أخبار العالمبحوث ودراسات

ما هو موقف القانون الدولي من التهديد الأمريكي باستخدام القوة ضد إيران وما الفائدة منه؟

تمهيد

قد يبدو الحديث عن موقف القانون الدولي عن التهديد الامريكي باستخدام القوة ضد ايران لإخضاعها للهيمنة الأمريكية من خلال القبول بالإملاءات الأمريكية وتجريدها من سيادتها واستقلالها نوعا من الكلام الغير مجدي خصوصا في ظل الرئيس الامريكي دونالد ترامب الذي لا يكترث بالقانون الدولي ويحاول استبدال ميثاق الامم المتحدة بما يسمى مجلس السلام العالمي لتحقيق السلام في غزة والعالم وبرفع علننا شعار تحقيق السلام من خلال القوة وخصوصا في هذه المرحلة ضد إيران.

وقد ترافق ذلك مع حملة اعلامية أمريكية تظهر ان امريكا قوه كبرى لا تقهر لا يمكن مواجهتها وبالتالي يرى البعض انه  من  الحكمة  مسايرتها والرضوخ لشروطها وخصوصا في غزة ولبنان بنزع سلاح المقاومة، وتعزيزا لذلك  يتم تضخيم بعض النجاحات التكتيكية  والابهار الاعلامي في بعض الساحات وخصوصا بعد اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادور، مما جعل البعض يبشّر بظهور مؤشرات نظام دولي جديد تكون مرجعيته الهيمنة الامريكية الاسرائيلية وخصوصا في منطقه الشرق الاوسط تعزز ذلك بوجود نظام  جديد في سوريا حليف لأمريكان وغير معادي للاحتلال بل خصم لإيران ومحور المقاومة  مع تحقيق نجاحات تكتيكيه لكيان الاحتلال في لبنان وسوريا.

وبناء على هذا اثيرت تساؤلات حول مدى دخول المجتمع الدولي زمن السيطرة الامريكية المرتكزة على منطق القوة بعيدا عن القانون الدولي.

 وهل فعلا الحديث الاعلامي عن ان مواقف وتهديدات دونالد ترامب الاعلامية المتعددة التي لا تتوقف في عدة ساحات من العالم وخصوصا إيران يجعلنا نقتنع اننا امام تحول دولي حقيقي تترأسه أمريكا والكيان الاسرائيلي في مقابل واقع ميداني وحقائق تفيد ببروز قوى دولية جديدة منافسة ومعارضة للهيمنة الامريكية مثل الصين وروسيا والبرازيل وجنوب افريقيا وغيرها وخصوصا حاليا إيران التي تعلن صراحة بعدم تنازلها عن ثوبتها .

فتفكيك هذا التناقض بين الاصرار الامريكي على فرض الشروط الامريكية خارج القانون الدولي من خلال التهديد باستخدام بالقوة والحرب وبين التمسك الايراني بالقانون الدولي قد يتحدد مستقبل النظام الاقليمي والدولي ويجد جوابه في محاولة مناقشة النقاط التالية:

أولا: موقف القانون الدولي من مجرد التهديد باستخدام القوة ضد ايران

يستند ميثاق الامم المتحدة في الاصل في حل النزاعات الدولية على الحلول السلمية التي نص عليها في الفصل السادس من المواد 33الى المادة38منه وفي حالة  تصاعد النزاع الى تهديد عسكري ومحاولة ممارسة الضغوط والحشود العسكرية كما هو الشأن  في الحالة الامريكية الايرانية  فان ميثاق الامم المتحدة يحظر ذلك، وكذلك  نجد ان القانون الدولي يتضمن مؤسسات اممية لحل النزاعات الدولية عن طريق المؤسسات القضائية مثل محكمة العدل الدولية ومحكمة الجنايات الدولية.

ووفقا لهذه السياق نجد ان التهديدات والحشود العسكرية الامريكية تمثل انتهاكا صريحا للقانون الدولي في طريقة التعامل في حالة النزاعات الدولية من خلال الاحتكام للقوة او التهديد بها، فطبقا للمادة الثانية، الفقرة الرابعة يعتبر استخدام القوة او مجرد التهديد بها يمثل انتهاكا للشرعية الدولية كما هو الحال مع التهديدات الامريكية لإيران.

وفي المقابل اورد ميثاق الأمم المتحدة استثناء لاستخدام القوة في حالتين غير متوفرتين في حالة النزاع الامريكي الايراني وهما:

 الحال الأولى: حالة الدفاع الشرعي عن النفس

 المنصوص عليها في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، حيث ان إيران لم تقم بالاعتداء على الولايات المتحدة. بحيث ان إيران الموجودة في قارة آسيا ليست دوله حدودية للولايات المتحدة التي تقع في القارة الامريكية، وكذلك لم تقم بالاعتداء العسكري على كيان الاحتلال المحرض الرئيسي لهذه التهديدات.

حيث ان إيران لم تبدأ حربا أو عدوانا ولم تمتنع عن المشاركة في الوسائل السلمية لتفادي الحروب، ولم تغادر طاولة المفاوضات، فلم تبادر باستخدام القوة وتشن هجوم عسكري مثل امريكا والكيان كما حدث في هجوم جوان عام 2025 وهذا الموقف الايراني يبرز ان امريكا والكيان الصهيوني هما من بادرا بالعدوان ويحاولان تكرار عدوان أخر على إيران وهذا التصرف الصادر عنهما يسقط ذريعة الولايات المتحدة والكيان الاسرائيلي بكون إيران تتأهب بالعدوان عليهما هذا من ناحية.

 ومن ناحيه اخرى ان تبرير الولايات المتحدة وكيان الاحتلال بكون التهديدات تأتي في سياق الدفاع الشرعي الاستباقي، وهذا أمر غير منصوص عليه ومعترف به في القانون  الدولي، ولا يوجد أي مسوغ قانوني يضفي الشرعية على حق الدفاع الشرعي الاستباقي الا كيان الاحتلال الذي يتبناه وتؤيده الولايات المتحدة، وفي هذا السياق يقول بعض أساتذة القانون الدولي منهم “ماتياس غولدمان” وهو خبير في جامعه الE B S فاسبيدن الالمانية لموقع “دوتشي فيلي” ان غالبية المحللين القانونيين يرون ان هجوم اسرائيل على إيران ليس دفاعا على النفس، ولم يكن هناك هجوم وشيك من إيران من خلال تعليقه على عدوان جوان على ايران  وكذلك “ماركو بلانوفيتش” استاذ القانون الدولي في جامعه “رين بنغ” بالمملكة المتحدة ان هجوم اسرائيل كان غير قانوني.

وعليه تعتبر التهديدات الأمريكية باستخدام الحشود العسكرية على إيران تمثل عدوانا بمفهوم القرار رقم 3314 الصادر في 14 ديسمبر عام 1974الخاص بتعريف العدوان لأن الحشود الامريكية والحصار واستخدام القوات العسكرية في اراضي دوله اخرى وكذلك ارسال عصابات ومرتزقه للقيام بأعمال مسلحة وارسالها الى إيران تشكل عدوانا بمفهوم تعريف العدوان، ويصبح العدوان هنا جريمة في ظل النظام الأساسي لمحكمة الجنايات الدولية وفقا لقرار تعريف العدوان الصادر عن الامم المتحدة.

   اما الحالة الثانية: مبدأ استخدام القوة

التي تجيز مبدأ استخدام القوة ان تكون طبقا للفصل السابع وخصوصا المادة 39 من الميثاق عندما يتعرض السلم والامن الدوليين للخطر فتنض المادة 39 تستخدم القوة عند وجود تهديد للسلم أو اخلال به، أو وقوع عمل من أعمال العدوان، ولكن المادة 39 تحدد الجهة والمفوضة باستخدام القوة. ومتى تحققت مقتضيات المادة 39 من الميثاق فطبقا للمادة 39 الجهة المختصة هي مجلس الأمن الدولي، وليس الولايات المتحدة الامريكية وكيان الاحتلال فمجلس الامن هو الجهة الوحيدة المخولة باستخدام القوة.

 بالنسبة للشروط الامريكية الاسرائيلية التي استخدمت كمبررات لاستخدام القوة على إيران في جوان 2025 وهي نفسها يتم تكرراها في التهديدات الامريكية على إيران حاليا فهذه الشروط لا تستند الى القانون الدولي بل تتناقض معه، وتستند على موازين القوى ومشروع الهيمنة الأمريكية في المنطقة، وإيران ترفض ذلك.

