خلف شعارات السلام الزائف أو المفاوضات العقيمة، فإن اليمين الإسرائيلي المتطرف لم يعد يشعر بالحاجة إلى إخفاء شيء، فالدعوات إلى التهجير، والتصريحات التي تحرض على القتل الجماعي، والخطابات التي تنكر وجود الشعب الفلسطيني أو حقوقه، أصبحت جزءًا من المشهد السياسي اليومي داخل “إسرائيل”، بل وأحد عوامل التنافس بين أطراف الائتلاف الحاكم.

وكشف إلى أن أخطر ما تواجهه المنطقة اليوم ليس مجرد حكومة متطرفة، بل مشروع سياسي كامل يقوم على تحويل الحرب إلى حالة دائمة، والاحتلال إلى واقع دائم، والصراع إلى قدر دائم. وفي ظل هذا المشروع، لا تبدو المعارك الجارية مجرد أحداث عابرة، بل حلقات متصلة في مسار طويل يسعى إلى إعادة رسم المنطقة بالقوة، وفرض وقائع جديدة لا تعترف بالقانون الدولي ولا بحقوق الشعوب، ولذلك فإن السؤال لم يعد متى ستنتهي هذه الحرب أو تلك، بل كيف يمكن مواجهة عقلية سياسية تعتبر أن السلام ضعف، وأن الانسحاب هزيمة، وأن القوة العسكرية هي اللغة الوحيدة التي يجب أن تحكم مستقبل المنطقة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق