بحوث ودراسات

صراع الدبيبة وباشاغا واحتمالات العودة إلى الصفر

اعداد عادل الحبلاني : باحث بقسم البحوث والدراسات السياسية والعلاقات الدولية

مراجعة الدكتورة بدرة قعلول رئيسة المركز الدولي للدراسات الاستراتجية الأمنية والعسكرية

يعيش الشعب والمجتمع السياسي الليبي حالة من الريبة في ظل غياب شبه تام لخارطة طريق سياسية واتفاق واضح تتكاتف على قاعدته الجهود للخروج بالدولة من حالة التخبط التي تعيشها منذ 2011 إلى حالة من الاستقرار التي تنهي الحرب التي دارت بين أبناء الشعب الواحد.

فصراع الشرعيات وتعدد أقطاب السلطة التنفيذية في ليبيا اليوم بين عبد الحميد الدبيبة من جهة وباشاغا من جهة ثانية وحفتر الذي اختار الحلول العسكرية منذ بداية الأزمة في ليبيا، بالإضافة إلى تدخل القوى الإقليمية سياسا وعسكريا واصطفافها كل وفق مصالحه في ما يتعلق بتحصيل النصيب الأكبر من ثروات النفط والغاز الليبي، ينذر ببداية حرب طاحنة ودق ساعة الصفر سيما في ظل تشبث الأطراف السياسية بشرعيات متعارضة وليس فيها من التقارب ما يدعو إلى تغليب منطق الحوار.

الأزمة السياسية في ليبيا و صراع الشرعيات

يعاني المشهد الليبي حالة من الانقسام السياسي متشابك الأطراف سيما في ظل غياب الوحدة ومنطق الحوار الذي قد يخرج الأطراف المتصارعة من حالة الإحتراب إلى حالة التكاتف والتعاون التي تخدم الشعب والدولة الليبية، فأزمة الشرعية التي تلقي بظلالها اليوم على الشأن السياسي الداخلي الليبي والمتمثلة في وجود شرعيتين متعارضتين، شرعية الحكومة الانتقالية المؤقتة المتمخضة عن ملتقى الحوار السياسي الليبي في مدينة جينيف تحت رعاية الأمم المتحدة والتي يترأسها الآن عبد الحميد الدبيبة، في مقابل شرعية حكومة باشاغا التي حظيت بثقة 92 صوتا من أصل 101 صوت عقب اجتماع مجلس النواب الليبي المنعقد في طبرق بتاريخ 10فيفري 2022، شرعيتان متعارضتان أفرزتا سلطتان تنفيذيتان وانقسامات جذرية زادت من تعميق الأزمة سيما في ظل تعنت الدبيبة المنتهية ولايته تسليم السلطة الأمر الذي أجج من حدة التوترات وزاد في التحشيد “المليشياوي” من داخل العاصمة طرابلس حفاظا على الشرعية الدولية ومن خارجها لرأب الصدع وتحقيق الوحدة الوطنية والأمنية والعسكرية والمالية التي تسعى حكومة فتحي باشاغا إلى تحقيقها والتي وجدت صعوبة كبيرة منذ أكثر من شهر في دخول العاصمة طرابلس، ويعود ذلك إلى نهج حكومة باشاغا الحلول السياسية والسلمية على الرغم من الدعم الذي تلقاه من جهة حفتر وترحيب روسيا ومصر به، إضافة إلى الدعم الشعبي والبرلماني، في حين نهجت حكومة الدبيبة نهج تدويل الأزمة سيما بعد التصويت لصالح قرار تعليق عضوية روسيا في مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، بما يعني ويفيد بأن هذا الاصطفاف إلى جانب المواقف الغربية تجاه روسيا هو محاولة لاستمالة الموقف الأوروبي والأمريكي والبحث عن شرعية مدعومة عسكريا إن لزم الأمر وفي صورة ما إذا وصلت الأمور إلى التصعيد العسكري بينه وبين باشاغا.

يبدو أن هذه الانقسامات الداخلية والصراع الديبلوماسي الذي أخذ منحا خارجيا ومحاولات خنق روسيا سياسيا وإقتصاديا في أوكرانيا وتصويت الدبيبة لصالح قرار مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بما يجعل ليبيا هي الدولة العربية الوحيدة التي صوتت لصالح هذا القرار ستكون نتائجه بالضرورة عكسية على شأن الدولة الليبية خاصة وأن الهدف من مشروع قرار الغرب وأمريكا هو التضييق على روسيا وقوات الفاغنر في ليبيا.

