“فايننشال تايمز”: حلفاء واشنطن يسعون لتقليص اعتمادهم على الولايات المتحدة في عهد ترامب

قسم البحوث والدراسات الاستراتجية 24-06-2026
نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” الثلاثاء، مقالا للكاتب المحلل البريطاني جدعون رخمان، تناول فيه تنامي توجه حلفاء الولايات المتحدة نحو تعزيز استقلالهم عنها، رغم استمرار علاقاتهم التاريخية الوثيقة معها، وبينما تستعد الولايات المتحدة للاحتفال الشهر المقبل بالذكرى الـ250 لإعلان الاستقلال، فإن العديد من أصدقائها وشركائها يعملون، بعيدا عن الأضواء، على تقليل اعتمادهم على واشنطن.
وأوضح رخمان أن شركاء الولايات المتحدة التقليديين باتوا يدركون أن العلاقات التاريخية مع واشنطن لا توفر بالضرورة الحماية من أساليب الضغط وممارسات القوة التي تنتهجها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وفي هذا السياق، عبرت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، عن وجهة نظر يتبناها كثيرون عندما اشتكت من أن الرئيس الأمريكي غالبا ما يعامل الحلفاء الديمقراطيين بصورة أسوأ من تلك التي يعامل بها منافسيه من أصحاب الأنظمة الاستبدادية.
ومع تصاعد هذا المناخ السياسي الجديد، أصبحت العلاقات الوثيقة مع الولايات المتحدة، التي كانت تُعد في السابق مصدر قوة، تبدو لدى البعض كنقطة ضعف محتملة. ويشير الكاتب إلى أن أحد أبرز المؤشرات على ذلك كان قرار ترامب العام الماضي فرض تعريفات جمركية مرتفعة على الحلفاء والخصوم على حد سواء.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ أعادت الإدارة الأمريكية، إثارة القلق هذا الشهر من خلال قرارها تقييد وصول جميع الرعايا الأجانب إلى نماذج الذكاء الاصطناعي المتطورة التابعة لشركة “أنثروبيك” وهما “ميثوس 5″ و”فيبل 5”.
ورغم احتمال تراجع إدارة ترامب عن هذه السياسة لاحقا، فإن الرسالة وصلت بوضوح إلى كثير من الدول. ويرى رخمان أن ما وصفه بـ”لحظة ميثوس” عزز المخاوف التي عبّر عنها آرثر مينش، الرئيس التنفيذي لشركة “ميسترال” الفرنسية، أبرز شركة ناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي بأوروبا.
وخلال حديثه أمام لجنة من الخبراء في وقت سابق من العام الجاري، حذر مينش من أن تزايد أهمية الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد العالمي يجعل الاعتماد على التكنولوجيا الأمريكية مصدر خطر، قائلاً إن “الخطر الأكبر بالنسبة لأوروبا يتمثل في أن تعتمد صناعتها بالكامل على تقنية يمكن إيقافها إذا قررت الولايات المتحدة ذلك”.
تقليل الاعتماد على واشنطن
وفي ضوء هذه المخاوف، بدأت الحكومات الأوروبية تتحدث بصورة متزايدة عن ضرورة تحقيق “سيادة الذكاء الاصطناعي”، بما يحد من اعتمادها على الشركات والنماذج الأمريكية، وهو توجه قد تستفيد منه شركة “ميسترال” نفسها.
ويؤكد رخمان أن القلق من إمكانية استخدام الولايات المتحدة لما يشبه “مفاتيح التبديل” لا يقتصر على قطاع الذكاء الاصطناعي فقط، فتهديدات ترامب السابقة بضم غرينلاند أعادت إلى الأذهان حجم اعتماد الأوروبيين على الأسلحة الأمريكية، وهو ما أثار مخاوف لدى شركات الدفاع الأمريكية الكبرى من خسارة مبيعاتها نتيجة لذلك.
ويرى الكاتب أن هذه الإشكالية تمتد إلى مناطق أخرى من العالم، ففي الهند، أثارت الرسوم الجمركية الأمريكية وتقارب ترامب مع باكستان استياءً واسعاً في نيودلهي، كما نشرت مؤسسة “أوبزرفر” للأبحاث، التي تعكس في كثير من الأحيان توجهات التفكير الحكومي الهندي، دراسة أكدت أن “عامل ترامب” كان مؤثراً بشكل كبير في قرار الهند شراء طائرات مقاتلة فرنسية.
أما كندا، فيصفها رخمان بأنها الدولة التي تعاملت مع مسألة تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة والصين بصورة أكثر منهجية، خاصة في ظل تكرار تصريحات ترامب التي اقترح فيها أن تصبح كندا الولاية الأمريكية الحادية والخمسين، إذ أعدت الحكومة الكندية دراسات خاصة حددت من خلالها تسعة قطاعات اقتصادية تعتبرها حيوية للسيادة الوطنية، من بينها الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والطاقة وأنظمة المدفوعات والتسوية.
هل يمكن الاستقلال عن أمريكا والصين؟
ويتساءل رخمان عما إذا كان تحقيق هذا الهدف ممكنا فعلا، مشيرا إلى أن نحو 70 بالمئة من التجارة الكندية لا تزال تعتمد على الولايات المتحدة، بالإضافة إلى أن شركة “ميسترال” الأوروبية لا تزال صغيرة مقارنة بمنافسيها الأمريكيين في قطاع الذكاء الاصطناعي، في حين يواجه العالم الغربي بأكمله، بما في ذلك الولايات المتحدة نفسها، واقع الاعتماد الكبير على المعادن الحيوية القادمة من الصين.
ويعتبر الكاتب أن هذه التبعيات عميقة الجذور ولا يمكن التخلص منها بشكل كامل، لكنه يرى أن بالإمكان الحد منها وتقليص آثارها.
وفي هذا السياق، يشير رخمان إلى أن بعض الدول الآسيوية تنظر إلى اتفاقية التجارة الحرة الشاملة والتقدمية للشراكة عبر المحيط الهادئ باعتبارها نموذجا يمكن البناء عليه، إذ تضم الاتفاقية حاليا 12 دولة، من بينها اليابان وكندا وتشيلي وأستراليا وبريطانيا وسنغافورة.
كما بدأ الاتحاد الأوروبي والاتفاقية بالفعل مناقشات بشأن إبرام صفقة بين الكتلتين يمكن أن تسهم في خفض الرسوم الجمركية بشكل واسع.
ويضيف أن هناك نقاشا جديا داخل الهند حول إمكانية الانضمام إلى هذه الاتفاقية مستقبلاً.
ويرى أن اتفاقاً تجارياً يجمع قوى متوسطة مثل الاتحاد الأوروبي والهند واليابان وبريطانيا، مع استبعاد الولايات المتحدة والصين، قد يمتلك بعض التأثير، إلا أن تحقيق سيادة اقتصادية كاملة بعيدا عن أكبر اقتصادين في العالم، وهما الولايات المتحدة والصين، لا يزال هدفاً بعيد المنال.
بدائل لمواجهة الاعتماد المفرط
ومع ذلك، يعتقد رخمان أن هناك مقاربة أخرى للتعامل مع مشكلة الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة أو على حسن نية أي إدارة أمريكية مقبلة، مشيرا إلى أن الحل لا يكمن في السعي إلى الاستقلال الكامل عن التكنولوجيا أو الموارد الأمريكية، لأن مثل هذا التوجه سيكون مكلفاً وغير فعال، بل وربما غير واقعي.
وبدلاً من ذلك، يقترح اعتماد استراتيجية مشابهة لتلك التي انتهجتها الصين، تقوم على امتلاك أدوات ضغط اقتصادية خاصة يمكن استخدامها عند الحاجة، مستشهدا بما فعلته حكومة الرئيس الصيني شي جين بينغ عندما ردت على الرسوم الجمركية الأمريكية المرتفعة بفرض قيود صارمة على تصدير المعادن الحيوية، وهي خطوة كانت فعالة وأجبرت الولايات المتحدة على خفض رسومها الجمركية.
ويلفت رخمان إلى أن القوى العالمية الأخرى مطالبة بالبحث عن أدواتها الاقتصادية الخاصة تحسباً لأي مواجهة مستقبلية.
فبالنسبة للهند، قد يتمثل ذلك في موقعها المحوري كمنتج للأدوية الجينية، أما كندا، فقد تمتلك ورقة قوة تتمثل في البوتاس، الذي يعد مكوناً أساسياً للأسمدة التي تعتمد عليها المزارع الأمريكية.
وفي المقابل، يمكن لأوروبا الاستفادة من التقنيات المتقدمة التي توفرها شركة “إي إس إم إل” الهولندية، أو من دورها كمصدر لليورانيوم والتوربينات.
ويرى رخمان أنه من المؤسف أن تجد الديمقراطيات نفسها مضطرة للاستعداد لاحتمال خوض حرب اقتصادية فيما بينها، لكنه يعتبر أن هذا الواقع هو نتيجة مباشرة للعالم الذي صنعه ترامب.