ثانيا: ما الجدوى من الحديث عن موقف القانون الدولي حاليا

بالرغم من انه تاريخيا الكيان الاسرائيلي والولايات المتحدة الامريكية عموما لا يلتزمان بالقانون الدولي خصوصا عندما يتعلق الأمر بطريقة التعامل مع ايران ومع القضية الفلسطينية، وخصوصا في عهد الرئيس دونالد ترامب الذي قال صراحة لوسائل الاعلام وكما ورد بصحيفة نيويورك تايمز الامريكية: “انا لست بحاجة الى القانون الدولي فأخلاقي الشخصية هي الشيء الوحيد الذي يقيد سلطاتي”، هذا الموقف بعدم  الالتزام  بالقانون الدولي لا يمثل الغاء وفشلا كليا  للقانون الدولي والنظام الدولي لمجرد تصريح الرئيس الامريكي بدليل الملاحظات الاتي ذكرها:

ان المفاوضات الجارية حاليا سواء في جولتها الاولى التي تمت في مسقط بسلطنة عمان او التي تمت في  جنيف بسويسرا او التي قد تجري مستقبلا تتم في اطار القانون الدولي وقد اكدت إيران بعد نهاية الجولة الثانية من المفاوضات التي تمت في جنيف صراحة تمسكها بحقوقها المشروعة المنصوص عليها في القانون الدولي وعليه يبقى الاحتكام للشرعية الدولية هو الأساس سواء من ناحية الاجراءات او من ناحية الموضوع.

  • من ناحية الاجراءات

 تتمسك ايران في رفضها للشروط الامريكية الاربعة لكونها تتناقض مع  قواعد القانون الدولي الذي يحمي حقوق الشعب الايراني سواء ما تعلق بالاستخدام السلمي للطاقة النووية الذي نصت عليه اتفاقية حظر انتشار الاسلحة النووية لعام 1968 وكذلك البرنامج الصاروخي الإيراني، وما يتعلق بعلاقة إيران بحركات المقاومة الداعمة لحق تقرير مصير الشعب الفلسطيني، والشرط الرابع المتعلق بطريقة تعامل إيران مع الاحتجاجات وعلاقتها بحقوق الانسان.

 في حين ترى امريكا مع الكيان الاسرائيلي أنّ إيران تخالف القانون الدولي بعدم التزامها بالشروط الأربعة، وهي بهذا تهدد الأمن القومي لأمريكا والاحتلال. والمطلع على الشروط الامريكية والكيان، يجدها لا تتوافق مع القانون الدولي كما تشير نصوص ومبادئ القانون الدولي حين يدقق فيها اي باحث، نجد ان غالبية خبراء وفقهاء القانون الدولي يرفضون الموقف الأمريكي الصهيوني باستثناء الخبراء التابعيين لهم وخصوم إيران.

  • من الناحية الموضوعية

نجد ان المفاوضات تقوم على قواعد ومبادئ القانون الدولي ومنها مبدأ المساواة في السيادة المنصوص عليها في ميثاق الامم المتحدة وخصوصا المادة الثانية في فقرتها الاولى التي تؤكد وتكرس الندية والاحترام المتبادل بين دولة كبرى وهي امريكا ودولة اظهرت ثباتها وصمودها وهي إيران.

هذا يحدث لأول مرة في منطقة الشرق الأوسط، حيث تعودت امريكا على فرض شروطها على دول المنطقة، فلا ذكر لمبدأ المساواة في السيادة وخصوصا الدول الحليفة لأمريكان، كما صرّح “حمد بن جاسم” رئيس وزراء قطر السابق ووزير الخارجية، “نحن يتحدث بصيغة الجمع يقصد الدول العربية الحليفة لأمريكان خصوصا نتلقى الأوامر والاملاءات الامريكية ولا تناقشها”.

ولكن الآن العالم كله يتابع ويشاهد أنّه مع إيران الأمر يختلف، فنجد الندية والاحترام المتبادل في المفاوضات، فلا توجد الإملاءات او اصدار الاوامر او مفاوضات شكلية، فهذا غير وارد. هذا الوضع الجديد في طريقة التعامل مع أمريكا من قبل إيران قد يفتح المجال مستقبلا من جديد بإحياء مبدأ المساواة في السيادة الذي غاب عندما يتعلق الأمر بأمريكا ويتم تعميمه على كل دول المنطقة وهذا التحول يؤشر الى عودة العمل بقواعد القانون الدولي وليس اندثاره.

انه منذ انطلاق ملحمة طوفان الأقصى وما أعقبها من ابادة جماعية ضد سكان غزه تعزز دور المؤسسات الدولية في الاقرار بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره الذي تدعمه إيران بقوة وترفضه الولايات المتحدة الامريكية، بل وتحاول توفير الحماية القانونية لكيان الاحتلال من خلال تبرير الإبادة الجماعية بكون الكيان يمارس حق الدفاع الشرعي عن النفس المنصوص عليه في الميثاق. ولكن المؤسسات الدولية رفضت التبريرات الامريكية الاسرائيلية المدعومة من حكومات الدول الاوربية وقد برز دور المؤسسات القضائية، خصوصا محكمة العدل الدولية، ومحكمة الجنايات الدولية، الى أصدرت أوامر بالقبض على مجرم حرب غزّة “بنيامين نتنياهو” في 21نوفمبر عام 2024 وقد اضطرت حكومة الاحتلال الى محاولة إلغاء أوامر القبض على “نتنياهو” والمتورطين معه ثلاث مرات ولم تنجح لأنّ هذا القرار جعله يدخل في عزلة دولية، ولأنّ أوامر القبض تجعله حذر في تنقلاته  خصوصا اذا ما علمنا ان الدول المنظمة الى محكمة الجنايات الدولية هو 125دولة  ورغم تحفظ بعض الدول عن الالتزام  بمذكرة القبض.

والملفت  للانتباه  ان تطبيق  مذكرة امر القبض على “بنيامين نتنياهو” الذي صدر من محكمة الجنايات الدولية امتد الى امريكا نفسها، فعندما يذهب الى الولايات المتحدة  الحليف الرئيسي للكيان الاسرائيلي يتفادى دخول نيويورك التي تعتبر العاصمة السياسية  للعالم التي تحتضن مقر الأمم المتحدة، حيث تعهد رئيس بلدية نيويورك “زهران ممداني” الفائز في انتخابات 2025 ورفع  مطلب دعم غزة كأحد شعاراته  في حملته الانتخابية والكوفية الفلسطينية، لم تغادره اثناء الحملة، التزم علنا  بتطبيق القانون الدولي وتنفيذ مذكرة القبض الصادرة عن محكمة الجنايات الدولية باعتقال “بنيامين نتنياهو” اذا ما حلّ بمدينة  نيويورك باعتبارها مدينة يوجد بها أكبر مؤسسة للقانون الدولي الامم المتحدة، ولم يتراجع “زهران ممداني” عن التزامه بتطبيق القانون الدولي بعد فوزه ومازال كذلك.

 ثالثا: تداعيات دور إيران في مواجهة امريكا وأثرها على القانون الدولي

 يكتسي هذا الموضوع أهمية معتبرة في هذه المرحلة الراهنة، فلأول مره تحاول دوله اسلاميه وهي إيران رفع القيود المفروضة عليها، وعن الدول العربية والإسلامية في امتلاك التكنولوجيا المتقدمة بمختلف أنواعها، وخصوصا تكنولوجيا صناعة الاسلحة المتطورة، وكذلك النهوض الاقتصادي لتحقيق الاكتفاء الذاتي لتبقى دائما رهن التبعية.

وعمدت إيران بصمودها الى تهيئة الظروف مستقبلا الى الالغاء التدريجي للحظر الغير مكتوب امريكيا واسرائيليا والمعمم على كل الدول المتقدمة من خلالها ضغوطهما على العالم بعدم تقديم التكنولوجيا المتقدمة للدول العربية والاسلامية لأنّ هذا يهدد أمن إسرائيل.

وبخلاف دول المنطقة دأبت إيران على عدم الالتزام بالشروط الإسرائيلية الأمريكية المتعلقة بسياسه الهيمنة وسياسه التفوق النوعي لكيان الاحتلال وخصوصا حاليا البرنامج الصاروخي الإيراني، وكسر سياسة الاحتكار النووي التي ينفرد بها كيان الاحتلال في المنطقة ورفض دعم حركات التحرر الوطني الداعمة لفلسطين وخصوصا المقاومة المسلحة الفلسطينية التي يقرها القانون الدولي.