قرار فاقم من أزمة الشرعية وقوبل بغضب شعبي ليبي سيما وأن حكومة الدبيبة لم تراعي قط المصلحة الوطنية الليبية والارتباطات السياسية والمالية مع روسيا، ناهيك عن حجم الواردات التي تأتي بها ليبيا من روسيا على غرار القمح وقطع الغيار والحجم الهائل للاتفاقيات التجارية والطاقية وإلزاميتاها القانونية، هذا الموقف “المخجل” على حد عبارة مندوب ليبيا السابق بالأمم المتحدة إبراهيم الدباشي  الذي تقدمت به حكومة الدبيبة لاقى موجة من ردود الفعل التي طالبت باشاغا بتدارك الأمر وإعلان أن موقف حكومة طرابلس لا يمثل الدولة الليبية التي تلتزم الحياد في المعركة الدائرة بين المعسكر الغربي وروسيا.

أزمة شرعية تخللتها مواقف داخلية وخارجية متعارضة ومتباينة بالإضافة إلى أزمة اقتصادية خانقة، حولت اقتصاد الوفرة الليبي إلى اقتصاد خانق ألقى بظلاله على القوت اليومي للمواطن…

الأزمة الاقتصادية والمالية في ليبيا

تمكنت عشرة سنوات من الحرب واستباحة سيادة الدولة الليبية وتحويلها إلى منطقة صراع بين لاعبين دوليين، وتفشي المليشيات الإرهابية وتدمير البنية التحتية والمنشأة النفطية إلى جانب الانقسامات السياسية وصراعات النفوذ، ناهيك عن حجم الدمار الذي ألحقه حلف شمال الأطلسي إبان غزوه للدولة الليبية في 2011 وإنهاء حكم معمر القذافي، من تدمير الاقتصاد الليبي القائم أساسا على النفط (محور الصراع وبيت الرحى ) والذي يوفر 95 بالمئة من إيرادات ميزانية الدولة الليبية، فبين إغلاق المنشأة وتدميرها وإيقاف التصدير من موانئ رئيسية في منطقة الهلال النفطي شرقي البلاد، تراجع إنتاج النفط إلى أدنى مستوياته بمعدل 100 ألف برميل بعد أن كان 1,2 مليون برميل يوميا، الأمر الذي خلق عجز مالي في نسبة إنفاقات الدولة مقارنة بإيراداتها من النفط والغاز، فالدولة الليبية التي تعتبر من أكبر المنتجين للنفط في العالم يعاني مواطنوها اليوم الفقر والفاقة والبطالة وعدم توفر الحاجات والمواد الأساسية وغلائها وشحها، بالإضافة إلى غياب الخدمات الصحية ووصول شبكات الإنارة إلى مرحلة الانهيار، علاوة على صعوبة المعاملات المالية وغياب السيولة في ظل انقسام المصرف المركزي للدولة الليبية بين شرق وغرب.

تنذر هذه المؤشرات والعوامل من جهة بانهيار الاقتصاد الليبي وبتفاقم الأزمة الاجتماعية وخلق حالة من الاحتقان بين المواطنين المهددين في قوتهم وفي الشروط الأساسية لوجودهم، وتوحي من جهة ثانية بانطلاق ساعة الصفر ونشوب حرب أهلية على غرار ما وقع في 2011 و2019 سيما وأن بوادر الانفراج السياسي الذي يصاحبه الانفراج الاقتصادي لا تلوح إلى اليوم في أفق المشهد السياسي الليبي لا داخليا ولا خارجيا بالرغم من التمويه الذي يصطنعه مجموعة من السياسيين والشخصيات البارزة كالدبيبة.

هل من حتمية للصراع العسكري في ليبيا

يبدو أن الصراع السياسي وانسداد أفق حلوله الداخلية في ليبيا خاصة في ظل صراع الشرعيات وانقسام السلطة التنفيذية والمالية في ليبيا، بالإضافة إلى مؤيد ورافض لمخرجات برلمان طبرق القاضي بسحب بساط الحكم من تحت أقدام الدبيبة، وتتالي بيانات أكثر من 65 كتيبة وتشكيلا مسلحا في مصراته رفضها لما تمخض عن برلمان طبرق، في مقابل 118 كتيبة مسلحة داعمة له، ناهيك عن تصريحات الدبيبة النابية التي جائت في خطابه المتلفز وإشارته مباشرة إلى حفتر بقوله “ما أسموه حكومة لن تعمل يوما في الواقع ولن يكون لها مكان (…) إن من نشأ في الحرب لا يمكن إلا أن يعيش فيها ولا يعرف إلا لغة البارود والنار، وللأسف لا توقفه إلا الهزيمة العسكرية”.

هذه التصريحات تصب في خانة التحشيد العسكري والمواجهة العسكرية لحسم الصراع السياسي، ويبدو أيضا أن ليس هنالك حلول خارجية في ظل أزمة إقليمية طاحنة بين الشرق والغرب على خلفية الأزمة الأوكرانية، فالفوضى السياسية في ليبيا واشتداد الأزمة وإن سيحسم داخليا بشكل عنيف فسيكون حسمه خارجيا على الأراضي الليبية أكثر عنفا وفتكا بالدولة الليبية.       

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق