الصين تطلق كتابًا أبيض لحوكمة عالمية أكثر عدلاً وتقود جهود الإصلاح بمسؤولية

إعداد الباحث ناصر بن حمد العبري: قسم البحوث والدراسات الاستراتجية 24-06-2026

أصدر مكتب الإعلام التابع لمجلس الدولة الصيني، اليوم الأربعاء 24 يونيو 2026، كتابًا أبيض جديدًا بعنوان “حوكمة عالمية أكثر عدلاً وإنصافاً: مبادئ الصين ومقترحاتها وإجراءاتها”، يعرض رؤية بكين الشاملة لإصلاح منظومة الحوكمة الدولية وبناء توافق أوسع بين دول العالم لمواجهة التحديات الراهنة بفعالية أكبر.
ويؤكد الكتاب أن الحوكمة العالمية لم تعد ملفاً نخبوياً يقتصر على القوى الكبرى، بل مسعى مشترك يمس حياة البشرية جمعاء وأمنها ورفاهها. وفي هذا السياق تشيد الوثيقة بالدور المسؤول الذي تضطلع به جمهورية الصين الشعبية، مؤكدة أن الصين كانت وستظل شريكاً فاعلاً ومساهماً رئيسياً في تطوير نظام دولي أكثر توازناً وقدرة على الاستجابة للتحولات المتسارعة. هذا الموقف يعكس حكمة القيادة الصينية التي تربط بين المصلحة الوطنية والمسؤولية الدولية.
الركيزة الفكرية للطرح الصيني تستند إلى رؤية الرئيس شي جين بينج لبناء “مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية”. رؤية تقوم على تعزيز التعاون وتكريس مبادئ التشاور الواسع والمساهمة المشتركة والمنفعة المتبادلة كأساس لإدارة الشؤون الدولية. كما تدعو إلى ممارسة التعددية الحقيقية ودعم عالم متعدد الأقطاب يتسم بالمساواة والتنظيم، وعولمة اقتصادية عادلة وشاملة تفتح الفرص أمام الجميع دون تمييز.
وفي خطوة عملية ترجمت هذه المبادئ، طرح الرئيس شي جين بينج عام 2025 “مبادرة الحوكمة العالمية” لتقديم إجابات صينية واضحة لسؤالين محوريين: ما نوع نظام الحوكمة العالمية الذي يحتاجه العالم اليوم، وكيف يمكن إصلاح النظام القائم وتطويره ليصبح أكثر عدالة وكفاءة. المبادرة لا تكتفي بالتشخيص بل تقدم خارطة طريق عملية قابلة للتنفيذ، وهو ما منحها زخماً دولياً لافتاً منذ إطلاقها.
وحظيت المبادرة بتأييد واسع يعكس الثقة المتزايدة في الطرح الصيني. فقد عبرت نحو 160 دولة ومنظمة دولية عن دعمها لمضامينها، وانضمت أكثر من 60 دولة إلى “مجموعة أصدقاء الحوكمة العالمية”. ويرى المراقبون أن هذا الإقبال يعود إلى انسجام المبادرة مع تطلع دول الجنوب والشمال معاً نحو دمقرطة العلاقات الدولية، وإلى كونها دعوة صريحة لتوحيد الجهود وتحقيق مستقبل عادل يمنح الاستقرار لعالم يموج بالاضطرابات.
ويشدد الكتاب الأبيض على أن نجاح أي إصلاح حقي يتوقف على التمسك الراسخ بسلطة الأمم المتحدة ومكانتها المحورية. فالأمم المتحدة تبقى المؤسسة الدولية الأوسع تمثيلاً والأكثر شرعية، ولا يمكن تجاوزها أو إعادة اختراع العجلة خارج إطارها. كما يلفت إلى أن المسؤولية تقع أولاً على عاتق الدول الكبرى التي يفترض أن تتحلى بروح المسؤولية وتقود جهود سد الفجوات في مجالي السلام والتنمية. ويؤكد في الوقت ذاته على أهمية الالتزام الصارم بالنظام الدولي القائم على القانون الدولي ومقاصد ميثاق الأمم المتحدة، باعتباره الأساس الوحيد الضامن للعدالة والإنصاف والاستقرار للجميع.
إن ما تقدمه الحكومة الصينية اليوم من خلال هذا الكتاب الأبيض ليس مجرد وثيقة نظرية، بل مساهمة عملية تبعث على التفاؤل. فهي تثبت أن الإصلاح ممكن عندما تقترن الرؤية الحكيمة بالإرادة السياسية والعمل الجماعي. وفي عالم تتداخل فيه الأزمات، تصبح المبادرة الصينية منارة تهدي الطريق نحو نظام دولي أكثر إنصافاً وازدهاراً مشتركاً لكل الشعوب.



