إفريقيا في عين تشرشل.. الجغرافيا التي صنعت أطماع بريطانيا.. كتاب جديد

إعداد توفيق المديني: قسم البحوث والدراسات الاستراتجية 14-07-2026
لقد اهتمت المملكة المتحدة بشكل كبير باستكشاف قارة أفريقيا، وأرادت أن تحصل على موضع قدم لها في هذه القارة فالدواعي كانت جيوسياسية واقتصادية بالدرجة الأولى..
الكتاب: رحلتي الأفريقية
الكاتب: وينستون سبينسرتشرشل-المترجم: حسين حمد حسين الفقيه
الناشر: دار كنعان للدراسات و النشر و الخدمات الإعلامية، دمشق، الطبعة الأولى 2026، (عدد الصفحات 271 من القطع المتوسط)
يكمن السبب الحقيقي في اختياري هذا الكتاب لقراءته ، هو اهتمامي بكل ما يخص تاريخ قارة أفريقيا القديم والحديث والمعاصر، إِذْ تُعَدُّ أفريقيا ثالث أكبر قارة على الكرة الارضية (تبلغ مساحتها مع الجزر التابعة لها (30.3)مليون كيلو متر مربع، ويبلغ عدد سكان أفريقيا ما يقارب 1.2 مليار نسمة، وهذا ما كان في العام 2016 م، يتنوعون في مسكنهم ضمن واحد وستين إقليماً، ويبلغ نسبهم ما يعادل 14.8 % من سكان العالم. وسيتضاعف عدد سكان أفريقيا في غضون عشرين عامًا حيث ستصل نسبة تعدادهم إلى ال 20% من عدد سكان العالم . ويضاف هذا إلى أنَّ القارة السمراء تسجل نسب تزايد تعادل ال 5% منذ عشر سنوات مما يفسر هذا المنعطف على القارة.
ويَحِدُّ قارة أفريقيا من الشمال البحر الأحمر، ويَحِدُّها من الشمال الشرقي البحر الأحمر وقناة السويس، فيما يَحِدُّها من الغرب المحيط الأطلسي، والمحيط الهندي من الجنوب الشرقي وجهة الشرق. وتتمتع هذه القارة العظيمة بمميزات اقتصادية وسياسية، واجتماعية وثقافية، إلخ… ولارتباطها الوثيق بالدول العربية ودول المغرب الإسلامي، وكذلك لإبراز جانب مهم من التاريخ الاستعماري الأوروبي في قارة أفريقيا.
كانت قارة أفريقيا ولعشرِ سنواتٍ تلتْ بعد الحرب العالمية الثانية، ترزح تحت السيطرة الاستعمارية للدول الكولونيالية القديمة،وفي مقدمتها كل من إنكلترا وفرنسا وبلجيكا والبرتغال وإسبانيا، حيث جاء الاستعمار الأمريكي الجديد ليرث تركة الإستعمارين البريطاني و الفرنسي فيما بعد، وليمارس توسعه بنشاطٍ في القارة السمراء.
كانت قارة أفريقيا ولعشرِ سنواتٍ تلتْ بعد الحرب العالمية الثانية، ترزح تحت السيطرة الاستعمارية للدول الكولونيالية القديمة،وفي مقدمتها كل من إنكلترا وفرنسا وبلجيكا والبرتغال وإسبانيا، حيث جاء الاستعمار الأمريكي الجديد ليرث تركة الإستعمارين البريطاني و الفرنسي فيما بعد، وليمارس توسعه بنشاطٍ في القارة السمراء .ورغم أنَّ الانتصار الذي حققه الحلفاء (دول الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا و الاتحاد السوفياتي )على دول المحور ألمانيا النازية، وإيطاليا الفاشية واليابان قد أثار وأيقظ هنا أيضاً، حركات التحرر الوطني في البلدان المستعمرة وشبه المستعمرة الأفريقية، فإنَّ هذه الحركات تطورتْ بصورة أبطأ مما فعلت في القارات الأخرى، بسبب التخلف العام الاقتصادي والسياسي الذي عانت منه الشعوب الأفريقية، وإخماد الدول الكولونيالية الأوروبية لكافة المحاولات التي قامت بها هذه الشعوب لخلع نير الاستعمار عن كاهلها.
قامت الشعوب الأفريقية في أعوام الحرب العالمية الثانية بدورٍ جوهريٍّ في تدمير وهزيمة الدولتين الفاشيتين المانيا وإيطاليا، حيث قاتل قرابة المليوني رجل من الأفريقيين في قوام القوات الإنكليزية والفرنسية والبلجيكية ضد الجيوش الألمانية والإيطالية، كما اشترك حوالي نصف مليون رجل في حركة الانصار. وإضافة إلى ذلك فقد خدم أكثر من مليوني أفريقي في كتائب الخدمة العسكرية التي كانت تقوم بصيانة المطارات، والمرافئ والمستودعات والأهداف العسكرية الأخرى، التابعة لكل من الولايات المتحدة الأمريكية وإنكلترا وفرنسا وبلجيكا على كافة الأراضي الأفريقية. وكذلك فإنَّ مئات الآلاف من الأفريقيين أيضًاعملوا في مناجم ومصادر المواد الأولية الاستراتيجية.
وقد أعطت الدول الكولونيالية الأوروبية في أعوام الحرب العالمية الثانية ـ وتحت تأثير القوى التقدمية والاتحاد السوفياتي ـ وعداً إلى بعض الدول الأفريقية بتحقيق استقلالها فور توقف المدافع عن إطلاق النيران في ساحات القتال. وكان إبقاء الاستعمار القديم على قدمه عسيراً بعد 1945. فمشاركة الأفريقيين في الحرب العالمية الثانية أرست في وجدانهم جواز المساواة. وفي الأثناء نهضت مستعمرات أخرى الى المطالبة بالاستقلال. ولا يخفى أنَّ المستعمرين استعادوا مقالات المستعمِرين في المساواة والهوية. وهذا من مشكلات تصفية الاستعمار. فالأفريقيون أوجبوا .ولكنَّ الحرب العالمية الثانية انتهتْ في عام 1945،وبقيتْ وعود الدول الكولونيالية الأوروبية مجرَّدَ وعودٍ. وفضلاً عن ذلك، فقد انتقلتْ هذه الدول الكولونيالية إلى الهجوم المباشر على حركات التحرر الوطني التي نشطتْ آنذاك، وقمعتْ حتى التظاهرات السلمية بالقوة.
في هذا الكتاب الجديد، الذي يحمل العنوان التالي:”رحلتي الأفريقية” لمؤلفه رئيس الوزراء البريطاني الراحل السير وينستون تشرشل، لا يمكن التعامل معه بوصفه كتابًا فكريًا أو سياسيًا، بل هو كتابٌ دوَّن فيه تشرشل رحلته الطويلة في ممتلكات بريطانيا في شرق أفريقيا، والذي كتبه عندما كان يشغل منصب وكيل وزارة الخارجية لشؤون المستعمرات، والتي أجريت في قارة أفريقيا. وتميزت هذه الرحلة بكونها رحلة صيد ترفيهية، ودراسة اقتصادية مستقبلية للاستيطان البريطاني في القارة، حيث قدم مؤلف كتاب هذه الرحلة، أفكاره التطلعية للاستعمار البريطاني في القارة السمراء. ومن هذا المنطلق؛ لا يمكن أن نعتبر كل الرحلات الأوروبية التي اتجهت إلى دواخل القارة الأفريقية؛ هي مجرد رحلات للمغامرة والصيد أو الترفيه، بل هي ذات طابع أيديولوجي استعماري وديني واقتصادي، فإن الرحلات من المملكة المتحدة باتجاه بلدان أفريقيا لها غايات وأهداف رئيسة تحمل في ظاهرها مقاصد التعرّف على الشعوب الأخرى، وفي باطنها تخدم الإدارات الاستعمارية في دراسة مواطن الضعف في هذه البلدان.