 تاريخيا وبحكم العرف والممارسة الدولية نجد ان الشروط الثلاثة الامريكية الاسرائيلية السالف ذكرها المعروضة على إيران هي نفسها المفروضة على كل الدول العربية والإسلامية، والتي بدأت ملامحها تتجسد منذ  تدمير البرنامج النووي السلمي العراقي عام 1981 وتفكيك البرنامج النووي الليبي السلمي عام 2003  وتدمير مركز الأبحاث العلمية السلمية في المجال النووي في سوريا عام 2007 … ولعبت أمريكا دورا رئيسيا في ممارسة الضغوط وتحريض الدول الكبرى بعدم تقديم اسلحة متطورة للدول العربية والاسلامية وقد اصبحت المحرمات الثلاث السالف ذكرها مع مرور الزمن بمثابة قانون غير مكتوب ملزم لجميع الدول وخصوصا الرافضة للهيمنة الأمريكية والداعمة لفلسطين.

غير انه بعد صمود إيران لمدة 47 سنة في وجه الحصار والعقوبات واستمرارها في رفضها للمطالب الامريكية الاسرائيلية الثلاثة تزايد قلق العدو الاسرائيلي وتكامل مع الادارة الحالية بقيادة دونالد ترامب والتي قررت حسم هذا الموضوع مع إيران فالنزاع تاريخي بدأ مع انتصار الثورة الاسلامية عام 1979 ولأكثر من أربعة عقود ولم يتجرأ أي رئيس أمريكي ان يقوم بما يقوم به ترامب، إيران لتتنازل عن مبادئها.

 فمنذ ولايته الأولى، شرع دونالد ترامب في محاولة حسم الصراع بالضغوط والتهديد باستخدام القوة منذ انسحابه عام 2018، من الاتفاق النووي وممارسة بما سماه بالضغوط والعقوبات الأحادية القصوى، غير أنّ كل هذه الاجراءات لم تنجح مع إيران.

 وفي ولايته الثانية يحاول دونالد ترامب استكمال مساعيه في مواجهة إيران، ولكن هذه المرة من خلال الانتقال من ممارسة الضغوط الاقتصادية التي فشلت إلى التهديد باستخدام القوة والحشود العسكرية تمهيدا لشنّ هجوم عسكري، لان هذا كفيل بحسم كافة الملفات الاقليمية الاخرى وهذا يتوافق مع النظرة الاسرائيلية التي تتبنى نظرية قطع رأس الافعى وهي إيران، والتي يروّج لها الإعلام الإسرائيلي، وهذا من شأنه وفقهم ان يسهّل القضاء على بقية الجبهات ذات الصلة بدعم فلسطين.

ولتحقيق الأهداف الامريكية الاسرائيلية ولتكريس الهيمنة الامريكية، وتعزيز واستمرار ضمان أمن العدو الصهيوني اشترطت الثلاثة شروط، واضافت مسألة الاحتجاجات الداخلية لتفادي الحرب على إيران معتقدين انه من خلال الضغوط والترهيب والحشود العسكرية قد يجعل إيران تستجيب لشروطهم.

 وبالتالي في حال فشل المساعي الامريكية الصهيونية لجعل إيران تخضع لشروطهما فإنّ هذا سيكون انتصار تاريخي في اسقاط مشروع الهيمنة والوصاية التي يراد فرضها على الشعب الإيراني، ويمثل في نفس الوقت تحول تاريخي في تكريس العمل بقواعد القانون الدولي الحقيقية وعلى رأسها المساواة في السيادة المنصوص عليها في الميثاق.

حيث تصبح دول المنطقة وبقية الدول الاخرى من حقّها ممارسة حقها السيادي بكل حرية في عدم الالتزام بالشروط الامريكية المطروحة من قبل الكيان وامريكا على إيران والمتناقضة مع القانون الدولي. 

  إيران واجهت المشروع الامريكي الصهيوني ولم تتراجع عن حقوقها ولم تتنازل عنها ومن بينها دعمها لفلسطين رغم حملات التضليل والشيطنة لتشويه إيران من قبل الاعلام العربي الحليف لأمريكا.

لكن ايران لم تبالي بكل الضغوط والحروب الإعلامية ضدها، فلم تساوم على مبادئها وتمسكت بسيادتها وجسدت ذلك عمليا من خلال التمسك بما اسمته اقتصاد المقاومة المستند على الاكتفاء الذاتي، بناء على القدرات الداخلية حيث تم الاعتماد على الانتاج المحلي وتصنيع بدايل للسلع المستوردة، وعدم الاكتفاء بالاعتماد على الصادرات النفطية، بل أضافت الى جانب ذلك دعم المشاريع البحثية الاكاديمية والمعرفية وتطوير التكنولوجية المحلية في كل القطاعات، وخصوصا المجالات العسكرية التي تحمي كل الانجازات التي تحققت.

وفي هذا الإطار ركّزت إيران وفق خبراء الحروب على أسلحة الحرب الحديثة والفعالة التي تتناسب مع حروب القرن الواحد والعشرين ومن بينها الصناعات الصاروخية والطائرات المسيرة وضمان السيادة الالكترونية واقامة علاقات متميزة خصوصا مع روسيا والصين وغيرها من دول العالم.

فتداعيات الصمود الايراني الحالي انعكس ايجابا على الشعب الايراني واستقلالية القرار الايراني لتحقيق مصالح الشعب الإيراني،  في كل مجالات الحياة الاقتصادية والصناعية والزراعية وقد بدأ يتجلى ذلك من خلال الانجازات التي تحققت جرّاء عدم تنازل القيادة السياسية عن حقوق الشعب الايراني في كل المفاوضات التي جرت قبل ابرام الاتفاق النووي لعام 2015 او الجارية حاليا لترضية امريكا والكيان الصهيوني على حساب حقوق الشعب الإيراني.

كذلك سوف تتمدد تداعيات الصمود الايراني على بقية الدول العربية والاسلامية وخصوصا الدول الحليفة والمجاورة لإيران التي سوف تعيد حسابتها وتراعي مصلحة شعوبها.

 ان زمن الهيمنة الامريكية الصهيونية لم يعد كما كان، وهو في تراجع بعدما اصبحت إيران دولة محورية قوية من شانها ان تقول “لا” لأمريكان، وتصمد على مواقفها، وهذا من شأنه قد يشجع البقية على محاولة امتلاك أسباب القوة على غرار إيران.

 ومن هنا تتجلى أهمية التذكير بأهمية التمسك بقواعد القانون الدولي، لأنّ قواعده تصب في صالح كل الدول العربية والإسلامية وتتيح لها التحرر والاستقلال في اتخاذ قرارتها دون ضغوط وممارسة سيادتها على ثروتها واستغلالها وعدم استخدام القوة والتهديد بها ضدها كما ورد في ميثاق الامم المتحدة.

ان الموقف الايراني الرافض للشروط الأمريكية والتي تمسّ بالسيادة الإيرانية وهي عدم التدخل في الشؤون الداخلية لإيران تذكر من جديد الجميع والمجتمع الدولي بالحق بالتمسك بالمساواة في السيادة المنصوص عليها في ميثاق الامم المتحدة في المادة الثانية الفقرة الاولى وهي تستند الى القانون الدولي وليس الى موازين القوى العسكرية والمادية التي تعتمد عليها امريكا والعدو الصهيوني لإخضاع إيران.

ان تمسك ايران بالمساواة بالسيادة يترتب عنه الالتزام بكافة المبادئ الاساسية الواردة في القانون الدولي المذكورة في الفقرات التالية في المادة الثانية مثلما ورد في الفقرة الثالثة  بضرورة حل النزاعات بالطرق السلمية، وماورد في الفقرة الرابعة من المادة الثانية بعدم استخدام القوة او التهديد بها، والفقرة السابعة بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول هذه المفاهيم التي تضمنتها المادة الثانية، التي تجاهلتها الإدارة الأمريكية الحالية بقياده دونالد ترامب، ورفعت  شعار القوه العسكرية، كفيله بتحقيق السلام والاستقرار ومنح الاولوية لخيار الحرب على الحلول السلمية والدبلوماسية. لان القوة وفق ترامب هي التي تفرض الاستقرار الاقليمي والدولي وتكون كفيلة بإخضاع الخصوم.

 وقد بدأ في تجسيد شعار الحرب لتحقيق السلام بعد تنصيبه عندما ساند “نتنياهو” في التنصل من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، ودعمه في مواصلة حرب الابادة في غزة وتعهد بتدمير اليمن وانه سوف يرى اليمنين الجحيم إذا لم يوقفوا الحصار البحري الذي فرض على كيان الاحتلال جراء عدوانه على غزة.

وتمادى ترامب في استهتاره وخرقه للقانون الدولي من خلال تصريحات استفزازية ضد عدة دول مثل التهديد بضم كندا وغرينلاند، وبنما وهدد كوبا وكولومبيا… وكان ترامب يكرر انه انهى  سبعة حروب ليؤكد على صوابيه نهجه المبني على القوة لتحقيق السلام وخاصة بعد اختطاف رئيس فنزويلا نيكولاس مداورو، وبالتوازي مع ذلك عمدت ادارة ترامب على شن حرب اعلامية نفسية لرسم هالة من الابهار على ما تم ترويجه من إنجازات، وخصوصا ترويج صورة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مداورو وهو مكبل اليدين وكان هذا المشهد بمثابة رسالة ردع لزرع الرعب للدول الحليفة والعدوة لأمريكان، بأن  تخضع للهيمنة الامريكية وإلاّ يكون مصيرها مثل مداورو، وهذا كان له صدى لدى بعض النخب تجلت من خلال مقالات ولقاءات وحوارات اعلامية  للقول ان امريكا اصبحت قوة وحيدة عظمى، لا يمكن التصدي لها، بل ووصفوا ترامب بقيصر روما الجديد، وخصوصا بعد عمليات الإبهار العسكري والاستخباري والانجازات التكتيكية وتصريحاته المعادية للقانون الدول.

غير ان معضلة اليوم التالي، التي واجهت كل حروب ترامب تكاد تتشابه من حيث وصولها الى أفق مسدود وفشلها في تحقيق الأهداف المتوخاة منها لأنها كانت تستند على عمليات التضليل الإعلامي، ومع مرور الوقت بدى يتضح للجميع ان التصريحات الاعلامية لترامب وتهديداته لم تغير من النظام الدولي الذي يريده ترامب، ولا تقول ان امريكا قوة وحيدة جبارة تهيمن على النظام العالمي.

ومع تفجر فضائح “جيفري ابستين” وتداعيتها على النخبة في امريكا والعالم ومستوي الانحطاط الذي وصلت إلية وبقية الازمات الاجتماعية والاقتصادية لا يمكن التغطية عليها والقول ان امريكا مؤهلة لقيادة نظام عالمي جديد.

 فقد تصبح إيران الرهان والعقدة الرئيسة في نجاح او افشال كل المخططات الامريكية الصهيونية لاستبعاد القانون الدولي، والذي مازالت إيران تتمسك به، كونه الإطار الامثل لتحقيق السلم والامن الدوليين، بل وقد يشكّل صمودها منطلقا لعودة استمرار سيادة القانون الدولي كإطار أمثل لحل النزاعات الدولية بطريقة أكثر فاعلية مما كانت عليه في الماضي، لأنّ إيران في كل محطات مواجهتها مع الولايات المتحدة الامريكية تستند في تبرير التمسك بحقوقها المشروعة على مبادئ وقواعد القانون الدولي .

الخلاصة

 بخلاف ما يتم ترويجه اعلاميا من أنّنا على عتبة عصر امريكي جديد تهيمن فيه على النظام الدولي، ويفقد القانون الدولي أهميته، هذه مجرد فرضيات تم ترويجها للتغطية على الفشل والتراجع الذي تمر به أمريكا، بدليل الازمات التي تمر بها امريكا نفسها داخليا في كل المجالات، ومعضلة المديونية التي وصلت الى أكثر من 38 تريليون دولار وفضيحة ابستين، وخارجيا الفشل في حسم أي أزمة او معركة خاضها ترامب وخصوصا دعمه للكيان الاسرائيلي الذي هو الأخر فشل في حسم معركة غزة في مقابل  تمسك روسي في مواقفه تجاه أوكرانيا والتي تعكس فشلا امريكيا بالأساس في هذا الموضوع، و تزايد النفوذ الاقتصادي للصين والصمود الايراني في القبول بالإملاءات الأمريكية، والذي يمثل مختبر ومأزق بالنسبة لأمريكان في الحفاظ على  ما تبقى من مكانتها وهيبتها في العالم.

 هل مع كل هذا يمكن الحديث عن تحول في نظام دولي تتحكم فيه امريكا في غياب كلي للقانون الدولي؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق