الصين وعُمان: تحرك دبلوماسي لتعزيز العلاقات الثنائية وإرساء مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية

قسم الاخبار الدولية 2026/11/02
في خطوة تعكس تنامي الحضور الدبلوماسي والاقتصادي الصيني في منطقة الخليج، تشهد العلاقات بين سلطنة عُمان وجمهورية الصين الشعبية حراكاً سياسياً واقتصادياً متسارعاً، تُوّج بزيارة دولة أجراها السلطان هيثم بن طارق إلى بكين يومي 1 و2 نوفمبر 2026، بدعوة من الرئيس الصيني شي جين بينغ. وتكتسب الزيارة أهمية خاصة باعتبارها الأولى لسلطان عُماني إلى الصين منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عام 1978، كما تأتي في سياق إقليمي يتسم بتعقّد الملفات الأمنية والاقتصادية وتزايد أهمية الشراكات الدولية.
زيارة دولة واتفاقيات متعددة الأبعاد
شكّلت المباحثات التي جمعت السلطان هيثم بن طارق والرئيس شي جين بينغ في قاعة الشعب الكبرى ببكين محوراً رئيسياً لهذا الحراك، إذ تناولت سبل تطوير العلاقات الثنائية وتوسيع مجالات التعاون، خصوصاً في التكنولوجيا والابتكار والذكاء الاصطناعي والطاقة والطاقة المتجددة والصناعات التحويلية والخدمات اللوجستية والتجارة الرقمية والأمن الغذائي. كما بحث الجانبان تعزيز التكامل بين المناطق الاقتصادية والموانئ، بما يدعم موقع عُمان بوصفها مركزاً تجارياً ولوجستياً يربط الأسواق الآسيوية بمنطقة الخليج والشرق الأوسط.
وفي مؤشر عملي على مخرجات الزيارة، شهد الزعيمان توقيع اتفاقية واحدة و14 مذكرة تفاهم وبروتوكول تعاون. وشملت الاتفاقية ترتيبات لمبادلة العملات المحلية بين البنك المركزي العُماني وبنك الشعب الصيني، فيما تناولت مذكرات التفاهم التعاون في الاستثمار الأخضر، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والعلوم والتكنولوجيا، والاستخدامات السلمية للفضاء، وأنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية، والعملات الرقمية للبنوك المركزية، وسلاسل الإمداد والصناعة، إلى جانب مجالات الإعلام والتبادل المعلوماتي وحماية المنافسة وإدارة المحميات الطبيعية والأرشيف التاريخي. كما شمل بروتوكول التعاون متطلبات التفتيش والحجر الصحي والصحة النباتية الخاصة بتصدير التمور العُمانية إلى الصين.
المصالح الاقتصادية في صلب التقارب
لا ينفصل هذا التحرك الدبلوماسي عن الثقل الاقتصادي الذي تمثله الصين بالنسبة إلى سلطنة عُمان. فقد أظهرت البيانات التي أعلنتها وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار العُمانية أن حجم التبادل التجاري بين البلدين بلغ نحو 9.6 مليارات ريال عُماني خلال عام 2025، مع صادرات عُمانية إلى السوق الصينية قاربت 7.7 مليارات ريال، مقابل واردات بنحو 1.9 مليار ريال. وبذلك حافظت الصين على موقعها بوصفها الشريك التجاري الأول لعُمان، مستحوذة على نحو 23.8% من إجمالي تجارتها الخارجية.
وتتجاوز أهمية هذه الأرقام حجم المبادلات التجارية المباشرة، إذ تعكس ترابطاً بين احتياجات الصين من الطاقة والمواد الأولية، ومساعي عُمان إلى تنويع اقتصادها وجذب الاستثمارات الأجنبية وتطوير قطاعات صناعية وتقنية ذات قيمة مضافة. كما أشار الجانب العُماني إلى أن الاستثمارات المباشرة للشركات الصينية في السلطنة، بالتعاون مع جهاز الاستثمار العُماني، تجاوزت 33 مليار يوان صيني خلال السنوات الأخيرة، وشملت قطاعات الطاقة والصناعة والبنية التحتية والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا المتقدمة.
وفي هذا السياق، تبرز الاتفاقيات الجديدة باعتبارها محاولة للانتقال بالعلاقات الاقتصادية من إطار التبادل التجاري والاستثمار التقليدي إلى شراكة أوسع تشمل نقل التكنولوجيا، وتطوير سلاسل الإنتاج، وتعزيز التعاون في الطاقة النظيفة والاقتصاد الرقمي. كما قد تتيح اتفاقية مبادلة العملات المحلية آليات إضافية لتسهيل المعاملات المالية والتجارية، وتقليل الاعتماد على العملات الوسيطة في بعض المبادلات، وفقاً لآليات تنفيذ الاتفاق.
عُمان والصين: تقاطع المصالح الاقتصادية والدبلوماسية
يحمل التقارب بين البلدين أبعاداً تتجاوز الاقتصاد، بالنظر إلى الموقع الجغرافي والاستراتيجي لسلطنة عُمان عند مدخل الخليج وبالقرب من مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة والتجارة العالمية. وتمنح هذه المكانة مسقط دوراً مهماً في قضايا أمن الملاحة البحرية والحوار الإقليمي، فيما تنظر بكين إلى استقرار الممرات البحرية باعتباره مصلحة حيوية لاقتصادها وأمن إمداداتها التجارية والطاقية.
وقد برز هذا التقاطع في المواقف المعلنة بشأن التوترات الإقليمية؛ إذ شدد الرئيس الصيني، خلال مباحثاته مع السلطان هيثم، على ضرورة ألا تتحول منطقة الشرق الأوسط والخليج إلى ساحة للتنافس بين القوى الكبرى. كما أشار بيان مشترك نقلته وكالة رويترز إلى أهمية استئناف الملاحة الآمنة في مضيق هرمز، ودعم المسارات السلمية والحوار بين الولايات المتحدة وإيران. ويعكس ذلك تقاطعاً بين اهتمام الصين بخفض التوترات التي تهدد التجارة والطاقة، والدور الدبلوماسي الذي تسعى عُمان إلى مواصلته في تشجيع الحوار والوساطة.
ويمثل هذا الجانب امتداداً لمسار من التنسيق الدبلوماسي، إذ سبق أن استقبلت مسقط في يونيو 2026 المبعوث الصيني الخاص لشؤون الشرق الأوسط تشاي جون، حيث بحث مع المسؤولين العُمانيين العلاقات الثنائية وتطورات المنطقة، وأكد الطرفان أهمية الحوار والجهود السياسية في دعم السلام والاستقرار وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز.
أبعاد إقليمية ودولية أوسع
تأتي الزيارة في مرحلة تسعى فيها الصين إلى توسيع علاقاتها مع دول الخليج، ليس فقط باعتبارها مورّداً أساسياً للطاقة، بل أيضاً شريكاً في مشاريع البنية التحتية والتكنولوجيا والاستثمار. وفي المقابل، تعمل سلطنة عُمان على تنويع شبكة علاقاتها الدولية، والاستفادة من الشراكات الآسيوية في دعم مستهدفات التنويع الاقتصادي، مع الحفاظ على سياستها الخارجية القائمة على الحوار والتوازن وتعدد الشراكات.
ومن هذا المنظور، لا يمكن فصل التقارب العُماني الصيني عن التحولات التي تشهدها البيئة الدولية، حيث تتزايد أهمية الممرات البحرية وسلاسل الإمداد والتنافس على التكنولوجيا والاستثمارات. فبالنسبة إلى بكين، تمثل عُمان شريكاً ذا موقع جغرافي مهم في منطقة حيوية للتجارة العالمية، بينما تتيح العلاقة مع الصين لمسقط فرصاً لتوسيع أسواقها التجارية وجذب الاستثمارات وتعزيز قدراتها الصناعية والتكنولوجية.
ومع ذلك، ستظل القيمة الفعلية لهذه الزيارة مرتبطة بمدى تحويل الاتفاقيات ومذكرات التفاهم إلى مشاريع ملموسة، وبقدرة الطرفين على تجاوز التحديات المرتبطة بتمويل المشاريع ونقل التكنولوجيا وتحقيق التوازن بين المصالح الاقتصادية والاعتبارات الجيوسياسية. فتوقيع الاتفاقيات يمثل بداية لمسار تعاون، وليس دليلاً بحد ذاته على اكتمال أهدافه.
نحو مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية
تؤشر زيارة السلطان هيثم بن طارق إلى بكين، وما رافقها من اتفاقيات ومباحثات سياسية واقتصادية، إلى رغبة مشتركة في الارتقاء بالعلاقات العُمانية الصينية إلى مستوى أكثر شمولاً. فمنذ إقامة العلاقات الدبلوماسية عام 1978، وصولاً إلى إعلان الشراكة الاستراتيجية عام 2018، تطورت الروابط بين البلدين تدريجياً لتشمل مجالات تتجاوز التعاون التجاري التقليدي.
وبينما تسعى الصين إلى ترسيخ حضورها الاقتصادي والدبلوماسي في الخليج، تعمل عُمان على توظيف موقعها الجغرافي وعلاقاتها الدولية لتعزيز مكانتها الاقتصادية والدبلوماسية. ومن ثم، فإن نتائج هذا التقارب لن تُقاس فقط بحجم الاتفاقيات الموقعة، بل بمدى انعكاسها على التنمية والاستثمار والتبادل التكنولوجي، وبقدرة البلدين على مواصلة التنسيق بشأن القضايا الإقليمية والدولية.
مصادر
- وزارة الخارجية العُمانية – توقيع اتفاقية و14 مذكرة تفاهم وبروتوكول تعاون، 2 نوفمبر 2026
- مباحثات السلطان هيثم والرئيس شي جين بينغ – Times of Oman
- Reuters – Deeper China-Oman ties strategic for both sides, 2 November 2026
- وزارة الخارجية الصينية – زيارة المبعوث الصيني الخاص لشؤون الشرق الأوسط إلى عُمان، يونيو 2026



