مذكرة إسرائيلية: البحر الأحمر نقطة محورية عالمية تتصادم فيها المصالح القوى العالمية والإقليمية

قسم البحوث والدراسات الاستراتجية والعلاقات الدولية 02-01-2026
يمثل البحر الأحمر شريانا مهما للتجارة العالمية والأمن الإقليمي والدولي. لذلك، اهتمت إسرائيل بالبحر الأحمر وباب المندب ومنطقة القرن الأفريقي. وفي هذا الإطار، تأتي هذه المذكرة الموسعة التي نشرها معهد دراسات الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب INSS، في نوفمبر 2025، وعنوانها “إسرائيل في ساحة البحر الأحمر: استراتيجية بحرية محدثة” للباحثين يوفال إيلون ويوئيل جوزانسكي.
عرض موجز للمذكرة
خلال العقد الماضي، أصبحت منطقة البحر الأحمر نقطة محورية للصراعات العالمية والإقليمية. وتواجه إسرائيل حاليًا ضرورة صياغة مفهوم أمني، يدمج في مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي، يأخذ في الحسبان هذه التحولات خصوصًا مع حرب غزة، والحملة العسكرية المستمرة على جبهات متعددة.
وفي الوقت نفسه، تخلق منطقة البحر الأحمر فرصا للتعاون المدني والأمني المعقد. وتقدم هذه التطورات لإسرائيل فرصة كبيرة لاستغلال أصولها الجيواستراتيجية لتعزيز وضعها وتوسيع نفوذها في محيطها.
الحوثيون ودورهم في البحر الأحمر والتأثير الدولي والإقليمي
في مطلع القرن الحادي والعشرين، تحول الحوثيون إلى قوة مقاتلة عقب سلسلة من الانتفاضات ضد الحكومة المركزية في صنعاء، وبين عامي 2004 و2010، وقعت ست جولات بينهم وبين الجيش اليمني، اكتسب خلالها الحوثيون خبرة قتالية، وجندوا مقاتلين، وعززوا سيطرتهم على شمال البلاد.
وتبنوا خطابات مناهضة لأمريكا والسعودية، وبدأت تتلقى دعمًا متزايدًا من إيران وحزب الله. وحدثت نقطة التحول مع اندلاع الربيع العربي في اليمن عام 2011، ودخوله في دوامة من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني، التي استغلها الحوثيون، واستولوا على صنعاء عام 2014 بدعم من قوات موالية للرئيس السابق صالح، خصمهم السابق الذي أصبح حليفًا تكتيكيًا لهم.
وكانت هذه لحظة محورية في تحولهم من قوة تمرد إقليمية إلى جهة شبه حكومية تسيطر فعلياً على نحو ثلث سكان البلاد. وفي مارس 2015 شن تحالف عربي بقيادة السعودية والإمارات “عاصفة الحزم” ثم “استعادة الأمل” ضد الحوثيين بهدف “استعادة الشرعية القانونية” المتمثلة في حكومة هادي. وقد نظرت إليهم السعودية إليهم كتهديد أمني مباشر، ووكيل إيراني على حدودها، وجزء من المحور الشيعي الإقليمي.
ونتيجة لهذه التطورات، انقسم اليمن فعلياً إلى مناطق يسيطر عليها الحوثيون في الشمال والوسط، بما في ذلك العاصمة صنعاء؛ وإلى الجنوب الغربي ومنطقة عدن الذي تتواجد فيه الحكومة المعترف بها، إلى جانب المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات.
وأخيراً، لا تزال القبائل المسلحة تلعب دوراً محورياً في البلاد، وقد فشل التحالف السعودي في تحقيق نتائج استراتيجية، وواصل الحوثيون ترسيخ حكم مستقر نسبيًا في المناطق التي سيطروا عليها.
وزادت إيران من دعمها العسكري، ووسع الحوثيون أنشطتهم العسكرية باتجاه السعودية والإمارات. وفي أبريل 2022، توصل الحوثيون والتحالف العربي بقيادة السعودية إلى وقف لإطلاق النار مازال مستمرا حتى الآن.
ومنذ أكتوبر 2023، واندلاع حرب غزة، شارك الحوثيون فيها كجزء من “محور المقاومة”. ونجحوا في تعطيل النقل البحري، لا سيما عبر البحر الأحمر. وبذلك، تحولت حركتهم إلى قوة إقليمية تهدد التجارة الدولية، وتزعزع الاستقرار الإقليمي، وتمنح إيران نفوذًا استراتيجيًا إضافيًا في قلب العالم العربي.
