غير مصنف

كلمة الأستاذ منجي الرحوي حول مبادرة الحضارة العالمية والتبادل الحضاري التونسي والصيني

منجي الرحوي الأمين العام لحزب الوطنيين الديمقراطيين الوطد

 

التمركز الذاتي والهيمنة الثقافية في الفكر المعاصر

من احتكار تعريف الحضارة إلى تبرير احتكار الثروة وبسط الهيمنة

قراءة في ضوء التجربة الصينية: حوار الحضارات والحوكمة العالمية والإصلاح والانفتاح

 

السيدات والسادة، الحضور الكريم،

يطرح موضوع التمركز الذاتي والهيمنة الثقافية في الفكر المعاصر إشكالية تتجاوز حدود الاختلاف الثقافي والحضاري، لتلامس طبيعة العلاقات التي تحكم العالم اليوم، وعلاقة الثقافة بالسلطة، والمعرفة بالثروة، والهوية بالهيمنة.

إن السؤال الذي أود الانطلاق منه هو: من يمتلك الحق في تعريف الحضارة وتصنيفها؟ ومن يحدد معايير التقدم والتخلف، والحداثة والتأخر؟ ومن يقرر أي من المجتمعات التي تمثل المستقبل والمؤهلة لريادة العالم ، وأيها توصف بأنها متأخرة أو عاجزة عن مواكبة التاريخ وما عليها الا ان تخضع للهيمنة؟
ان الإجابة على هذه الأسئلة سيحيلنا ضرورة الى فهم إجمالي للتاريخ الطويل من علاقات القوة والصراع حول انتاج المعرفة وتوضيف نتائجها وتحديد المعايير التي يقاس بها العالم.


ومن هنا تنطلق أطروحة هذه المداخلة: إن التمركز الذاتي والهيمنة الثقافية برايي ليسا مجرد موقفين فكريين أو ظاهرتين ثقافيتين يحلقان في السماء بدون قاعدة مادية لهما ، بل يمثلان ركيزة إيديولوجية لإنتاج علاقات الهيمنة وتبريرها وإعادة إنتاجها.

 

أولاً: التمركز الذاتي يقود ضرورة الى تحويل الخصوصية ادعاء بالتفوق et la suprématie

يقوم التمركز الذاتي على اتخاذ الذات مرجعاً للحكم على العالم، والذت هنا طبعا المجتمع الغربي والحضارة الغربية بالنظر إلى الآخر من خلال منظومة المعايير والقيم الخاصة بها والتي نشات داخل بيئتها الاجتماعية والاقتصادية ضمن صراع لم يحسم بين قوى تعمل على المحافظة وتابيد السائد وقوى تعمل على تغييره.

ولا تكمن المشكلة في اعتزاز الشعوب بهوياتها أو خصوصياتها الثقافية؛ فذلك حق مشروع ومصدر من مصادر التنوع والثراء الإنساني. وإنما تكمن المشكلة عندما تتحول الخصوصية إلى ادعاء بالتفوق وتبريرا له، فتبرر به سياساتها تجاه الاخر المختلف “المتخلف”وتتعمد انشاء تراتبية حضارية(تفترض علاقة هيمنة واخضاع)،وتجعل من التجربة التاريخية الخاصة نموذجا كونيا يراد فرضه على بقية الإنسانية.

لقد ارتبط جانب مهم من تاريخ الفكر الحديث بصعود المركزية الأوروبية، التي لم تكتف بتقديم التجربة الأوروبية باعتبارها تجربة تاريخية خاصة، بل عملت على تقديمها باعتبارها المسار الطبيعي الارقى بل الافضل للتقدم الإنساني. أدى هذا في ما أدى اليع الى بروز اكثر الحركات والتعبيرات عنصرية وشوفينية في التاريخ.

وهنا نستحضر المفكر سمير أمين ونقده للمركزية الأوروبية، حيث كشف كيف أعادت بعض التصورات الفكرية والتاريخية صياغة التاريخ العالمي من منظور يجعل أوروبا مركزاًو للحركة التاريخية، ويهمّش إسهامات الحضارات الأخرى وتجاربها.

فالمشكلة ليست في الاعتراف بالإنجاز الأوروبي، وإنما في تحويله إلى معيار حصري للحضارة والحداثة.

 

ثانياً: الهيمنة الثقافية بوصفها سلطة على الوعي والمعرفة

إذا كان التمركز الذاتي يؤسس لفكرة التفوق والمحتذى به ، فإن الهيمنة الثقافية تعمل على تحويل هذا التفوق إلى منظومة من التصورات والقيم والمعايير التي تجعل الآخرين يتبنون ويستبطنون ، أحياناً، رؤية المهيمن للعالم باعتبارها رؤية طبيعية أو بديهية ويعد هذا من اخطر الظواهر باعتباره يلحق هزيمة محققة للامم والشعوب والطبقات المضطهدة في صراعهم من اجل التحرر والانعتاق.

وهنا نستحضر أنطونيو غرامشي ومفهومه للهيمنة.

لقد بيّن غرامشي أن السيطرة لا تتحقق بالقوة المادية وأجهزة الإكراه وحدها، بل أيضاً من خلال إنتاج القبول الاجتماعي والثقافي، وجعل تصورات القوى المهيمنة تبدو وكأنها تصورات طبيعية ومشتركة ولذلك ادخل مفهوم دور المجتمع المدني والكتلة التاريخية باعتبارهما يجسدان التحام بل اندماج المثقف والثقافة بالفعل النضالي الثوري.

فالهيمنة لا تعني فقط أن تفرض إرادتك على الآخرين، بل أن تصبح رؤيتك للعالم مرجعاً يتبناه الآخرون، حتى عندما لا تتطابق مصالحهم مع المصالح التي تخدمها تلك الرؤية.

أما إدوارد سعيد، فقد كشف في كتابه «الاستشراق» كيف يمكن للمعرفة أن تتحول إلى أداة لإنتاج صورة الآخر وتصنيفه وتحديد موقعه داخل علاقة غير متكافئة بين من يمتلك سلطة التمثيل ومن يقع موضوعاً لهذا التمثيل.

ويأتي فرانز فانون ليضيف بعداً آخر لهذا النقد، من خلال كشف الآثار النفسية والثقافية للاستعمار، وكيف يمكن للمستعمَر أن يستبطن نظرة المستعمِر إلى ذاته، فيصبح التحرر الحقيقي مقتضياً لاستعادة الثقة بالذات والقدرة على إنتاج المعرفة وتحديد المصير.

ولا يسعني أن اذكر المفكر العربي الشهيد مهدي عامل في هذا المحور بالذات الذي ينظر إلى التخلف باعتباره مجرد أزمة حضارية أو ثقافية، وإنما مرتبط بالبنية الاقتصادية والاجتماعية وعلاقات التبعية والاستعمار. وتكمن أهمية هذا المنظور في كشف العلاقة بين الهيمنة المادية والهيمنة الأيديولوجية إذ إن احتكار تعريفه التقدم والحضارة وفرض نموذج ثقافي واحد باعتباره معياراً كونيا يمكن أن يشكلا غطاء فكرياً لتبريراحتكار اثروة وإدامة التفاوت وبسط النفوذ. ونحيلكم إلى أحد أفكاره التي وردت في كتابه “غدفي الدولة الطائفية” : والحرب حربان: حرب لخصمك وحرب عليه،وما كان للحرب يوما منطق واحد وما كان لها جبهة واحدة ….وربما كانت غي جبهة الفكر اشد شراكة وفتكا. كان تفكر مثلا بفكر خصمك انها ضربة قاتلة…والكلمات يغريك خصمك حتى يوقع بك يظربك،غيشل فيك قدرة الفكر على النقد فتستسلم اذاك لمنطلقات فكره فتبقى حتى في نشاط فكرك المعرفي اخيرا لمنطلقات فكره…..

“و أخيرا أريد أن استحضر ابن خلدون الذي بيّن لنا، منذ القرن الرابع عشر، من خلال مقدمته، أنّ كل حضارة ينبغي أن تكون قادرة على فهم تاريخها و تحليل ديناميتها الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية من واقعها الخاص، و يذكٌرنا فكره بأنٌ الحضارات ليست مجرٌد موضوعات، بل هي أيضا ذوات منتجة للمعرفة. فليس المقصود أن نضع فكرا في مواجهة فكر آخر، بل أن نعترف لكل حضارة بقدرتها على الاسهام، انطلاقا من تجربتها الخاصة، في بناء المعرفة الانسانية الكونية.”


وهنا نصل إلى فكرة أساسية:

إن أخطر أشكال الهيمنة ليست تلك التي تتحكم في الأرض والثروة فقط، بل تلك التي تتحكم في الوعي، وفي الطريقة التي يفكر بها الإنسان في نفسه وفي الآخرين لتصبح عملية التحكم بالثروة وتمركزا امرا طبيعيا ومؤمنا.

 

ثالثاً: جداية العلاقة بين احتكار تعريف الحضارة وتبرير تبرير احتكار الثروة

وهذا يقودنا إلى الجانب مهم في تصورنا لهذه الاشكالية.

إن الهيمنة الثقافية لا تعمل بمعزل عن المصالح الاقتصادية والسياسية، بل هي نتاج لها تتفاعل معها وتوفر لها غطاءً إيديولوجياً ورمزياً.

فعندما تحتكر قوة معينة تعريف التقدم وتمتلك بل تمركز المعرفة ، فإنها تعمل إلى جعل نموذجها الاقتصادي والتكنولوجي والسياسي معياراً عاماً، وتقديم خياراتها الخاصة باعتبارها شروطاً لا بديل عنها للتحديث والتنمية.

وعندما تحتكر المعرفة والتكنولوجيا وتمركزها، فإنها تمتلك أدوات إضافية للتحكم في شروط الإنتاج والتبادل والتنافس.

وعندما تنفرد بتحديد القواعد والمعايير، فإنها تستطيع تحويل مصالحها الخاصة إلى قواعد تبدو وكأنها قواعد محايدة عالمية بل كونية.

وهنا تبرز أهمية التحليل النقدي للنظام الرأسمالي العالمي، وخاصة لدى سمير أمين، الذي ربط بين التوسع الرأسمالي العالمي وآليات التفاوت بين المركز والأطراف.

ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن احتكار تعريف الحضارة يؤدي وظيفة تتجاوز المجال الثقافي؛ إذ يسهم في إضفاء الشرعية على نظام غير متكافئ لتوزيع الثروة والقوة والفرص،بل يفضي الى اضفاء الشرعية لاحتكار الثروة وتمركزها وما يحتاجه هذا من قوة لتحقيقه ولعل الحروب خير دليل على ذلك.

فمن يحتكر تعريف التقدم يسعى إلى احتكار معاييره، ومن يحتكر معايير التقدم يمتلك أدوات إضافية لتبرير امتيازاته ومصالحه.

وهكذا تصبح الهيمنة الثقافية ركيزة إيديولوجية لاحتكار الثروة وبسط النفوذ وإعادة إنتاج الهيمنة وتثبيت التفاوت واخضاع الشعوب والدول.

 

رابعاً: التجربة الصينية وإعادة التفكير في العلاقة بين الخصوصية والانفتاح

في ضوء هذه الإشكاليات، تكتسب التجربة الصينية أهمية خاصة، ليس باعتبارها نموذجاً ينبغي نقله أو تعميمه، وإنما باعتبارها تجربة تاريخية وتنموية تطرح أسئلة جدية حول العلاقة بين الخصوصية الحضارية والتحديث والانفتاح على العالم.

فمنذ إطلاق سياسة الإصلاح والانفتاح سنة 1978، شهدت الصين تحولات اقتصادية واجتماعية وتكنولوجية عميقة، في مسار جمع بين الانفتاح على التجارب العالمية والمحافظة على خصوصية مسارها التاريخي والمؤسساتي.

وهنا تبرز مسألة فكرية جوهرية:

هل يتعين على المجتمعات أن تتخلى عن خصوصياتها الحضارية حتى تحقق التقدم؟ وهل توجد طريق واحدة للحداثة والتنمية؟ أم أن بإمكان الشعوب أن تنتج مساراتها الخاصة، وأن تستفيد من التجارب الإنسانية دون أن تفقد حقها في الاختيار والاستقلال؟

إن التجربة الصينية تفتح مجالاً للنقاش حول هذه الأسئلة، وتدفعنا إلى تجاوز الثنائية العقيمة بين الانغلاق والانفتاح، وبين الخصوصية والكونية.

فالإصلاح والانفتاح لا يعنيان بالضرورة الذوبان في نموذج خارجي، كما أن المحافظة على الخصوصية لا ينبغي أن تعني الانغلاق عن منجزات الإنسانية.

وفي هذا السياق، تبرز مبادرة الحضارة العالمية التي طرحتها الصين سنة 2023، والتي تؤكد في تصورها المعلن احترام تنوع الحضارات، والتبادل والتعلم المتبادل، وعدم فرض نموذج حضاري واحد على الآخرين.

كما يطرح مفهوم مجتمع المستقبل المشترك للبشرية، إلى جانب الدعوة إلى إصلاح الحوكمة العالمية، أسئلة مهمة ولو مرحليا حول طبيعة النظام الدولي، ومدى قدرته على تجاوز احتكار القرار وتوسيع مشاركة الدول النامية والاقتصادات الصاعدة في صياغة القواعد التي تنظم العلاقات الدولية.

لكن من المهم التأكيد أن قيمة هذه المبادرات لا تُقاس بالشعارات وحدها، وإنما بمدى ترجمتها إلى ممارسات فعلية في العلاقات الاقتصادية والسياسية والقدرة على تحويلها الى سياسات فعالة، وبمدى احترامها لمبادئ المساواة والتكافؤ والسيادة والمصالح المتبادلة.

فالتعددية الحضارية لا ينبغي أن تكون مجرد تعدد في مراكز القوة، بل يجب أن تكون تعدداً في فرص المشاركة، وفي القدرة على إنتاج المعرفة، وفي المساهمة في صياغة قواعد النظام العالمي على اسس انسانية لخلاص جماعي مشترك.

 

خامساً: نحو عالم يتجاوز منطق المركزية والهيمنة

إن التحدي الذي يواجه الإنسانية اليوم ليس استبدال مركزية غربية بمركزية أخرى، ولا نقل الهيمنة من قوة دولية إلى قوة أخرى.

إن التحدي الحقيقي هو تجاوز منطق الهيمنة ذاته ووضع اليات استدامته.

وهذا يقتضي بناء علاقات دولية تقوم على الاعتراف المتبادل بالخصوصيات الحضارية والثقافية، ورفض احتكار تعريف التقدم والحداثة، وضمان حق الشعوب في اختيار مساراتها التنموية، وتقليص الفجوات الاقتصادية والتكنولوجية، وإصلاح مؤسسات الحوكمة العالمية بما يضمن مشاركة أوسع وأكثر عدلا.

وهنا ينبغي ألا نفصل بين حوار الحضارات والعدالة الاقتصادية؛ فلا يمكن أن يكون الحوار متكافئاً في عالم تتفاوت فيه القدرة على إنتاج المعرفة وامتلاك التكنولوجيا والتحكم في الموارد.

كما لا يمكن الحديث عن تعددية حضارية حقيقية دون تعددية في مراكز القرار، ودون الاعتراف بحق الشعوب في المشاركة في صياغة مستقبلها.

 

خاتمة: الحضارة ملك للإنسانية وليست امتيازاً لقوة بعينها

السيدات والسادة،

أود أن أختم بالتأكيد على أن جوهر هذه المداخلة لا يتمثل في نقد حضارة بعينها، ولا في الدفاع عن مركز حضاري بديل، وإنما في نقد المنطق الذي يحول الحضارة إلى أداة للتفوق، والثقافة إلى وسيلة للهيمنة، والمعرفة إلى امتياز محتكر، والثروة إلى وسيلة لإعادة إنتاج الاستغلال.

إن أخطر ما في التمركز الذاتي ليس أنه يجعل الذات مركزاً للعالم فحسب، بل أنه يسلب الآخرين حقهم في أن يكونوا مراكز فاعلة في تاريخهم ومستقبلهم.

ولذلك فإن تحرير مفهوم الحضارة من منطق الهيمنة يقتضي تحرير المعرفة من الاحتكار، والتنمية من التبعية، والعلاقات الدولية من التراتبية والإقصاء.

إننا لا نبحث عن عالم ينتقل فيه احتكار الحضارة من مركز إلى مركز آخر، وإنما عن عالم تنتهي فيه فكرة احتكار الحضارة ذاتها.

عالم لا تكون فيه قوة أي شعب مبرراً للسيطرة على شعب آخر، ولا تكون فيه الثروة معياراً للتفوق الإنساني، ولا تكون فيه الاختلافات الحضارية سبباً للصراع والإقصاء.

فالحضارة ليست ملكاً لمن يمتلك القوة، وإنما هي رصيد إنساني مشترك، ومستقبل الإنسانية لا يمكن أن يصنعه مركز واحد، بل تصنعه الشعوب مجتمعة، في فضاء من التعدد والاحترام والتعاون والعدالة والسلم العالمي.

شكراً لكم

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق