ولماذا يرفع الكرملين الصوت ولا يرفع السلاح؟ لماذا لا تتدخل روسيا عسكريًّا لصد العدوان على إيران؟

اعداد سعد خلف: قسم البحوث والدراسات الاستراتجية 05-03-2026
منذ بدء العدوان الإسرائيلي الأمريكي على إيران يتكرر سؤال واحد في النقاشات السياسية والإعلامية في العالم: أين روسيا؟
أليست إيران شريكًا إستراتيجيًّا لموسكو؟
ألم تقدم لها الدعم العسكري في حربها في أوكرانيا؟
وحتى إن لم تكن حليفًا عسكريًّا رسميًّا، أليست هذه فرصة سانحة لروسيا لاستنزاف الولايات المتحدة من خلال دعم طهران، تمامًا كما استنزفت واشنطن -ولا تزال- موسكو خلال أربع سنوات من الحرب الأوكرانية من خلال ضخ الأسلحة والتمويل العسكري لكييف؟
للوهلة الأولى يبدو السؤال منطقيًّا، لكنه يعكس في الوقت نفسه تبسيطًا لطبيعة الحسابات الروسية، قد يكون مرده عدم إلمام تام بالإستراتيجية الروسية المعاصرة تجاه صراعها الرئيس مع الغرب بقيادة الولايات المتحدة، وحدود الأدوات المتاحة تحت يدها.
ما أقصده أن موسكو لا تنظر إلى الحرب على إيران من زاوية تصفية الحسابات مع الولايات المتحدة فقط، ولكنها تتعامل معها برؤية أوسع تتعلق بهذه الإستراتيجية الروسية التي تهدف إلى تغيير توازنات النظام الدولي التي فرضتها واشنطن منفردة على مدار أكثر من ثلاثة عقود، مع الأخذ في الحسبان طبعًا حدود المخاطر الإستراتيجية.
في اليوم الخامس من العدوان، 4 مارس 2026، بدأ الموقف الروسي يتبلور بصورة أكثر وضوحًا من خلال التصريحات الصادرة عن المتحدثة باسم وزارة الخارجية ماريا زاخاروفا خلال الإحاطة الإعلامية الأسبوعية في موسكو.
زاخاروفا لم تحصر تصريحاتها في شكل إدانة سياسية تقليدية؛ بل حملت تصريحاتها محاولة متكاملة للتشكيك في الرواية الأمريكية الإسرائيلية وضربها في أساسها، لتقدم بذلك إعادة تعريف لطبيعة العدوان والحرب نفسها.
المتحدثة باسم الخارجية الروسية قالت بوضوح إن الولايات المتحدة لم تعد تخفي أنها تسعى إلى تغيير النظام في إيران، وهنا تكون المؤسسة الدبلوماسية الروسية مضطرة إلى تحويل الخطاب الروسي الرسمي من توصيف الحرب باعتبارها تصعيدًا عسكريًّا غير مستفز إلى اعتبارها مشروعًا سياسيًّا يهدف إلى إعادة هندسة النظام الإيراني ليصبح نظامًا خاضعًا مطيعًا لإسرائيل، وملبيًا لإملاءات البيت الأبيض في واشنطن وأوامره، مثلما يحدث الآن في فنزويلا بعد اختطاف مادورو وزوجته.
وهنا تؤكد موسكو أن الحديث المتكرر في الغرب عن التهديد الإيراني لم يكن سوى ذريعة لتنفيذ خطة قديمة لإسقاط النظام الدستوري في إيران بالقوة. وبهذا المعنى نستطيع القول إن روسيا تحاول نقل النقاش المثار بشأن أسباب العدوان من إطار “منع انتشار السلاح النووي” الذي تغنى به ترمب ونتنياهو -ولا يزالان- إلى إطار مختلف تمامًا، وهو استخدام القوة العسكرية الغاشمة بكل أنواعها لتحقيق تغيير سياسي داخل دولة ذات سيادة.
وهذا الموقف الروسي لا ينطلق -في رأيي- من الدفاع عن إيران بقدر ما ينطلق من الدفاع عن مبدأ السيادة نفسه؛ ففي حسابات الكرملين، ومنذ ما حدث مع صدام في العراق، وبعده القذافي في ليبيا، وصولًا إلى مادورو في فنزويلا، أنه إذا أصبح تغيير الأنظمة بالقوة أمرًا مقبولًا ومعتادًا في العلاقات الدولية، فإن ذلك يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الفوضى الجيوسياسية تنفرد فيها الولايات المتحدة بقطع رأس من يقول لها لا.
قبل تصريحات زاخاروفا التي تناولتها أعلاه، أصدر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الثلاثاء 3 مارس 2026، جملة من التصريحات اللاذعة، فقد نزع الشرعية عن الذريعة الأمريكية بتأكيد غياب الدليل النووي الذي اتخذه الأمريكيون والإسرائيليون مبررًا لشن العدوان.
لافروف لم يفوت الفرصة واتهم قيادات الوكالة الدولية للطاقة الذرية بأنهم عملاء محترفون لدى الاستخبارات الأمريكية، ومع ذلك لم يستطيعوا حتى الآن تقديم ما يثبت أن طهران أنتجت أو حتى حاولت إنتاج قنبلة نووية. وهذا الاتهام هو جوهر الخطاب الروسي، بمعنى أن هناك تأمرًا إسرائيليًّا أمريكيًّا، بتواطؤ من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فصُنعت الذريعة لتنفيذ العدوان. فموسكو لا تناقش تفاصيل البرنامج النووي الإيراني بقدر ما تضرب في شرعية الحرب نفسها؛ فإذا كانت الحرب مبنية على فرضية غير مثبتة، فإن استخدام القوة يتحول -من وجهة نظر موسكو والكرملين وبوتين- إلى سابقة خطيرة في النظام الدولي. وقد يكون ذلك هو سبب عدم سعي بوتين -على مدار أربع سنوات من الحرب في أوكرانيا- إلى تحييد النظام في أوكرانيا أو تصفيته، مع توافر القدرة لديه على فعل ذلك، حسبما يقول العارفون.
وبعبارة أخرى، نقول إن موسكو تقول إن الحرب على إيران ليست حربًا على برنامج نووي عسكري؛ وإنما حرب استباقية على أساس افتراض سياسي غير مثبت.
لكن لماذا هذا الخوف الروسي من هذه السابقة الدولية؟ الجواب: القلق الروسي لا يتعلق بإيران وحدها: ففي نظر موسكو، ما حدث هو تحول خطير؛ لأن اغتيال قيادات سياسية وعسكرية رسمية لدولة عضو في الأمم المتحدة في وقت تعقد فيه مفاوضات معها، وتحت غطاء ادعاءات غير مثبتة، يخلق سابقة قد تمتد إلى نزاعات أخرى. بمعنى أنه إذا أصبح مجرد الاشتباه كافيًا لإطلاق حرب، فإن كل دولة تمتلك برنامجًا عسكريًّا حساسًا، سواء أكان نوويًّا أم صاروخيًّا، قد تصبح هدفًا مشروعًا. وتساءل آخر: لماذا قامت الدنيا ولم تقعد علينا واتخذت ضدنا عقوبات بعشرات الآلاف على تدخل نحسبه مشروعًا ومبررًا، وله أسبابه التي يقر بها عدد كبير من دول العالم بلا أي ضغط، في حين أننا في حالة إيران أمام عدوان غاشم لا مبرر ولا سبب له، والعالم صامت، ولا أحد يحرك ساكنًا، ولم تُفرض عقوبة واحدة لا اقتصادية ولا حتى رياضية على الولايات المتحدة وإسرائيل المعتديتين.
وهنا نعود إلى سؤال العنوان المشروع: لماذا ترفع موسكو صوت التصعيد خطابيًّا، لكنها لا تتورط عسكريًّا؟
فعلى الرغم من حدة الخطاب الروسي، فإن موسكو لا تزال تحرص في الوقت نفسه على ضبط مستوى انخراطها العملي في هذا الصراع.
المتحدث باسم الكرملين أكد أن روسيا تحافظ على اتصال دائم ومستمر مع إيران، ومع أطراف أخرى متأثرة بهذا التصعيد العسكري الحاد، ووصف ما قامت به إسرائيل والولايات المتحدة بالعدوان المباشر الذي يقود إلى تدهور الوضع في الشرق الأوسط. لكن الكرملين لم يلمح إلى أي تدخل عسكري، أو دعم مباشر لطهران، وهذا بالطبع ليس تراجعًا في الموقف الروسي؛ وإنما هو حسابات واقعية من جانب بوتين.
فالعلاقة الروسية الإيرانية على الرغم من وصفها بالشراكة الإستراتيجية فإنها لا تقوم على معاهدة دفاع مشترك، والأهم -في رأيي- هو أن موسكو والكرملين يدركان جيدًا أن فتح مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة في الخليج سوف يحمل لروسيا أخطارًا إستراتيجية لا ترغب في تحملها.
ومع ذلك تجد موسكو نفسها أمام معادلة صعبة، وهي كيف تضمن منع انهيار إيران دون إنقاذها عسكريًّا؟!
في الواقع، ولكي أكون صريحًا حسب فهمي طبعًا، الهدف الروسي ليس الانتصار الإيراني؛ ولكن منع انهيار الدولة الإيرانية؛ لأن انهيار إيران سيفتح موجة عدم استقرار تمتد إلى مناطق بالغة الحساسية لروسيا، وأقصد في المقام الأول القوقاز وآسيا الوسطى، وربما ينعكس أيضًا على التوازنات التي تحاول ضبطها في سوريا للحفاظ على وجودها العسكري بها.
لكن في الوقت نفسه لا تريد موسكو أن تتحمل كلفة إنقاذ عسكري لإيران، نعم قد تدعم استخباراتيًّا، بمعلومات وإحداثيات وخلافه، لكن ليس دعمًا عسكريًّا مباشرًا ومعلنًا وكبيرًا، على الأقل حتى لحظة كتابة هذا المقال. وهذه المعادلة الدقيقة يمكن تلخيصها في جملة واحدة: منع الانهيار دون الدخول في الحرب.
كما أن هناك بُعدًا آخر لا يجب إغفاله للحرب، وهو البعد الاقتصادي، فلا يمكن تجاهل وجود هذا البعد أيضًا في الحسابات الروسية. وما أرمي إليه، أن تصاعد التوتر في الشرق الأوسط، وخصوصًا مع ما نراه من وقف إنتاج النفط والغاز في منشآت كبيرة ومهمة في السعودية وقطر، فضلًا عن التلويح بإغلاق مضيق هرمز، كلها أمور تؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز، وهو ما يعود بلا شك بفوائد مالية على روسيا، خصوصًا مع استمرار العقوبات الغربية وضغطها على الاقتصاد الروسي، وهنا تبدو بالفعل مقولة “مصائب قوم عند قوم فوائد” حقيقة ماثلة للعيان.
ومع ذلك ينبغي أن نشير إلى أن موسكو تتجنب، بل لا تستطيع أن تعلن هذا العامل بوضوح في خطابها السياسي؛ لأن ذلك بالطبع سيبدو وكأنه استفادة مباشرة من الحرب رغم انتقادها.
إجمالًا، بعد عدة أيام من العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، يمكن القول -من موقع المراقب الجالس على بُعد مئات الأمتار من الكرملين والخارجية الروسية- إن الخطاب الروسي موجه إلى جمهور أوسع من مجرد واشنطن وتل أبيب.
تحاول موسكو مخاطبة أوروبا، ودول الخليج العربي، والدول النامية، برسالة مفادها أن الحرب على إيران تمثل سابقة قد تطول أيا منكم.
إنها محاولة روسية لتوسيع دائرة الشك الدولي في شرعية واشنطن، وشرعية حروبها، وخصوصًا الحرب على إيران.
ومع ذلك، يبقى تأثير هذه الرسالة وتأثير هذا الخطاب محدودًا، فالعالم لا يفهم إلا لغة الفعل، والحروب لا تحسم في المؤتمرات الصحفية، ولا حتى في جلسات مجلس الأمن؛ بل في الميدان، وعلى الأرض، والكرملين “سيد العارفين”؛ ولهذا يدرك بوتين أن قدرته على وقف هذه الحرب مباشرة محدودة، لكنه يسعى إلى هدف آخر.. يسعى إلى منع تحويل هذه الحرب إلى نموذج.. إلى قاعدة جديدة في العلاقات الدولية.



