نهاية وهم القواعد وبروز سياسة القوة العارية: الترامبية كنمط حكم عالمي في زمن تفكك السيادة

قسم البحوث والدراسات الاستراتجية والعلاقات الدولية 16-01-2026

نظم المركز الدولي للدراسات الاستراتجية الأمنية والعسكرية بتونس ورشة عمل حول النظام العالمي الجديد ما بعد فينزويلا وكيفية التحصين الداخلي الوطني لدول العالم من العربدة الترامبية وجوقته التي تؤمن بالبقاء للأقوى وتشرعن سياسة الغاب وسرقة مقدرات الدول والإعلام الترامبي عن الاستعمار الجديد الذي نزع قناع “الديمقراطية وحقوق الانسان والشرعية الدولية ليكشر عن انيابه ويعلنها صراحة انه يريد استعمار والتحكم في العالم ويبرز القوة من خلال البطش والهجوم.
وكانت ورشة العمل يوم أمس الإربعاء 14 يناير 2026 بداية من الساعة الثانية بعد الظهر بتوقيت تونس تحت عنوان:
النظام العالمي الجديد ما بعد فنزويلا وحتمية التحصين الوطني
وذلك بحضور ثلة من الباحثين والمختصين السياسيين من أغلب الدول العربية مثل تونس والجزائر والمعرب وموريتانيا والاردن وفلسطين وجمهورية مصر العربية وليبيا والسودان والعراق وكذلك من الولايات المتحدة الامريكية وروسيا الفيدرالية وجمهورية الصين الشعبية.
وقد دام اللقاء عبر تطبيقة الانترنات أكثر من ثلاثة ساعات تناول فيها الخبراء أهم القضايا الدولية الراهنة وخاصة العربدة الترامية في العالم.
كما شارك الدكتور أحمد ميزاب من الجزائر والعضو بالمركز الدولي للدراسات الاستراتجية الأمنية والعسكرية بتونس في ورشة العمل بمداخلة تحت عنوان: نهاية وهم القواعد وبروز سياسة القوة العارية: الترامبية كنمط حكم عالمي في زمن تفكك السيادة.
وهذا النص كاملا:
لم يعد ما نشهده في العلاقات الدولية مجرد أزمة ثقة في المنظومة متعددة الأطراف، ولا اختلالًا عابرًا في ميزان القوة، بل نحن أمام لحظة انكسار تاريخي للنظام الدولي نفسه. ما حدث في فنزويلا لا يمكن قراءته كحادثة سياسية أو أمنية معزولة، بل بوصفه لحظة كاشفة لسقوط ما تبقى من وهم “النظام الدولي القائم على القواعد”.
اختطاف رئيس دولة ذات سيادة، خارج أي تفويض أممي أو مسار قانوني أو حتى غطاء مؤسسي، يعني شيئًا واحدًا فقط: أن النظام الدولي المعياري قد انتهى فعليًا، وأن ما يحكم العالم اليوم هو منطق القوة المطلقة والردع غير المتكافئ.
نحن أمام نظام عالمي جديد لا يقوم على احترام السيادة، ولا على توازن الردع الكلاسيكي، بل على فرض الوقائع أولًا، ثم البحث عن تبرير سياسي أو قانوني لاحقًا. ما جرى في فنزويلا ليس إلا التحصيل المنطقي لمسار بدأ في العراق، وتأكد في ليبيا، وترسخ في سوريا، وانكشف بالكامل في حرب الإبادة في غزة. الفرق الوحيد هو أن الأقنعة سقطت، ولم يعد هناك حتى جهدٌ لإخفاء منطق البلطجة الدولية.
من منظور أمني واستراتيجي، يعيش العالم اليوم انتقالًا بنيويًا من نظام دولي معياري إلى بيئة صراع مفتوح، غير مستقرة القواعد، متحركة الخطوط الحمراء، ومفتوحة على كل أشكال الانزلاق. السيادة لم تعد ضمانة لأي دولة، والتحالفات لم تعد مظلة حماية، والقانون الدولي لم يعد مرجعية حاكمة بل أداة انتقائية تُستخدم ضد الضعفاء وتُعطل عند الأقوياء. في هذا السياق، يصبح السؤال المركزي ليس: من يخرق القانون؟ بل: من يملك القدرة على فرض تفسيره الخاص له؟
هذا الواقع يفرض على الدول سؤالًا وجوديًا مباشرًا: كيف تحمي نفسها في بيئة لا تعترف إلا بالقوة؟ الجواب لم يعد عسكريًا بالمعنى التقليدي، لأن الحروب الحديثة لا تُحسم بالسلاح وحده. الدولة التي لا تملك تماسكًا داخليًا لا يمكنها الصمود خارجيًا، والدولة التي لا تسيطر على قرارها الاقتصادي لا تملك قرارها السيادي، والدولة التي تسمح بتآكل الثقة بين مؤسساتها ومجتمعها تتحول إلى كيان قابل للاختراق دون إطلاق رصاصة واحدة.
نحن اليوم أمام تهديدات هجينة تستهدف بنية الدولة لا حدودها فقط؛ تهديدات اقتصادية، إعلامية، سيبرانية، قانونية، ونفسية، وقد تتحول إلى عسكرية عند الضرورة. في هذا السياق، من يركز على التسلح فقط يخسر المعركة قبل أن تبدأ. التجارب الدولية تؤكد هذه القاعدة بوضوح: روسيا صمدت لأنها أعادت بناء الدولة العميقة واستعادت مركزية القرار، الصين صمدت لأنها ربطت الأمن بالتنمية وحولت الاقتصاد إلى أداة سيادة، وإيران صمدت لأنها استثمرت في الردع المركب بدل الردع التقليدي.
من هنا، يقوم التحصين الوطني الحقيقي على أربعة أعمدة لا يمكن تعويض أحدها بالآخر: شرعية داخلية متماسكة، قدرة اقتصادية مستقلة نسبيًا، ردع متعدد الأبعاد، وعقيدة استراتيجية واضحة. فالدولة التي لا تملك عقيدة استراتيجية تتحول حتمًا إلى دولة ردّ فعل، تُستنزف بدل أن تُبادر، وتُدار بدل أن تُدير.
في هذا الإطار، يصبح الحديث عن “نظام عالمي جديد” دون تفكيك بنيته ضربًا من الوهم. فالتعددية القطبية لا تعني العدالة، بل تعني فقط إعادة توزيع القوة. العدالة في العلاقات الدولية لا تُمنح، بل تُنتزع. وهنا تكمن مسؤولية الدول الصاعدة، ليس فقط في موازنة الهيمنة الأحادية، بل في منع إعادة إنتاجها بصيغ متعددة. استبدال هيمنة واحدة بهيمنات متنافسة لا يصنع نظامًا عالميًا أكثر إنصافًا، بل يوسّع مجال الفوضى ويضاعف بؤر الصراع.
في قلب هذا المشهد، تبرز “الترامبية” كنمط حكم عالمي جديد في إدارة العلاقات الدولية. لم تعد الترامبية مجرد ظاهرة سياسية أمريكية مرتبطة بشخص دونالد ترامب، بل تحولت إلى مفهوم تحليلي يصف سياسة نزعه سيادية عدوانية، ذات طابع ابتزازي، تُمارَس بلا غطاء مؤسسي ولا التزام معياري. هي ليست واقعية تقليدية، ولا ليبرالية، ولا محافظة جديدة، بل سياسة قوة عارية (Power Politics) في أنقى صورها.
الترامبية تقوم على شخصنة القرار، تحقير الحلفاء قبل الخصوم، تسييل القانون الدولي وتحويله إلى أداة ضغط، دمج الاقتصاد بالقوة العسكرية، إدارة العالم بمنطق الصفقة لا التحالف، استعمال الفوضى كأداة ردع، وخلق أزمات متزامنة لإرباك الخصوم ومنعهم من بناء استجابات مستقرة. إنها ليست استراتيجية كبرى متماسكة، بل تكتيك دائم الحركة، يعيش على الصدمة ويُعيد إنتاجها.
من هذا المنظور، لا يمكن حصر فنزويلا كحالة استثنائية. فملفات كندا وغرينلاند، مثلًا، ليست هزلًا سياسيًا، بل اختبارات لردود الفعل، ورسائل تؤكد أن السيادة نفسها أصبحت قابلة للتفاوض. هذا يعكس عودة التفكير الإمبراطوري الصريح داخل المعسكر الغربي، وانتهاء احترام الحدود الرمزية حتى بين الحلفاء.
في أمريكا اللاتينية، نشهد إحياءً لعقيدة مونرو، لكن بصيغة صلبة ومباشرة، بلا أقنعة ولا وسطاء. فنزويلا تمثل النموذج الأوضح: تجفيف اقتصادي ممنهج، شرعنة تدخل خارجي في المسار السياسي، وتحطيم فكرة الاستقلال السياسي في الجوار الحيوي.
الرسالة هنا موجهة إلى كل دول الجنوب: الاستقلال لم يعد محميًا، بل مشروطًا.
أما في حالة إيران، فالترامبية لا تسعى إلى حرب شاملة، بل إلى كسر النظام من الداخل عبر مزيج من الضغط الاقتصادي، الضربات المحدودة، الحرب السيبرانية، العزل الإقليمي، وتحريك التناقضات الداخلية. أي ضربة عسكرية محتملة ستكون رمزية ومضبوطة السقف، لأن الخطر الحقيقي يكمن في خطأ التقدير وسلسلة ردود غير محسوبة قد تفجر الإقليم بأكمله.
في العلاقة مع روسيا والصين، يعتمد ترامب خطابًا مزدوجًا ليس بدافع الارتباك، بل كجزء من توزيع أدوار بين الشخص والمؤسسات. مع روسيا، يستخدم مزيج الإغراء السياسي والتطويق الاستراتيجي، ومع الصين يعتمد العداء البنيوي في الاقتصاد، التكنولوجيا، والسيادة.
في المنظور الترامبي، الصين ليست خصمًا مرحليًا، بل تهديد القرن.
في الخلاصة، نحن لا نعيش أزمة نظام دولي، بل نهايته.
نحن في مرحلة فراغ استراتيجي تُعاد فيها صياغة القواعد بالقوة، لا بالتوافق. الدول التي تفهم هذه المرحلة كمرحلة انتظار ستدفع الثمن، أما الدول التي تتعامل معها كمرحلة إعادة بناء داخلي عميق، فهي وحدها التي ستبقى فاعلة في عالم ما بعد القواعد.