من هو السير وينستون ليونارد سبنسر تشرشل (30 نوفمبر 1874 – 24 يناير 1965م)؟
إنَّه رجل دولة وجندي وكاتب بريطاني. ولد تشرشل في أوكسفوردشاير؛ من أصل إنجليزي وأمريكي مختلط، لعائلة سبنسر الأرستقراطية الثرية.شغل تشرشل منصب رئيس وزراء المملكة المتحدة مرتين من عام 1940م إلى عام 1945م خلال الحرب العالمية الثانية، ومرة أخرى من عام 1951م إلى عام 1955م. وبصرف النظر عن عامين بين عامي 1922 و1924م، كان عضواً في البرلمان (MP) من عام 1900م إلى عام 1964م ومثل إجمالي خمس دوائر انتخابية. من الناحية الأيديولوجية، كان متمسكاً بالليبرالية الاقتصادية والإمبريالية، وكان في معظم حياته المهنية عضواً في حزب المحافظين، الذي قاده من عام 1940 إلى عام 1955م. وكان عضواً في الحزب الليبرالي من عام 1904م إلى عام 1924م.
انضم إلى الجيش البريطاني في عام 1895م وشهد العمل في الهند البريطانية، والحرب المهدية المعروفة أيضا باسم الحرب الأنجلو سودانية)، وحرب البوير الثانية، واكتسب شهرة فيما بعد كمراسل حربي وكتب كتبا عن حملاته. انتخب عضوا في البرلمان عن حزب المحافظين في عام 1900م، ثم انشق وانضم إلى الليبراليين في عام 1904م. بصفته اللورد الأول للأميرالية خلال الحرب العالمية الأولى، أشرف على حملة جاليبولي، ولكن بعد أن ثبت أنها كارثة، تم تخفيض رتبته إلى مستشار دوقية لانكستر. في عام 1917م، عاد إلى الحكومة في عهد ديفيد لويد جورج وخدم كوزير للذخائر، ووزير الدولة للحرب، ووزير الدولة للطيران، ووزير الدولة للمستعمرات، حيث أشرف على المعاهدة الأنجلو إيرلندية والسياسة الخارجية البريطانية في عام 1917م.
بعد خروجه من الحكومة خلال ما يسمى سنوات البرية” في ثلاثينيات القرن العشرين، أخذ تشرشل زمام المبادرة في الدعوة إلى إعادة تسليح بريطانيا لمواجهة التهديد المتزايد للنزعة العسكرية في ألمانيا النازية. عند اندلاع الحرب العالمية الثانية أعيد تعيينه اللورد الأول للأميرالية. وفي مايو 1940م، أصبح رئيساً للوزراء، خلفاً لنيفيل تشامبرلين. شكل تشرشل حكومة وطنية وأشرف على المشاركة البريطانية في جهود الحلفاء الحربية ضد قوى المحور، مما أدى إلى النصر في عام 1945م.
بين فترة ولايته كرئيس للوزراء، كتب عدة كتب تروي تجربته خلال الحرب. حصل على جائزة نوبل للآداب عام 1953م. خسر انتخابات عام 1950م لكنه عاد إلى منصبه عام 1951م. وكانت ولايته الثانية مشغولة بالشؤون الخارجية، وخاصة العلاقات الأنجلو أمريكية والحفاظ على ما تبقى من الإمبراطورية البريطانية مع الهند الآن. لم يعد جزءا منه. وعلى الصعيد المحلي، ركزت حكومته على بناء المنازل واستكملت تطوير سلاح نووي الذي بدأه سلفه. في ظل تدهور صحته، استقال تشرشل من منصب رئيس الوزراء في عام 1955م، وظل عضوا في البرلمان حتى عام 1964م.
كان تشرشل كاتباً غزير الإنتاج، ويضيق المقام هنا بإحصاء جميع مؤلفاته. ونكتفي بتقديم عينة منها، حيث تضمنت نتاجاته رواية (سافرولا Savrola) وسيرتين ذاتيتين ومذكرات وتاريخ ومقالات صحفية. واثنان من أشهر أعماله هما مذكراته المكونة من ستة مجلدات، وكتابه المعنون: “الحرب العالمية الثانية The Second World War”، وكتابه المكون من أربعة مجلدات: “تاريخ الشعوب الناطقة باللغة الإنجليزية A History of the English Speaking Peoples”. وتقديراً لـ “إتقانه للوصف التاريخي والسيرة الذاتية ونتاجه الخطابي، حصل تشرشل على جائزة نوبل في الأدب عام 1953م.
لقد اهتمت المملكة المتحدة بشكل كبير باستكشاف قارة أفريقيا، وأرادت أن تحصل على موضع قدم لها في هذه القارة فالدواعي كانت جيوسياسية واقتصادية بالدرجة الأولى، لأن قارة أفريقيا كانت ولا زالت هي سلة فواكه وخضراوات العالم بل أكثر من ذلك، حيث تحتوي أراضيها الغنية على أغلب الخامات الضررية للصناعة والطاقة، سواء الخامات النباتية أو المعدنية المتمثلة في الذهب وعنصر اليورانيوم وغيره من المعادن الثمينة، والثروة الحيوانية، وغيرها من الخامات التي تمثل الكماليات الرئيسة لأذواق البريطانيين والأوروبيين المتمدنين بالإضافة إلى خصوبة تربتها، وجمال طبيعتها، واعتدال مناخها.استخدم إما ويتستون س. تشرشل” أو “وينستون سبنسر تشرشل” كاسم مستعار له لتجنب الخلط بينه وبين الروائي الأمريكي الذي يحمل نفس الاسم، والذي اتصل به وأجرى معه مراسلات ودية لسنوات عديدة، اعتمد بشكل كبير على مقالاته الصحفية لتهدئة مخاوفه المالية. أصبح تشرشل فناناً هاوياً بارعاً بعد استقالته من الأميرالية في عام 1915م. وغالباً ما يستخدم الاسم المستعار “تشارلز مورين Charles Morin”. أنجز مئات اللوحات العديد منها معروض في الاستوديو في تشارتويل وكذلك في مجموعات خاصة.
كان تشرشل أحد هواة البناء، حيث كان يبني المباني وجدران الحدائق في تشار تويل. انضم إلى الاتحاد المندمج العمال تجارة البناء لكنه طرد بعد أن أحيا عضويته في حزب المحافظين. كما قام بتربية الفراشات. وكان معروفاً بحبه للحيوانات؛ ولديه دائماً العديد من الحيوانات الأليفة، خاصة القطط وأيضا الكلاب والخنازير والحملان والبنتام والماعز وأشبال الثعالب وغيرها.
ما هي أهداف رحلة وينستون تشرشل إلى إفريقيا؟
لقد اهتمت المملكة المتحدة بشكل كبير باستكشاف قارة أفريقيا، وأرادت أن تحصل على موضع قدم لها في هذه القارة فالدواعي كانت جيوسياسية واقتصادية بالدرجة الأولى، لأن قارة أفريقيا كانت ولا زالت هي سلة فواكه وخضراوات العالم بل أكثر من ذلك، حيث تحتوي أراضيها الغنية على أغلب الخامات الضررية للصناعة والطاقة، سواء الخامات النباتية أو المعدنية المتمثلة في الذهب وعنصر اليورانيوم وغيره من المعادن الثمينة، والثروة الحيوانية، وغيرها من الخامات التي تمثل الكماليات الرئيسة لأذواق البريطانيين والأوروبيين المتمدنين بالإضافة إلى خصوبة تربتها، وجمال طبيعتها، واعتدال مناخها.
ونتيجة لذلك قامت أغلب الدول الكبرى، وعلى رأسها بريطانيا بتأسيس الجمعيات العلمية والبحثية، التي أرسلت الرواد والمستكشفين في تلك الرحلات الاستخباراتية الطويلة المدى، لسبر غور المناطق الأفريقية الداخلية، واكتشاف ورصد أهم الطرق التجارية المختلفة برا وبحرا. ومعظم هذه الرحلات تركزت على إجراء دراسات أنثروبولوجية واثنولوجية استعمارية تخدم طموحات وتطلعات المؤسسات العسكرية البريطانية والأوروبية.
في صيف عام 1907م، غادر تشرشل إنجلترا لمدة خمسة أشهر، متجها إلى أفريقيا بعد توقف عمل في جنوب أوروبا للقيام بجولة في مناطق شرق أفريقيا”. استمتع تشرشل بتجربة السفاري، حيث سافر بقطار خاص قدمته شركة سكة حديد أوغندا، وتلقى الثناء من مختلف الزعماء، وقام بصيد جميع أنواع الطرائد بواسطة البنادق. وفي السادس من شهر نوفمبر، كتب تشرشل إلى والدته أنه قام في منطقة سيمبا في اليوم الأول بصيد حمار وحشي، واثنين من حيوانات الكونغوني، وغزال وطائر حبارى عملاق. وفي اليوم الثالث، سوف يصطاد حيوان وحيد القرن – وهو أساس الصورة الموجودة في صدر هذه الطبعة البريطانية الأولى. ولحسن الحظ، هناك تجارب أكثر بعداً وإثارة للاهتمام، يتم سردها في الكتاب، من مجرد كتالوج للحيوانات التي تم صيدها.
ومن عدن ثم إلى مومباسا، سافر تشرشل عبر البلاد. وتضمنت الرحلة توقفا في نيروبي، وبحيرة فيكتوريا، وكمبالا، وشلالات ريبون، وجندوكورو، وبعد رحلة بالقطار والباخرة توقف في الخرطوم، تلاها رجوعه إلى وادي حلفة، وأسوان والقاهرة، ومن ثم إلى الوطن. وقد رتب تشرشل لتحقيق ربح مضاعف من الرحلة، أولاً عن طريق تسلسل المقالات؛ ثم نشر كتاب يعتمد بشكل كبير عليها. وقد نشرت تسع مقالات عن رحلته الأفريقية في مجلة ستراند ابتداءاً من شهر مارس إلى نوفمبر 1908م.
رحلته إلى أوغندا
يصف تشرشل رحلته إلى “مومباسا Mombasa”” في أوغندا، وهي تبرز من البحر وقد كست نفسها بالمظهر واللون عند الاقتراب السريع للسفينة لهو أمر جذاب ولذيذ. يقول تشرشل:”ولكن لكي نقدر كل هذه المفاتن؛ يجب على المسافر أن يأتي من الشمال. يجب عليه أن يرى الحجارة الساخنة في مالطا Malta”، وهي تحترق وتتلألأ على البحر الأبيض المتوسط ذو اللون الأزرق الفولاذي عليه أن يزور جزيرة قبرص Cyprus” قبل أن تنعش أمطار الخريف تربتها، عندما يكون سهل ميساوريا عبارة عن برية واسعة من الغبار، وعندما تكون كل شجرة ـ حتى شجيرة الشوك ـ إرثا، وكل قطرة ماء جوهرة، وعليه أن يمشي لمدة ساعتين في منتصف النهار في شوارع بورسعيد Port Said”. ويجب عليه أن يشق الثلم الأحمر الطويل لقناة السويس، ويتعرق في حوض البحر الأحمر.
وينبغي أن يقضي يوماً بين رماد “عدن Aden”، وأسبوعاً بين الصخور المحروقة وحجارة أرض الصومال “Somaliland” الشمالية؛ وبعد ذلك، بعد خمسة أيام من البحر المفتوح، ستكون عينه وعقله على استعداد لتحية مشاعر البهجة والامتنان لهذه الشواطئ ذات اللون الأخضر النابض بالحياة والحيوية. وعلى كل جانب نباتي رطب مضطرب متنوع، وأشجار كبيرة، مكسوة بالأوراق الكثيفة ومغطاة بالنباتات الزاحفة، تنبثق منها أسرة خضراء، تندفع عبر الشجيرات وأشجار النخيل موصولة ببعضها بواسطة مقطورات مزهرة، مع كل نوع من النباتات الاستوائية التي تعيش على المطر وأشعة الشمس؛ وعشب طويل متموج، وبقع فاقعة من النباتات الجهنمية الأرجوانية، وفي الوسط، تنتشر المنازل ذات الأسطح الحمراء في مدينة وميناء مومباسا، وبالكاد ترفع رؤوسها فوق فيضان الطبيعة الخصب”(ص 27)..
ويسامر اشرشل في وصف رحلته ، بعد أن تبعت السفينة قناة ملتوية بعيداً بين المنحدرات العالية ووجدت مرسى آمناً، غير ساحلي، وعلى عمق أربعين قدماً من الماء على مرمى حجر من الشاطئ. لقد وصلنا هنا إلى بوابة شرق أفريقيا البريطانية؛ وأكثر من ذلك، عند منفذ وتحرير كل تجارة لجميع البلدان التي تحتضن بحيرتي فيكتوريا وألبرت ومنابع النيل. وعلى طول الرصيف الذي يتم بناؤه الآن في كيلينديني، ميناء جزيرة مومباسا، يجب أن يتدفق، على أية حال، السنوات عديدة، التيار الرئيس للتجارة في شرق ووسط أفريقيا. وأيا كان الإنتاج الذي ستستمده الحكومة والشركات المتحضرة من الأراضي الشاسعة الممتدة بين جنوب الحبشة وبحيرة تنجانيقا، وبين بحيرة رودولف وروينزوري، وغربا حتى منابع الكونغو، وشمالاً حتى جيب لادو؛ ومهما كانت احتياجات ومطالب السكان العديدين الموجودين ضمن هذه الحدود، يجب أن تمر حركة المرور بأكملها على طول رصيف كيلينديني المتواضع.
ويتابع تشرشل وصفه لكيلينديني (أو مومباسا، كما يجوز لي أن أسميها) بأنَّها نقطة الانطلاق لواحدة من أكثر خطوط السكك الحديدية رومانسية وروعة في العالم. الخطان الحديديان من السكك الحديدية اللذان ينطلقان بعيداً بين التلال والأشجار المورقة في جزيرة مومباسا لا تنكسر رتابتهما السلسة إلا بعد أن يخترقا الغابات الاستوائية، ويمتدان عبر المروج الهائلة، ويرتفعان تقريباً إلى مستوى خط الثلج الأوروبي، ويتوقفان مؤقتاً -وذلك لفترة وجيزة فقط- على حواف البحيرة العظمى. وهكذا يتم إنشاء طريق مؤكد وسريع يمكن للرجل الأبيض وكل ما يجلبه معه سواء كان جيداً أو سيئاً، أن يخترق قلب أفريقيا بنفس السهولة والأمان التي قد يسافر بها من لندن إلى قينا.
حول جبل كينيا
تقع مدينة نيروبي عاصمة محمية شرق أفريقيا، على قاعدة تلال مشجرة على مسافة ثلاثمائة وسبع وعشرون ميلاً من خط السكة الحديدية. تم اختيارها في الأصل كمكان مناسب لتجميع المستودعات والمحلات التجارية الواسعة اللازمة لبناء وصيانة السكك الحديدية، ولا تتمتع بأي مزايا كموقع سكني الأرض التي بنيت عليها المدينة منخفضة وذات مستنقعات. إمدادات المياه غير متوفرة، والوضع غير صحي بشكل عام. ومع ذلك، على بعد ميل واحد، على الأرض المرتفعة، كان من الممكن العثور على موقع أفضل، وهذا الحي مشغول بالفعل بشكل ضئيل بالمباني الحكومية والمستشفيات والثكنات. لقد فات أوان التغيير، وبالتالي فإن الافتقار إلى البصيرة والرؤية الشاملة يترك بصماته الدائمة على وجه أي بلد جديد.
يقول تشرشل في رحاته إلى كينيا:”يعبر قطارنا سهول آثي، التي ربما تكون أكثر ازدحاماً بالطرائد من أي جزء آخر من الخط، ويقترب بسرعة من الصفوف الطويلة من منازل الصفيح المكونة من طابق واحد والتي تشكل المدينة نيروبي هي بلدة نموذجية في جنوب أفريقيا. ربما كانت بيتر ماريتزبرج أو ليد يسميث قبل عشرين عاماً، قبل أن تنمو وتتكاثر أشجار الصمغ الزرقاء والمباني الحجرية، وربما تكون في مرحلتها الحالية تشبه بولا وايو أكثر من غيرها. السكان أيضاً هم من جنوب أفريقيا في طابعهم ونسبهم. هناك خمسمائة وثمانون من البيض، وثلاثة آلاف ومائة من الهنود وعشرة آلاف وخمسمائة وخمسين من السكان المحليين الأفارقة.
يقول تشرشل:”إن الرجل البنّي هو المنافس، فالأوروبيون لا يملكون الرغبة ولا القدرة على تشكيل طبقة بروليتاريا بيضاء في بلدان مثل شرق أفريقيا، ومن وجهة نظره، يجب أن يكون السود جنوداً خاصين في الجيش، لكن ضباط الصف والقادة يجب أن يكونوا من البيض. ولا ينبغي لنا أن نرفض هذا باعتباره مجرد تأكيد على الغطرسة العنصرية. إنها حقيقة عنيدة. وإنه بالفعل لعيب خطير أن يجد المجتمع نفسه على العمل اليدوي لعرق أدنى والعديد من التعقيدات والمخاطر التي تنشأ عن ذلك.ومع ذلك، فإن المتاجر والحوانيت أكبر بكثير مما تبرره هذه الأرقام، وهي قادرة تماماً على تلبية الاحتياجات المتنوعة للمستوطنين والمزارعين على مساحة واسعة. نيروبي هي أيضا المقر الرئيس للواء من بنادق الملك الأفريقية، والمكتب المركزي والمستودع لسكة حديد أوغندا، ومقر الإدارة مع العديد من الموظفين الرسميين. كان حفل عشاء جمعية المستعمرين، الذي دعيت إليه، بمثابة مشهد مألوف -إن لم يكن مبهراً في وسط أفريقيا- لصفوف طويلة من السادة الذين يرتدون ملابس السهرة؛ بينما كشفت الحفلة الراقصة التي قدمها الحاكم للاحتفال بعيد ميلاد الملك عن مجموعة من الرجال يرتدون الزي الرسمي، وسيدات يرتدين فساتين جميلة، متجمعين في مكان لم يمضي على اصطياد الأسود فيه سوى عشر سنوات دون إزعاج”(ص 48)..
“اللون” هو بالفعل السؤال السائد في نيروبي. “نريد أن نجعل من شرق أفريقيا بلداً للرجل الأبيض”، هكذا صرخت جمعية المستعمرين بصوت حاد في كل مناسبة، حقاً إنها سياسة محترمة ومثيرة للإعجاب. لكن يبدو للوهلة الأولى أنه من الصعب تحقيقها في أرض يوجد فيها حتى الآن أقل من ألفين وخمسمائة من البيض وأكثر من أربعة ملايين من السكان الأصليين السود. هل يمكن لشرق أفريقيا أن تصبح يوماً دولة الرجل الأبيض؟ هل يمكن حتى للمرتفعات، بنسيمها البارد المنعش ومناخها المعتدل الذي لا يتغير، أن تصبح بلداً للرجل الأبيض؟ أبداً، بالتأكيد بمعنى أن كندا، أو في الواقع، المملكة المتحدة، هي دول الرجال البيض ـ أي بلدان يسكنها بالكامل البيض وتعيش على أساس اقتصادي من العمالة البيضاء غير الماهرة.
ومن النادر أن نتصور أن مرتفعات شرق أفريقيا مجردة من سكانها الأصليين ومحتلة من قبل الأوروبيين فقط. مثل هذه الفكرة مستحيلة تماماً. ومهما كانت الزيادة في عدد السكان البيض في المستقبل، فمن الآمن أن نقول لن يكون هناك ما يوازنه سوى تكاثر السكان الأصليين، حيث يتم حمايتهم من المجاعة ومنعهم من الحرب الأهلية. ولكن إذا كان مثل هذا الحل ممكناً، فإنه سيكون تقريباً آخر شيء في العالم يرغب فيه هؤلاء الذين يطالبون ببلد الرجل الأبيض، لاحظ أنه لا يتم تجميع تحيزات ومصالح المستوطن أو التاجر الأبيض ضد السكان الأصليين السود. ومن المسلم به أن الأفريقي مرحب به للبقاء في بلده. ولم تنشأ حتى الآن أي منافسة اقتصادية بينه وبين القادمين الجدد، أو من المحتمل أن تنشأ. إن مجالات نشاطهما متباعدة تماماً، لأن الرجل الأبيض يرفض تماماً القيام يعمل الرجل الأسود؛ ليس بسبب هذا الكدح القاسي ينفي نفسه من أرض ميلاده في حين أن المواطن الأصلي لا يستطيع، في حالته الحالية من التطور، أن يحل محل الرجل الأبيض في الوظائف الماهرة وفي الإشراف على الصناعة وتنظيمها -حتى لو فعل ذلك- فلا شيء أبعد عن طموحاته.
يقول تشرشل:”إن الرجل البنّي هو المنافس، فالأوروبيون لا يملكون الرغبة ولا القدرة على تشكيل طبقة بروليتاريا بيضاء في بلدان مثل شرق أفريقيا، ومن وجهة نظره، يجب أن يكون السود جنوداً خاصين في الجيش، لكن ضباط الصف والقادة يجب أن يكونوا من البيض. ولا ينبغي لنا أن نرفض هذا باعتباره مجرد تأكيد على الغطرسة العنصرية. إنها حقيقة عنيدة. وإنه بالفعل لعيب خطير أن يجد المجتمع نفسه على العمل اليدوي لعرق أدنى والعديد من التعقيدات والمخاطر التي تنشأ عن ذلك.
ولكن ماذا عن الطابق الثاني؟
إذا كان هناك أي نوع من المجتمع الأبيض الذي يعيش معاً عاماً بعد عام ضمن معايير الحياة والراحة التي اعتاد الأوروبيون عالمياً أن يطمحوا إليها، ويحققوها إلى حد كبير، فإن هذه المرحلة المتوسطة في النظام الاقتصادي يجب أن توفر لذلك المجتمع الأبيض وسائل الكسب ـ كرجال محترفين وكمزارعين، وتجار، وتجار، ومزارعين، ومصرفيين، ومشرفين ومقاولين، وبنائين، ومهندسين ومحاسبين، وكتبة ـ للقمة العيش لأنفسهم ولأسرهم. وهنا يضرب الآسيوي في كل وظيفة من هذه الطبقة، فإن قدرته على العيش على بضعة شلنات في الشهر وصناعته، واقتصاده، وقدراته التجارية الحادة تمنحه التفوق الاقتصادي، وإذا كان التفوق الاقتصادي هو القاعدة النهائية ـ كما لم يحدث ولن يكون أبداً في تاريخ العالم ـ فلن تكون هناك وظيفة واحدة لهذه الطبقة الوسطى، والتي لن تتمكن، إلى حد كبير جداً، من تطهير الرجل الأبيض منها، تماماً كما فعل الجرذ البني الذي استأصل الجرذ الأسود من الأراضي البريطانية” (ص 77)..



