من نتنياهو إلى المحكمة: ممداني يفتح ملف المساءلة في نيويورك

اعداد الدكتورة بدرة قعلول رئيسة المركز الدزلي للدراسات الاستراتيجية الامنية والعسكرية 22-09-2026
رئيس بلدية نيويورك يصف نتنياهو بـ”مجرم حرب” و”مهندس إبادة جماعية”.. لكن من يملك قرار الاعتقال؟
قبل وصول بنيامين نتنياهو المرتقب إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، عاد ملف مذكرة التوقيف الصادرة بحق رئيس الوزراء الاسرائيلي نتنياهو عن المحكمة الجنائية الدولية إلى الواجهة، وهذه المرة من داخل المدينة التي تستضيف مقر الأمم المتحدة.
في مقابلة مع شبكة CNN، قال رئيس بلدية نيويورك زوهران ممداني إنه يعتبر نتنياهو “مجرم حرب” و”مهندس إبادة جماعية مروعة بحق الشعب الفلسطيني”، مؤكداً أن مذكرة التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية ينبغي احترامها. لكنه أقر في الوقت نفسه بأن سلطات نيويورك لا تملك الصلاحية القانونية المستقلة لتنفيذ المذكرة.
وهنا تكمن أهمية التصريح، فالمسألة لم تعد مجرد خلاف سياسي بين رئيس بلدية ورئيس حكومة، بل أصبحت اختباراً عملياً للفجوة بين القضاء الجنائي الدولي، والقانون الأميركي، والقدرة الفعلية على تنفيذ قرارات المحاكم الدولية.
نتنياهو أمام مذكرة توقيف قائمة
في 21 نوفمبر 2024، أصدرت الدائرة التمهيدية الأولى في المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق نتنياهو، إلى جانب مذكرة بحق وزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت.
وقالت المحكمة إنها وجدت “أسباباً معقولة للاعتقال” بأن الرجلين يتحملان مسؤولية جنائية عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتُكبت، وفق القرار، خلال الفترة الممتدة من 8 أكتوبر 2023 إلى 20 مايو 2024.
وشملت الاتهامات التي أعلنتها المحكمة التجويع كأسلوب من أساليب الحرب، والقتل والاضطهاد وأفعالاً لا إنسانية أخرى باعتبارها جرائم ضد الإنسانية، إضافة إلى المسؤولية كقائد مدني عن جريمة حرب تتمثل في توجيه هجمات بصورة متعمدة ضد السكان المدنيين.
وهذا التفصيل مهم، لأن مذكرة التوقيف ليست مجرد موقف سياسي من الحرب في غزة، وإنما قرار صادر عن هيئة قضائية دولية بعد دراسة طلبات الادعاء والطعون الإسرائيلية المتعلقة بالاختصاص.
لكنها، في الوقت نفسه، ليست حكماً نهائياً بالإدانة فالمحكمة لم تجر بعد محاكمة تنتهي بحكم يثبت بصورة نهائية ارتكاب نتنياهو للجرائم المنسوبة إليه، وهذا الفارق يجب الحفاظ عليه في أي تغطية مهنية.
لماذا أصبح وصف “مجرم حرب” جزءاً من النقاش؟
ممداني لم يطلق وصفه لنتنياهو من فراغ، فهو يستند إلى وجود مذكرة توقيف تتضمن بالفعل اتهامات بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
والأهم أن المحكمة لم تكتفِ بالإشارة العامة إلى سقوط أعداد كبيرة من المدنيين، وإنما حددت أفعالاً بعينها اعتبرت أن هناك أسباباً معقولة للاعتقاد بوقوعها، وربطت نتنياهو وغالانت بالقرارات والسياسات التي تناولها قرار التوقيف.
ومن هنا يمكن فهم العبارة التي استخدمها ممداني: فهو يتعامل مع المذكرة باعتبارها أساساً قانونياً للمساءلة، وليس باعتبارها مجرد بيان سياسي.
أما ما إذا كان نتنياهو سيُدان في نهاية المطاف بالجرائم التي تتهمه بها المحكمة، فذلك شأن قضائي لا يمكن حسمه مسبقاً.
“مهندس إبادة جماعية”
الجزء المتعلق بالإبادة الجماعية يحتاج إلى قدر أكبر من الدقة، فالمحكمة الجنائية الدولية لم تصدر مذكرة توقيف بحق نتنياهو بتهمة الإبادة الجماعية. الجرائم الواردة في مذكرة التوقيف هي جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. لكن هذا لا يعني أن وصف “الإبادة الجماعية” لا يستند إلى مسار دولي موثق.
ففي سبتمبر 2025، خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وإسرائيل إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في قطاع غزة.
وقالت اللجنة إنها وجدت أن أربعة من الأفعال المحددة في اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها قد تحققت، بما في ذلك القتل، وإلحاق أذى جسدي أو نفسي جسيم، وفرض ظروف معيشية محسوبة لإحداث التدمير الجزئي أو الكلي لجماعة محمية، وفرض تدابير تستهدف منع الولادات.
كما خلصت اللجنة إلى أن مسؤولين إسرائيليين، بينهم نتنياهو، ارتبطوا بالتحريض على ارتكاب الإبادة الجماعية.
لذلك فإن عبارة ممداني “مهندس إبادة جماعية” ينبغي فهمها في سياق أوسع من مجرد تصريح سياسي منفصل، مع ضرورة الحفاظ على التمييز بين نتيجة لجنة تحقيق أممية وبين حكم صادر عن محكمة جنائية.
وهذا التمييز لا يخفف من خطورة النتائج التي توصلت إليها اللجنة، لكنه يحافظ على الدقة القانونية.
إسرائيل ترفض اختصاص المحكمة
إسرائيل ترفض اختصاص المحكمة الجنائية الدولية في هذه القضية، وقد قدمت طعوناً تتعلق باختصاصها، وهي طعون رفضتها الدائرة التمهيدية في قرارها الصادر في نوفمبر 2024 وهنا ينبغي الابتعاد عن تقديم الخلاف باعتباره مجرد “روايتين متساويتين”. فمن جهة، توجد إجراءات وقرارات قضائية صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية. ومن جهة أخرى، توجد اعتراضات إسرائيلية وأميركية على اختصاص المحكمة وعلى الطريقة التي تعاملت بها مع القضية.
عرض الموقفين لا يعني أن النتائج القانونية الصادرة عن المحكمة تصبح مجرد “وجهة نظر”؛ بل يعني أن القارئ يعرف أين يقف القانون الدولي وأين يبدأ الخلاف حول اختصاصه وتنفيذه.
نيويورك: المذكرة موجودة، لكن الاعتقال ليس تلقائياً
كان ممداني قد تعهد خلال حملته بالسعي إلى اعتقال نتنياهو إذا وصل إلى نيويورك، وبعد توليه المنصب، بدأت إدارته دراسة الخيارات القانونية المتاحة. لكن النتيجة التي أعلنها لاحقاً كانت واضحة: مدينة نيويورك لا تملك السلطة القانونية المستقلة لتنفيذ مذكرة المحكمة الجنائية الدولية.
وقد قال ممداني نفسه في يوليو إن إدارته راجعت “كل سبيل متاح بموجب القانون”، وانتهت إلى عدم امتلاكها هذه الصلاحية، بينما دعا الحكومة الفدرالية إلى التحرك.
وهذا يعني أن دخول نتنياهو الأراضي الأميركية لا يؤدي تلقائياً إلى قيام شرطة نيويورك باعتقاله، فالمحكمة الجنائية الدولية لا تملك جهاز شرطة خاصاً بها، وتعتمد في تنفيذ أوامرها على تعاون الدول، وفي الحالة الأميركية، تصبح المسألة أكثر تعقيداً بسبب عدم انضمام الولايات المتحدة إلى نظام روما الأساسي وبسبب موقف الحكومة الفدرالية من المحكمة.
أين يقف ممداني الآن؟
المثير في موقف ممداني أن خطابه أصبح أكثر تحديداً مما كان عليه خلال الحملة، فهو لم يتراجع عن توصيفه لنتنياهو، ولم يتخل عن موقفه من مذكرة المحكمة، لكنه تراجع عن الفكرة التي توحي بأن بإمكان رئيس بلدية نيويورك وحده تنفيذها.
في حديثه إلى CNN، قال إن إدارته خلصت إلى عدم امتلاكها السلطة القانونية المستقلة لإنفاذ المذكرة، لكنه دعا الحكومة الفدرالية إلى القيام بذلك. كما أكد أن نتنياهو “ليس مرحباً به” في نيويورك من وجهة نظره. وهذا التحول مهم، لأنه ينقل النقاش من شعار الاعتقال إلى السؤال عن الجهة التي تملك قانوناً سلطة اتخاذ هذا القرار.
نتنياهو في مدينة تستضيف الأمم المتحدة
من المتوقع أن يصل نتنياهو إلى نيويورك الخميس للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأن يلقي خطابه أمام الجمعية العامة، في زيارة جرى تقليص مدتها مقارنة بالخطط السابقة.
وجوده في نيويورك يحمل مفارقة سياسية وقانونية واضحة، ففي المدينة نفسها التي تحتضن مقر الأمم المتحدة، سيصل مسؤول توجد بحقه مذكرة توقيف من المحكمة الجنائية الدولية، بينما الدولة المضيفة للزيارة لا توفر لبلدية المدينة آلية مستقلة لتنفيذ تلك المذكرة وهذا يجعل القضية أكبر من ممداني ونتنياهو معاً، إنها تتعلق بالسؤال القديم والمتجدد حول مدى قدرة النظام الدولي على تطبيق قواعده عندما تصطدم هذه القواعد بمصالح الدول الكبرى وحساباتها السياسية. فالمسألة لا تتعلق بنيويورك وحدها ولو كان الأمر متعلقاً فقط بسلطات شرطة المدينة، لكان الجدل قصيراً.
لكن القضية تكشف مشكلة أوسع في نظام العدالة الجنائية الدولية: المحكمة تستطيع إصدار مذكرة، لكنها لا تستطيع تنفيذها بنفسها، التنفيذ يحتاج إلى دولة أو سلطة وطنية مستعدة للتعاون وهنا تظهر حدود النظام. فالدولة التي يوجد فيها الشخص المطلوب قد تكون عضواً في نظام روما، وقد تكون غير عضو، وقد تتعاون مع المحكمة أو ترفض ذلك. وقد يكون الشخص المطلوب مسؤولاً سياسياً يتمتع بحماية دبلوماسية أو بدعم دولة قوية، وفي حالة نتنياهو، تتداخل هذه العوامل جميعاً تقريباً.
ماذا يعني ذلك سياسياً؟
زيارة نتنياهو إلى نيويورك لن تغير الوضع القانوني لمذكرة التوقيف، المذكرة قائمة، وموقف المحكمة منها معروف، وموقف إسرائيل من اختصاص المحكمة معروف أيضاً. لكن الزيارة تضع هذه التناقضات في مكان واحد وأمام أنظار العالم.
محكمة دولية تقول إن هناك أسباباً معقولة للاعتقال بارتكاب جرائم تدخل في اختصاصها. رئيس بلدية يقول إن المذكرة يجب احترامها، مدينة تقول إن يدها القانونية مقيدة، وحكومة فدرالية تملك أدوات أكبر، لكنها لا تتبنى موقف المحكمة.
الخلاصة:
القضية التي فتحها ممداني في نيويورك ليست، في جوهرها، قضية رئيس بلدية يريد اعتقال رئيس حكومة القضية أعمق من ذلك، فمنذ صدور مذكرة المحكمة الجنائية الدولية بحق نتنياهو، أصبح اسمه مرتبطاً بإجراء قضائي دولي يتضمن اتهامات محددة بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وفي مسار أممي منفصل، خلصت لجنة تحقيق دولية إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في غزة، وربطت نتنياهو ومسؤولين إسرائيليين آخرين بالتحريض عليها. هذه وقائع دولية موثقة، ولا تحتاج إلى تبريرها بتبني الرواية الإسرائيلية أو أي رواية سياسية مقابلة.
وفي الوقت نفسه، فإن الدقة تفرض عدم تحويل مذكرة التوقيف إلى حكم إدانة نهائي، أو تحويل نتائج لجنة التحقيق إلى حكم جنائي صادر عن المحكمة الجنائية الدولية.
المفارقة التي ستظهر في نيويورك هي أن المساءلة الدولية موجودة على الورق وفي قرارات المؤسسات الدولية، لكن تنفيذها يظل رهناً بإرادة الدول وقدرتها واستعدادها للتعاون.
ولهذا فإن السؤال الأهم الذي تطرحه زيارة نتنياهو ليس ما إذا كان ممداني يستطيع اعتقاله؛ فقد أصبحت الإجابة واضحة.
السؤال هو: إلى أي مدى يستطيع النظام الدولي أن يفرض قواعده عندما يصل الأمر إلى مسؤول يتمتع بحماية سياسية من دولة كبرى؟
هذا هو الاختبار الحقيقي الذي ستضعه زيارة نتنياهو أمام نيويورك، وليس فقط أمام ممداني.



