هل تكون كوبا مخرج حرب إيران؟

إعداد زهراء نعيم: قسم البحوث والدراسات الاستراتيجية 28-05-2026
أميركا تبحث عن مخرج بعد حرب إيران
لم تعد واشنطن تبحث فقط عن كيفية الانتصار في الحروب، بل عن كيفية الهروب من آثارها. فالحرب التي دخلتها إدارة دونالد ترامب ضد إيران على قاعدة “الضربة الحاسمة” تحولت تدريجيًا إلى استنزاف سياسي وعسكري واقتصادي، فيما بدأت صورة الردع الأميركي تتآكل أمام عجز واشنطن عن فرض شروطها على طهران أو إسقاط النظام الإيراني كما رُوّج في بداية المواجهة. ومع انسداد أفق الحسم، يبدو أن البيت الأبيض بات يفتش عن “مخرج سريع” يعيد ترميم صورة القوة الأميركية، سواء عبر دفع الخليج نحو مسار تطبيع واسع مع “إسرائيل”، أو عبر فتح جبهة جديدة أقل كلفة وأكثر قابلية للتسويق داخليًا، مثل كوبا.
هذا التحول لم يعد مجرد تحليل سياسي، بل بات حاضرًا بوضوح في الإعلام الغربي نفسه. فقد نشرت صحيفة “الغارديان” البريطانية مقالًا بعنوان “بعد إذلالها من إيران… أميركا تريد هدفًا سهلًا: أبقوا أعينكم على كوبا”، اعتبرت فيه أن واشنطن، بعد فشلها في تحقيق أهدافها أمام إيران، بدأت تبحث عن ساحة بديلة تستعيد من خلالها هيبتها العسكرية. وأشارت الصحيفة إلى أن إدارة ترامب صعّدت لهجتها تجاه هافانا، عبر اتهام الرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو بقضايا مرتبطة بقتل أميركيين، بالتزامن مع تسريبات استخباراتية تتحدث عن “تهديد كوبي” لقاعدة غوانتانامو باستخدام طائرات مسيّرة، في مشهد وصفته الصحيفة بأنه يشبه الذرائع التي سبقت غزو العراق.
اللافت أن هذا التصعيد تجاه كوبا يأتي مباشرة بعد أشهر من التعثر الأميركي في إيران. فواشنطن التي توقعت أن تؤدي الضربات العسكرية والاغتيالات والحصار إلى إنهاك طهران وإجبارها على تقديم تنازلات كبرى، وجدت نفسها أمام دولة قادرة على امتصاص الضربات، وإعادة ترتيب مؤسساتها، وفرض معادلات ردع جديدة، سواء في الخليج أو في الممرات البحرية أو حتى في الاقتصاد العالمي.
كذلك صحيفة “وول ستريت جورنال” التي تحدثت مؤخرًا عن قلق متزايد داخل البنتاغون من كلفة الحرب الطويلة مع إيران، مشيرة إلى أن العمليات العسكرية بدأت تستنزف الميزانيات المخصصة للتدريب والتسليح. فيما حذرت تقارير أميركية أخرى من تأثير أي تصعيد إضافي على الاقتصاد الأميركي وأسعار الطاقة العالمية. أما شبكة “سي إن إن” فلفتت إلى أن ترامب بات يظهر بصورة الرئيس المتردد العاجز عن إنهاء الحرب أو فرض اتفاق، وأن هذا المشهد ينعكس سلبًا على صورته الدولية، خصوصًا قبل أي مواجهة استراتيجية مع الصين.
في هذا السياق، تبدو كوبا بالنسبة إلى ترامب فرصة “أسهل” لإنتاج مشهد نصر سريع. فهي دولة محاصرة اقتصاديًا منذ عقود، وتعاني من أزمة معيشية خانقة، ولا تمتلك القدرات العسكرية أو الجغرافية التي تملكها إيران. لذلك، يعتقد بعض أركان الإدارة الأميركية أن الضغط على كوبا أو حتى افتعال مواجهة معها قد يسمح بإعادة إنتاج صورة “الرئيس القوي” القادر على إخضاع خصوم واشنطن.
لكن هذا التفكير يكشف في الوقت نفسه حجم المأزق الأميركي. لأن الانتقال من مواجهة إيران إلى البحث عن “هدف أسهل” يعني ضمنيًا الاعتراف بفشل الرهان على الحسم مع طهران. فإيران لم تُهزم، ولم تتفكك، ولم تتراجع عن موقعها الإقليمي، بل نجحت في تحويل الحرب إلى عبء على واشنطن نفسها، وأظهرت أن القوة الأميركية لم تعد قادرة على فرض إرادتها كما في السابق.
ومن هنا أيضًا يمكن فهم اندفاعة ترامب نحو مشروع التطبيع الخليجي. فالإدارة الأميركية تدرك أن أي إنجاز سياسي في المنطقة قد يُستخدم لتغطية الفشل العسكري. لذلك تسعى واشنطن إلى إعادة إحياء مسار التطبيع بين السعودية و”إسرائيل” باعتباره “إنجازًا تاريخيًا” يعيد رسم صورة النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط. لكن المشكلة أن هذا المسار نفسه بات محكومًا بعقبات كبرى، لأن الحرب على إيران كشفت هشاشة المنطقة، وأظهرت أن أي ترتيبات سياسية لا يمكن أن تتجاوز موازين القوى الجديدة التي فرضتها طهران وحلفاؤها.
في النهاية، تبدو أميركا اليوم وكأنها تنتقل من باب إلى آخر بحثًا عن مخرج من حرب لم تستطع حسمها. الأزمة واحدة مع تغير الساحات تتجلى بتراجع القدرة الأميركية على فرض الهيمنة بالقوة. أما إيران، فقد نجحت في تحويل صمودها إلى معادلة استراتيجية جديدة، جعلت واشنطن تبحث لا عن الانتصار، بل عن أي مشهد يمكن تسويقه كأنه انتصار.