ومنذ بداية الحرب وحتى مايو 2025، أطلق الحوثيون مئات من أجهزة الهجوم المتطورة على إسرائيل وعلى سفن أجنبية: ما يقرب من 300 طائرة كاميكازي بدون طيار، وأكثر من 150 صاروخ كروز، ونحو 100 صاروخ باليستي، بعضها بعيد المدى، وأكثر من 50 مركبة سطحية غير مأهولة متفجرة استهدفت في المقام الأول السفن المدنية والعسكرية في المجال البحري.
ووفقًا لبيانات التحالف الدولي، فقد تعرض أكثر من 100 سفينة للهجوم منذ بدء موجة عمليات الحوثيين. تضررت خمس سفن على الأقل بشدة: غرقت منها اثنتان، واختُطفت أربع سفن، مما أدى إلى شركات الملاحة اختيار لمسار يتجنب أفريقيا.
في مارس 2025، وفي ضوء استمرار هجمات الحوثيين، شنت الولايات المتحدة حملة عسكرية ضد الحوثيين في اليمن في الفترة من 15 مارس إلى 6 مايو 2025. ونفذت القوات الأمريكية أكثر من ألف غارة جوية وبحرية على أهداف الحوثيين. ونتيجة لفشل العملية، أعلن ترامب في 6 مايو 2025 انتهاء العملية عقب اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه سلطنة عمان. وبموجبه، التزمت حركة الحوثيين بوقف مهاجمة السفن الأمريكية؛ إلا أنها احتفظت بحقها في مواصلة العمليات ضد إسرائيل.
وتمكن الحوثيون من إلحاق أضرار بالسفن، بل وإغراقها، وفي الوقت نفسه، واصلت إسرائيل ضرباتها الموجهة، من الجو والبحر، والتي استهدفت مواقع إطلاق متطورة، ومراكز تكنولوجية، وقواعد تُخزن أو تُركب فيها معدات إيرانية عالية الجودة.
كما استهدفت إسرائيل شخصيات حوثية بارزة، ومراكز اقتصادية، ومستودعات تجارية في البحر الأحمر، وميناء الحديدة. ورغم ذلك، لم تنجح العمليات في وقف نشاط الحوثيين بشكل كامل. فأسلوب عملياتهم المجزأ والمتنقل وغير المتكافئ، إلى جانب مهارات البقاء التي اكتسبوها خلال القتال الطويل في اليمن، مكّنهم من الحفاظ على معدل هجمات مرتفع نسبيًا حتى وهم تحت الضغط العسكري الأمريكي والإسرائيلي.
أما الدول العربية، ولا سيما السعودية والإمارات والأردن ومصر، فقد أعربت عن تحفظات صريحة بشأن الانضمام إلى التحالف الأمريكي في البحر الأحمر، ويعود ذلك إلى مخاوفها من المواجهة المباشرة مع إيران أو الحوثيين، أو إثارة الرأي العام الداخلي. واختارت هذه الدول تعزيز الدبلوماسية مع الحفاظ على الغموض: فلم تدن الحوثيين علنًا، وشجعت أحيانًا الحوار غير المباشر معهم، في محاولة لتجنب التصعيد المباشر.
يستخدم الحوثيون استراتيجية تُعرف باسم منع الوصول/الحرمان لمنع الحركة في الممرات الملاحية الدولية في البحر الأحمر. ويُمكّن الاستخدام الأمثل للتضاريس الحوثيين من فرض قواعد الاشتباك على الأساطيل والدول التي تُصنف ظاهريًا ضمن أقوى الجيوش في العالم. وتمكن الحوثيون من إلحاق أضرار بالسفن، بل وإغراقها.
البحر الأحمر.. اللاعبون الرئيسيون
أصبح البحر الأحمر نقطة محورية عالمية تتصادم فيها المصالح الجيوسياسية والعسكرية والاقتصادية للقوى العالمية والإقليمية. وتعدد فيه القوة اللاعبة والمؤثرة إقليمية أو دولية:
1 ـ الصين
البحر الأحمر ركيزة أساسية لاستراتيجية الصين لتصبح قوة عالمية. وهو جزء من مبادرة الحزام والطريق، التي هي أداتها لخلق تبعية اقتصادية، وتسهيل الوصول العسكري، وبسط النفوذ الناعم في مناطق رئيسية. ولهذا، استثمرت مبالغ طائلة في السنوات الأخيرة في البنية التحتية للموانئ والدول المطلة على البحر الأحمر.
وتعد جيبوتي مركزاً لأنشطتها وبوابتها الرئيسية إلى القارة الأفريقية بأكملها. ويُرجح أن يكون إنشاء أول قاعدة عسكرية صينية خارج حدودها في جيبوتي هو الجانب الأكثر رمزية لهذا النفوذ. وهي تمارس أيضا “دبلوماسية بحرية ناعمة”، من أمثلتها البارزة “سفينة السلام”، التي قامت بزيارات إنسانية للعديد من الدول الأفريقية.
2 ـ الولايات المتحدة
تستند مصالح الولايات المتحدة إلى الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر لاستيراد الطاقة والتكنولوجيا والسلع الاستهلاكية من الشرق الأقصى، خصوصا في ضوء آثار تغير المناخ التي تخفض حركة السفن عبر قناة بنما. وهي تعتبره أيضا ساحة لمواجهة توغل القوى المنافسة، وعلى رأسها الصين. وتعمل على تعزيز تحالفاتها التقليدية في المنطقة، لا سيما مع مصر والسعودية والإمارات وإسرائيل والأردن. واكتسبت هذه الجهود أهمية أكبر مع نقل مسؤولية القيادة المركزية الأمريكية “سنتكوم” إلى إسرائيل في عام 2021.
3 ـ روسيا
البحر الأحمر هو جزء من السياسة الخارجية الاستباقية التي تتبناها موسكو لتعزيز نفوذها على الساحة الدولية، وتحدي الهيمنة الأمريكية، وإنشاء موطئ قدم دائم في نقاط الاختناق الجيوسياسية كمضيق باب المندب وقناة السويس والبحر الأبيض المتوسط. وتنشط روسيا أيضا في المجال الاقتصادي كصفقات الأسلحة مع مصر، ومشاريع البنية التحتية كبناء محطة الطاقة النووية في الضبعة.
وسعت أيضا إلى إنشاء موطئ قدم في موانئ إريتريا وإثيوبيا والصومال. وتزايد وجودها العسكري البحري تزامنًا مع الحرب في أوكرانيا. وهناك تقارير عن دعم عسكري واستخباراتي روسي غير مباشر للحوثيين، وذلك لتقويض السيطرة الأمريكية في البحر الأحمر، وتحويل الجهود الغربية بعيدًا عن ساحات روسيا الأساسية، وتعزيز التعاون مع جهات معادية للغرب كإيران. وهي تتبع سياسة “الإنكار المعقول” للاستفادة من تقويض الغرب دون تحمّل مسؤولية مباشرة. وتعكس استراتيجيتها التواجد غير المباشر ودعم نقاط ضعف الخصم لتعزيز نظام عالمي جديد.
4 ـ الدول الأوروبية
منذ أكتوبر 2023، تحول البحر الأحمر لدى الأوروبيين إلى مجال استراتيجي. ووفقًا لبيانات الاتحاد الأوروبي، يشكل حجم التجارة مع آسيا ما يقرب من 40% من واردات الاتحاد الأوروبي، ويُعد طريق قناة السويس والبحر الأحمر الطرق الأقصر والأكثر كفاءة لهذا الغرض. لذا، يوجد إجماع واسع لديهم على ضرورة تعزيز الدفاع، مع تجنب الانخراط المباشر في القتال.
وتم إنشاء قوة مهام بحرية مستقلة تابعة للاتحاد الأوروبي في فبراير 2024، لحماية السفن المدنية العاملة دون القيام بأي أعمال هجومية أو الدخول في مواجهات مباشرة مع الحوثيين.
وتشمل الدول المساهمة: اليونان، وفرنسا، وإيطاليا، وألمانيا، وهولندا، وإسبانيا. وعمليًا، تعمل بالتنسيق مع العملية الأمريكية “عملية حارس الازدهار” ولكن ليس تحت قيادتها لتجنب التصعيد الذي يؤثر سلبًا على أسواق الطاقة والاستقرار الإقليمي.
5ـ الإمارات العربية المتحدة
أصبحت الإمارات لاعباً محورياً في البحر الأحمر وفق رؤيتها للتوسع وتعزيز تواجدها ونفوذها العسكري والاقتصادي والدبلوماسي، ومنع تطوير موانئ منافسة في المنطقة قد تهدد ميناء جبل علي في دبي، الذي يُعد مركزًا إقليميًا هامًا للنقل. والنتيجة هي “حرب موانئ” إقليمية هادئة بين القوى المحلية والقوى الإقليمية والدولية، حيث يسعى كل طرف إلى ترسيخ وجوده أو سيطرته على نقاط التقاء التجارة الحيوية.
لذلك، تنفق استثمارات ضخمة في إدارة الموانئ والنقل البحري: من مصر شمالاً، مروراً باليمن وصوماليلاند جنوباً، وصولاً إلى السودان وإريتريا. وتعزز هذا الوجود بقواعد عسكرية في جزيرة سقطرى اليمنية، وميناء عصب في إريتريا، ومراكز جمع المعلومات الاستخباراتية البحرية. وتواصل تقديم الدعم اللوجستي والعسكري للمجلس الانتقالي الجنوبي باليمن، وذلك لضمان السيطرة على الموانئ الاستراتيجية اليمنية. وقد استثمرت مبالغ طائلة على طول قناة السويس والمؤانئ المصرية لإنشاء مراكز لوجستية بالإضافة إلى المنشآت العسكرية.
6 ـ المملكة العربية السعودية
عملت المملكة على صياغة استراتيجية بحرية شاملة في البحر الأحمر، تجمع بين الأمن والاقتصاد والدبلوماسية. وتُعزز إنشاء تحالف إقليمي، والتعاون مع دول مثل مصر والأردن والإمارات، وحتى إسرائيل، مع الحفاظ على موقف دبلوماسي معتدل ومنفتح على العالم. ويُظهر التعاون السعودي مع الصين في مناورة بحرية عام 2023 قنوات التعاون المتعددة والمتنامية. ويدفعها انخراط إيران في السودان واليمن والقرن الأفريقي إلى تكثيف أنشطتها في هذه الساحات أيضًا.
تُعد سياسة إيران في البحر الأحمر امتداداً لمفهومها الأوسع للأمن القومي. وتدعم وكلاء محليين مثل الحوثيين الذين يلعبون دورًا محوريًا وأصبحوا ذراعًا بحريًا إيرانيًا نشطًا في جنوب البحر الأحمر يستطيع تعطيل حرية الملاحة في مضيق باب المندب.
وتهدف إيران إلى ترسيخ موطئ قدم لها في القرن الأفريقي، وتُشارك في مبادرات اقتصادية وأمنية في شرق أفريقيا، مما يضمن لها الوصول المباشر إلى مراكز النفوذ والساحات الحساسة. وقد أصبح البحر الأحمر محور استراتيجيتها الأمنية والتنموية لتحويل المملكة إلى قوة إقليمية مستقلة تقود المبادرات، وتتحرك بحذر بين التكتلات المتنافسة في النظام الدولي بما يضع المملكة في قلب الحملة من أجل مستقبل البحر الأحمر.
7 ـ الصومال
تمتلك دولة الصومال ساحلًا طويلًا بشكل استثنائي يمتد لحوالي 3300 كيلومتر على طول القرن الأفريقي والمحيط الهندي. وقد عانت لعقود من عدم الاستقرار الحكومي، مما جعلها لاعبًا ضعيفًا ولكنه استراتيجي في الساحة البحرية. ولم تنجح منذ اندلاع الحرب الأهلية في التسعينيات، في إقامة حكومة مركزية فعالة. ويُعقّد هذا الوضع من صياغة سياسة بحرية شاملة للبلاد بأكملها. ولا يزال الوضع الاقتصادي في الصومال هشًا، حيث يعيش ما يقرب من 70% من السكان تحت خط الفقر، مع اعتماد كبير على المصادر الخارجية والتبرعات والمساعدات الدولية.
ونظرًا لضعفها الداخلي، فقد أصبحت الصومال منطقة تنافس جيوسياسي بين القوى الإقليمية والعالمية. فعلى سبيل المثال، وقّعت تركيا مذكرة تفاهم شاملة مع الحكومة الصومالية في فبراير 2024، تمنحها مسؤولية واسعة النطاق عن الأمن البحري داخل المنطقة الاقتصادية الخالصة للصومال لمدة عشر سنوات، مع حقوق استغلال 30% من موارد الغاز والنفط البحرية. وللإمارات تواجد في الصومال من خلال شركة موانئ دبي العالمية، التي تدير ميناء بوصاصو في إقليم بونتلاند ذي الحكم الذاتي، ولها أنشطة عسكرية ومدنية في أرض الصومال، مما أدى إلى نزاعات مع الحكومة المركزية للصومال.
وتسعى الولايات المتحدة إلى إعادة تأكيد نفوذها بالصومال عبر بناء قواعد لتدريب القوات الصومالية، ووضع خطط لإنفاذ القانون البحري، وإنشاء أطر عمل مشتركة لمكافحة الإرهاب البحري واستكشاف إمكانية إنشاء قاعدة بحرية دائمة في شمال البلاد لتوسيع نطاق عمل القيادتين المركزيتين أفريكوم وسنتكوم.
8 ـ أرض الصومال
أعلنت أرض الصومال استقلالها عن الصومال عام 1991، ولا تزال تعمل ككيان دولة بحكم الأمر الواقع، ولكن دون اعتراف دولي. وقد أصبح ساحلها، الذي يبلغ طوله 740 كيلومترًا، أحد مواردها الاستراتيجية الرئيسية لنيل الاعتراف، وجذب المستثمرين، وتشكيل تحالفات جيوسياسية جديدة مع الإمارات وإثيوبيا بما فيها إدارة الإمارت لميناء بربرة ومنح أثيوبيا منفذا على المحيط الهندي بطول 20 كم. وهناك تقارير عديدة بشأن التواصل بين إسرائيل وصوماليلاند، التي تنظر إليها إسرائيل كشريك استراتيجي محتمل في القرن الأفريقي بما يفتح المزيد من الفرص بين القدس وهرجيسا.
9 ـ جيبوتي
جيبوتي دولة صغيرة تقع على مضيق باب المندب عند ملتقى البحر الأحمر والمحيط الهندي، وتُعدّ من أهم المواقع الجيوسياسية في العالم. ورغم صغر عدد سكانها، حوالي 1,1 مليون نسمة، فقد تمكنت من ترسيخ مكانتها والاستفادة من موقعها الفريد لتحقيق فوائد اقتصادية وأمنية ودبلوماسية فأصبحت مركزًا عسكريًا متعدد الجنسيات فريدًا من نوعه، إذ بها قواعد للولايات المتحدة، وفرنسا، وإيطاليا، واليابان، وإسبانيا، وألمانيا، والصين. وهي تحافظ على توازن دقيق بين الحياد الرسمي وتحقيق أقصى استفادة من كل قوة. ولها تعاون وثيق مع إثيوبيا إذ يمر عبرها 90% من البضائع المستوردة إلى أديس أبابا.
10 ـ مصر
لمصر مكانة مركزية في الساحة الاستراتيجية للبحر الأحمر. وذلك، لمواردها الاستراتيجية، وقدرتها على أن تكون جسراً بين القارات. وتُشكل قناة السويس أهم شريان نقل بحري وأحد مصادر الدخل المهمة للاقتصاد المصري. وأدت هجمات الحوثيين إلى انخفاض حاد في النشاط البحري. ووفقًا لتقديرات البنك الدولي، خسرت مصر ما يقارب سبعة مليارات دولار من الإيرادات منذ بداية الأزمة، أي حوالي 5% من ناتجها المحلي الإجمالي. وتتفاقم هذه الخسائر بسبب الأزمة الاقتصادية الداخلية المستمرة في البلاد.
وللصين داخل مصر مشاريع لوجستية وصناعية، بما في ذلك منطقة تجارة حرة صناعية في منطقة القناة. كما أصبحت الإمارات شريكًا اقتصاديًا رئيسيًا للقاهرة. وتعمل مصر على تطوير قواتها البحرية بسرعة في منطقة البحر الأحمر لمواجهة التحديات الأمنية العديدة في المنطقة.
وتشارك في مجلس الدول العربية والأفريقية الساحلية، الذي تقوده السعودية، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الأمني .
وحافظت على موقف متزن نسبيًا: فلم تشارك في الهجمات الأمريكية البريطانية على بنى الحوثيين التحتية. وفي عصر التغيرات العالمية، تطمح القاهرة إلى أن تكون لاعباً محورياً وتجديد مكانتها كقوة إقليمية في البحر الأحمر.
11 ـ إيران
تُعد سياسة إيران في البحر الأحمر امتداداً لمفهومها الأوسع للأمن القومي. وتدعم وكلاء محليين مثل الحوثيين الذين يلعبون دورًا محوريًا وأصبحوا ذراعًا بحريًا إيرانيًا نشطًا في جنوب البحر الأحمر يستطيع تعطيل حرية الملاحة في مضيق باب المندب. وتهدف إيران إلى ترسيخ موطئ قدم لها في القرن الأفريقي.
تسعى تركيا إلى أن تصبح فاعلاً إقليمياً رائداً في منطقة البحر الأحمر من خلال الجمع بين الدبلوماسية والمساعدة المدنية والوجود العسكري، بما يخدم أهدافها الأمنية والاقتصادية ويعزز مكانتها الدولية أمام الفاعلين الإقليميين والعالميين.
وإن مجرد التهديد والقدرة على تعطيل حرية الملاحة يُعد أداة استراتيجية مهمة لطهران لتعزيز الرواية الإيرانية بأنهم يمتلكون القدرة على “معاقبة” الغرب أو الإضرار بالاقتصاد العالمي في حال التصعيد، ويضع طهران في موقع حارس بوابة طرق الطاقة البحرية في الخليج، مما يمنحها نفوذًا سياسيًا واقتصاديًا ضد منافسيها.
12 ـ تركيا
تسعى تركيا إلى أن تصبح فاعلاً إقليمياً رائداً في منطقة البحر الأحمر من خلال الجمع بين الدبلوماسية والمساعدة المدنية والوجود العسكري، بما يخدم أهدافها الأمنية والاقتصادية ويعزز مكانتها الدولية أمام الفاعلين الإقليميين والعالميين.
لذا، عززت وجودها ونفوذها في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، ولا سيما الصومال، وانخرطت في أنشطة إنسانية، وإعادة تأهيل البنية التحتية، والاستثمارات، وعمليات أمنية استراتيجية.
وفي 2018، افتتحت قاعدة “توركسوم”، أكبر قاعدة عسكرية لها خارج أراضيها. وتُدير ميناء مقديشو بموجب اتفاقية طويلة الأمد. ووقّعت تركيا اتفاقية مع السودان في 2028 لإعادة بناء وتطوير جزيرة سواكن مما يُشير إلى نواياها في ترسيخ مكانة مؤثرة في غرب البحر الأحمر. وكانت أرض الصومال أيضًا محورًا لمبادرات أنقرة لتخفيف حدة التوترات بينها وبين الصومال، وإدراكًا منها للإمكانات الجيوسياسية لساحلها.
13 ـ قطر
تعمل قطر على توسيع نفوذها في البحر الأحمر وتعزيز مكانتها كوسيط دولي، وإقامة وجود استراتيجي على طول طرق التجارة البحرية، ولا سيما باب المندب وقناة السويس، وتعتبرها أصولًا جديرة بالاستثمار والحماية.
وقد زادت استثماراتها في الموانئ الرئيسية في القرن الأفريقي، وفي تطوير السكك الحديدية والطرق والمراكز اللوجستية. ويُعدّ استخدام القوة الناعمة جانبًا محوريًا من أنشطتها، مع الحرص على تجنب الصراعات والحفاظ على صورتها كقوة معتدلة ومؤثرة في الشرق الأوسط وأفريقيا.
ما الذي تسعى إليه إسرائيل في البحر الأحمر والقرن الأفريقي؟
ختم الباحثان الإسرائيليان هذه المذكرة بما يلي:
يُلاحظ أن الدول التي تم استعراضها آنفا، وعلى الرغم من اختلافاتها، إلا أنها تشترك في عدة مصالح مشتركة:
1 ـ تعزيز الأمن والاستقرار الإقليميان:
ضمان حرية الملاحة وحماية طرق التجارة البحرية، والتصدي لتهديدات الحوثيين والقرصنة، السعي لتحقيق الاستقرار السياسي ومنع النزاعات الإقليمية.
2 ـ التنمية الاقتصادية:
استغلال الموقع الاستراتيجي للبحر الأحمر لتعزيز التجارة والتنمية الاقتصادية، والاستثمار في البنية التحتية البحرية ـ الموانئ ومرافق الطاقة.
3 ـ موازنة التأثيرات الخارجية:
مواجهة النفوذ المتزايد للقوى الأجنبية في المنطقة، بقيادة الصين والولايات المتحدة، ومحاولة الحفاظ على الاستقلال الإقليمي مع الاستفادة من فرص التعاون الدولي.
4 ـ التعاون الإقليمي:
تعزيز المنتديات والأطر للتعاون بين دول المنطقة، تنسيق السياسات في الشؤون الأمنية والاقتصادية والبيئية.



