آسياأخبار العالمأمريكاالشرق الأوسطبحوث ودراسات

من اذربيجان إلى الخليج وأوروبا: حدود القدرة الاميركية الاسرائيلية على الحشد ضد إيران

مع دخول العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران مرحلة أكثر تعقيداً، يبدو أن الصراع يمتد ليصبح اختباراً لقدرة الولايات المتحدة على بناء تحالفات إقليمية داعمة لعملياتها. فبعد أسابيع من العمليات، ظهرت ملامح معضلة استراتيجية تواجه واشنطن، اذ أن توسّع كلفة الحرب اقتصادياً، قابله محدودية استعداد القوى الإقليمية للانخراط في مواجهة مفتوحة مع طهران. هذا الواقع وضع الحرب في سياق مختلف عن نماذج التدخل العسكري التي قادتها واشنطن في العقود الماضية.

تقدّم الانعكاسات الاقتصادية للحرب مؤشراً واضحاً على حجم الارتدادات العالمية للصراع. إغلاق مضيق هرمز فعلياً، ولو بصورة جزئية، أدّى إلى اضطراب مباشر في أسواق الطاقة العالمية. وهو الممر البحري الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط والغاز والذي تحوّل إلى نقطة ضغط استراتيجية، ما دفع أسعار خام برنت إلى مستويات تجاوزت مئة دولار للبرميل، مع قفزات متسارعة في أسعار الغاز.

تبدو الدول الاوروبية، وبريطانيا تحديداً، من بين أكثر الاقتصادات تأثراً بهذه التطورات. الارتفاع الحاد في أسعار الغاز والوقود أعاد إلى الواجهة أزمة الطاقة التي عاشتها القارة عقب الحرب في أوكرانيا. حيث تعتمد لندن على الغاز لتوليد جزء كبير من الكهرباء ولتدفئة غالبية المنازل، ما يجعل أي ارتفاع في الأسعار ينعكس فوراً على فواتير الطاقة ومستويات التضخم. في الوقت نفسه، دفعت اضطرابات سلاسل التوريد وارتفاع أسعار الأسمدة المرتبطة بإنتاج دول الخليج إلى تعقيد معادلة الأمن الغذائي الأوروبي، وهو تطور يهدد بزيادة أسعار المواد الغذائية في الأسواق الغربية خلال الأشهر المقبلة.

هذه التداعيات الاقتصادية تضع الحكومات الأوروبية أمام معضلة مواجهة رأي عام ساخط وتكاليف اقتصادية متزايدة اذا قررت الدخول في هذه الحرب. في بريطانيا، يظهر هذا التوتر بوضوح في الجدل السياسي حول استخدام القواعد الجوية لدعم العمليات الأميركية. التردد الذي أبدته الحكومة في البداية يعكس إدراكاً لمخاطر التورط المباشر في حرب ذات كلفة استراتيجية واقتصادية مرتفعة.

في المقابل، تواجه واشنطن صعوبة في توسيع دائرة الشركاء الإقليميين. أحد أبرز الأمثلة على ذلك العراق. خلال الأسابيع الماضية، ظهرت مؤشرات إلى رغبة أميركية في استخدام الجغرافيا العراقية كنقطة انطلاق لعمليات برية أو لوجستية. غير أن المواقف الصادرة من قيادات كردية عراقية أظهرت رفضاً واضحاً لفكرة تحويل الإقليم إلى منصة صراع ضد إيران. تصريحات قادة سياسيين في السليمانية وأربيل عبّرت عن خشية من انزلاق العراق إلى مواجهة إقليمية واسعة، وهو سيناريو يحمل مخاطر داخلية كبيرة.

هذا الرفض يعكس أيضاً درساً متكرراً في العلاقات الأميركية مع القوى المحلية في المنطقة. التجارب السابقة، سواء في العراق أو سوريا، تركت أثراً عميقاً في حسابات الفاعلين الإقليميين الذين باتوا أكثر حذراً في الانخراط في مشاريع عسكرية تقودها واشنطن، خاصة عندما تتعلق بمواجهة مباشرة مع إيران.

المشهد ذاته يتكرر بدرجة مختلفة في جنوب القوقاز. التوتر بين إيران وأذربيجان عقب حادثة مطار نخجوان كشف محاولة لإدخال باكو في سياق المواجهة مع طهران. التصعيد الإعلامي والسياسي الذي أعقب الاتهامات الأذربيجانية لإيران ترافق مع تكهنات حول إمكانية تحوّل الأزمة إلى جبهة جديدة في الصراع. غير أن التراجع السريع للتوتر بعد الاتصالات الدبلوماسية بين طهران وباكو أظهر حدود هذا المسار. اذ تدرك أذربيجان أن الانخراط في مواجهة مباشرة مع إيران يحمل مخاطر جيوسياسية تتجاوز قدراتها، خصوصاً في ظل تعقيدات التوازنات الإقليمية في القوقاز.

ويبدو أن إسرائيل تسعى إلى توسيع نطاق الضغوط على إيران عبر خلق بؤر توتر متعددة حولها، من الخليج إلى القوقاز. هذه الاستراتيجية تقوم على دفع أطراف إقليمية إلى موقع المواجهة المباشرة أو غير المباشرة، بما يخفف العبء العسكري والسياسي عن تل أبيب وواشنطن. غير أن نجاح هذا النهج يبقى محدوداً في ظل إدراك العديد من الدول أن الانخراط في الحرب قد يفتح الباب أمام ردود إيرانية يصعب احتواؤها.

إلى جانب البعد العسكري، تكشف الحرب عن شبكة معقدة من الترابطات الاقتصادية العالمية. اضطراب صادرات الأسمدة من الخليج، على سبيل المثال، يحمل آثاراً مباشرة على الإنتاج الزراعي العالمي. دول الخليج وإيران تشكل مركزاً رئيسياً لإنتاج اليوريا والأمونيا، وهما عنصران أساسيان في الزراعة الحديثة. أي تعطيل في هذه الإمدادات ينعكس سريعاً على أسعار الغذاء، ما يضيف طبقة جديدة من الضغوط التضخمية على الاقتصادات الغربية.

كما أن استهداف البنية التحتية للطاقة في منطقة الخليج دفع آلاف العاملين الأجانب إلى مغادرة المنطقة، وهو تطور يخلق تأثيرات متبادلة بين اقتصادات الخليج والدول التي ينتمي إليها هؤلاء العاملون. اضافة إلى أن عودة أعداد كبيرة من المغتربين إلى بلدانهم الأصلية تعني فقدان تحويلات مالية مهمة، مع زيادة الضغط على أسواق العمل والخدمات العامة في تلك الدول.

كل هذه المعطيات تشير إلى أن الحرب على إيران تجاوزت منذ وقت مبكر إطارها العسكري. ما يجري هو صراع متعدد المستويات يتداخل فيه العسكري بالاقتصادي والسياسي. بالنسبة لواشنطن وإسرائيل، يكشف مسار الأحداث حدود القدرة على حشد تحالفات إقليمية واسعة كما حدث في حروب سابقة.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق