ليبيا من الاستقلال إلى تعثر بناء الدولة: قراءة في المسار التاريخي وأسباب الأزمة الراهنة

اعداد إدريس أحميد | صحفي وباحث سياسي : 19-10-2026
ينطلق هذا المقال من سؤال مختلف عن مجرد سرد تاريخ ليبيا السياسي: ما الذي يمكن أن نضيفه إلى النقاش القائم حول الأزمة الليبية؟
فالكثير من المقالات والدراسات تناولت مراحل الاستقلال، وتغيير نظام الحكم عام 1969، وسقوط النظام عام 2011، ثم الانقسام السياسي والأمني وتعثر الانتخابات. لذلك لا تتمثل قيمة هذا النص في إعادة عرض هذه الأحداث، وإنما في محاولة الربط بينها ضمن مسار واحد يفسر كيف انتقلت ليبيا من أزمة في بناء المؤسسات إلى أزمة في شرعية الدولة نفسها.
الجديد في هذه المقاربة هو التمييز بين ثلاثة مستويات غالبًا ما تختلط في النقاش العام: جذور الأزمة التاريخية، والمنعطفات التي عمّقتها، والأسباب المباشرة التي تجعلها مستمرة حتى اليوم.
كما يحاول المقال اختبار فكرة شائعة مفادها أن المشكلة بدأت بالكامل بعد عام 2011، أو أنها تعود بالكامل إلى مرحلة ما قبلها. فالأزمة، وفق هذه القراءة، ليست نتيجة مرحلة واحدة، بل حصيلة تراكمات تاريخية كشفتها التحولات الكبرى، ولم تنجح المراحل اللاحقة في معالجتها بصورة نهائية.
والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس فقط: ماذا حدث في ليبيا؟ بل: ما الذي تغيّر في طبيعة الدولة ومؤسساتها بعد كل مرحلة؟ وهل أنتجت التحولات السياسية مؤسسات أكثر قدرة على الاستمرار، أم أعادت توزيع النفوذ من دون بناء قواعد مستقرة للحكم؟
من الاستقلال إلى بناء الدولة: 1951–1969
حصلت ليبيا على استقلالها في 24 ديسمبر 1951، وصدر دستورها في العام نفسه، وأُجريت أول انتخابات برلمانية عام 1952. وكانت الدولة الجديدة تواجه تحديات كبيرة تتعلق بضعف الإمكانات، واتساع المساحة الجغرافية، والتفاوت بين الأقاليم، والحاجة إلى بناء مؤسسات سياسية وإدارية واقتصادية حديثة.
بدأت ليبيا تجربتها بنظام اتحادي يضم طرابلس وبرقة وفزان، قبل إلغاء النظام الاتحادي عام 1963 والتحول إلى دولة موحدة. ثم جاء اكتشاف النفط بكميات تجارية، وبدأ تصديره عام 1961، ليفتح أمام الدولة فرصًا اقتصادية واسعة.
لكن أهمية هذه المرحلة لا تكمن فقط في أنها أسست الدولة الحديثة، بل في أنها طرحت مبكرًا أسئلة لا تزال حاضرة: كيف تُدار العلاقة بين المركز والأقاليم؟ وكيف تتحول الموارد الجديدة إلى مؤسسات لا إلى أدوات نفوذ؟ وهل تستطيع الدولة بناء إدارة عامة تتجاوز الولاءات المحلية والشخصية؟
لا يمكن إنكار أهمية تجربة الاستقلال في تأسيس الدولة الليبية الحديثة، كما لا يصح تجاهل ما واجهته من صعوبات وتحديات. غير أن قراءتها اليوم ينبغي أن تقوم على اعتبارها مرحلة تأسيسية تركت مسائل غير مكتملة، لا نموذجًا مثاليًا ولا فشلًا كاملًا.
فمحدودية المشاركة السياسية، والتفاوت بين المناطق، وضعف بعض المؤسسات، وطبيعة الاعتماد المتزايد على النفط، كلها عناصر تساعد على فهم تطور الدولة في المراحل اللاحقة.
تغيير عام 1969: تحولات النظام السياسي ومؤسسات الدولة
في الأول من سبتمبر 1969، تغير نظام الحكم من الملكية إلى الجمهورية، ودخلت ليبيا مرحلة سياسية جديدة. ومع مرور السنوات، شهدت البلاد تحولات واسعة في بنية السلطة والإدارة والاقتصاد، وصولًا إلى إعلان نظام الجماهيرية عام 1977.
رافق هذه المرحلة توسيع دور الدولة في الاقتصاد، وتغييرات في أنماط الإدارة والتمثيل السياسي، وتبدلات في العلاقة بين السلطة والمجتمع، إلى جانب سياسات اقتصادية وخارجية أثرت في مسار البلاد وعلاقاتها الإقليمية والدولية.
ولا تكمن أهمية هذه المرحلة في الجدل حول توصيف النظام فقط، بل في أثرها على بنية الدولة نفسها.
فهل أدى توسيع دور السلطة إلى بناء مؤسسات عامة مستقرة، أم جعل المؤسسات مرتبطة بدرجة أكبر بمركز القرار السياسي؟ وهل أدى الاعتماد على الدولة الريعية إلى تعزيز الإدارة العامة أم إلى إضعاف استقلالها؟
إن قوة الدولة لا تُقاس فقط بما تمتلكه من موارد مالية أو قدرات أمنية، وإنما بقدرة مؤسساتها على العمل وفق قواعد واضحة، وباستقلال نسبي عن الأشخاص، وبوجود آليات للمحاسبة والمشاركة وتداول السلطة.
ومن هنا، فإن دراسة الفترة الممتدة من 1969 إلى 2011 ينبغي ألا تتحول إلى مجرد إدانة شاملة أو دفاع مطلق، بل إلى تقييم لما تركته تلك المرحلة من مؤسسات وقدرات، وما أضعفته من آليات التوازن والمساءلة، وكيف انعكس ذلك عندما سقط النظام عام 2011.
عام 2011: سقوط النظام وبداية اختبار الدولة
مثّل عام 2011 منعطفًا حاسمًا في تاريخ ليبيا. فقد شهدت البلاد انتفاضة مسلحة وتدخلًا عسكريًا دوليًا في إطار قرار مجلس الأمن رقم 1973، وانتهى الصراع بسقوط النظام السابق.
لكن سقوط النظام لم يكن كافيًا لبناء نظام سياسي جديد قادر على إدارة البلاد. فقد واجهت ليبيا تحديات تتعلق بانتشار السلاح، وضعف مؤسسات الأمن، وتعدد القوى المسلحة، وعدم التوافق على قواعد مستقرة لإدارة المرحلة الانتقالية.
وهنا ينبغي التمييز بين سقوط النظام وتأسيس الدولة. فالأول قد يحدث خلال فترة قصيرة، أما الثاني فيحتاج إلى دستور متوافق عليه، ومؤسسات فاعلة، وقضاء مستقل، وأجهزة أمنية وعسكرية خاضعة للقانون، ونظام سياسي يقبل التداول السلمي للسلطة.
وفي 7 يوليو 2012، أجرت ليبيا انتخابات المؤتمر الوطني العام، وكانت أول انتخابات وطنية بعد سقوط النظام، وأول انتخابات وطنية منذ أكثر من أربعة عقود. وتوجه في ذلك اليوم أكثر من 1.7 مليون ناخب إلى صناديق الاقتراع، بنسبة مشاركة بلغت نحو 61% من المسجلين، في استحقاق وصفته المفوضية الوطنية العليا للانتخابات بأنه خطوة أساسية في بناء مقومات الدولة الجديدة القائمة على سيادة القانون والمؤسسات.
وكانت أهمية انتخابات 7 يوليو 2012 لا تكمن فقط في كونها أول استحقاق انتخابي وطني بعد 2011، وإنما في أنها مثلت أول اختبار عملي لقدرة الدولة الجديدة على الانتقال من مرحلة سقوط النظام إلى مرحلة بناء المؤسسات والشرعية السياسية. كما اعتبرها مراقبو مركز كارتر أول انتخابات وطنية في ليبيا منذ أكثر من أربعين عامًا، ومحطة مهمة في الانتقال من الحكم السلطوي إلى المشاركة السياسية.
غير أن هذا المسار لم يستمر بالاستقرار المطلوب. فبعد الانتخابات دخلت البلاد في تجارب سياسية وانتقالية متعاقبة، ولم تنجح المؤسسات المنتخبة في الوصول إلى توافق نهائي حول الدستور، وشكل الحكم، وتوزيع السلطة والثروة، ومستقبل المؤسسات العسكرية والأمنية.
ومن هنا، فإن مرحلة ما بعد 2011 لا ينبغي قراءتها باعتبارها مرحلة بدأت بسقوط النظام وانتهت بتعثر الانتخابات، وإنما باعتبارها مرحلة اختبار مستمر لبناء الدولة؛ بدأت بانتخابات 7 يوليو 2012، ثم انتقلت إلى أزمات سياسية وأمنية ودستورية متراكمة، وصولًا إلى الانقسام الذي تعمق منذ عام 2014.
وهكذا تحولت المرحلة الانتقالية من جسر للوصول إلى دولة مستقرة إلى مسار طويل تتداخل فيه المصالح السياسية والأمنية والاقتصادية.
من الانقسام السياسي إلى الانقسام المؤسسي والأمني
منذ عام 2014، دخلت ليبيا مرحلة أكثر تعقيدًا، مع تصاعد الصراع المسلح والانقسام السياسي، وظهور سلطات ومؤسسات متنافسة في الشرق والغرب، وتزايد نفوذ التشكيلات المسلحة.
وفي الشرق، برزت القيادة العامة للقوات المسلحة بوصفها قوة عسكرية رئيسية في المواجهة مع الجماعات المتشددة. وشهدت بنغازي ودرنة عمليات عسكرية ومعارك امتدت لسنوات، وقدمت خلالها تضحيات وخسائر بشرية ومادية كبيرة.
وفي الجنوب، شهدت المنطقة عمليات عسكرية ضد جماعات مسلحة وتنظيمات متطرفة ومجموعات مسلحة أجنبية، بالتزامن مع تحديات أمن الحدود والتهريب والنزاعات المحلية.
أما في الغرب، فقد استمر تعدد التشكيلات المسلحة وتداخل أدوار بعضها مع مؤسسات رسمية، وهو ما يطرح أسئلة حول احتكار الدولة لاستخدام القوة، وقدرة المؤسسات الحكومية على فرض القانون بصورة متساوية في مختلف المناطق.
إن هذه الصورة لا تعني أن الأوضاع في الشرق والغرب والجنوب متطابقة، لكنها تؤكد أن بناء الدولة لا يتحقق بمجرد وجود قوة عسكرية أو حكومة أو مؤسسة رسمية؛ بل يتطلب نظامًا وطنيًا يحدد الصلاحيات، ويوحد المرجعيات، ويخضع الجميع للقانون.
والجديد هنا هو الانتقال من وصف الانقسام بوصفه خلافًا بين مناطق أو حكومات، إلى تحليله بوصفه انقسامًا في وظائف الدولة نفسها:
من يملك قرار الأمن؟
من يدير المال العام؟
من يحدد الشرعية؟
ومن يملك القدرة على تنفيذ القرارات؟
فهذه الأسئلة هي التي تحدد طبيعة الأزمة أكثر من أسماء الحكومات المتعاقبة.
الإعمار والموارد النفطية: هل تكفي المشروعات لبناء الدولة؟
تمتلك ليبيا موارد نفطية كبيرة، وإمكانات جغرافية وبشرية يمكن أن تؤهلها لتحقيق مستويات متقدمة من التنمية. وقد شهدت مناطق مختلفة مشروعات إعمار وبنية تحتية خلال السنوات الأخيرة، مع تفاوت في حجم المشروعات ومستوى التنفيذ بين المناطق.
وتتداول بعض التقديرات أرقامًا عن امتداد المشروعات إلى نحو 80% من مساحة البلاد، لكن مثل هذه النسبة تحتاج إلى تعريف واضح لما يُقاس: هل المقصود انتشار المشروعات، أم نسب الإنجاز، أم عدد البلديات المستفيدة؟ فهذه مؤشرات مختلفة لا ينبغي الخلط بينها.
والأهم من عدد المشروعات أو اتساع نطاقها هو قياس أثرها الحقيقي على حياة المواطن:
هل تحسنت الخدمات؟
هل توفرت فرص العمل؟
هل ارتفعت كفاءة البنية التحتية؟
وهل تخضع العقود والإنفاق العام للرقابة والمحاسبة؟
فالإعمار ضرورة، لكنه لا يعوض غياب المؤسسات المستقرة، كما أن وفرة الموارد لا تضمن وحدها تحقيق التنمية.
إن إدارة المال العام بكفاءة، وتوزيع الفرص بعدالة، ومكافحة الفساد، وتنويع الاقتصاد، كلها شروط أساسية لتحويل الموارد إلى تنمية مستدامة.
وتتمثل الإضافة هنا في التمييز بين الإعمار بوصفه إنفاقًا ومشروعات، والتنمية بوصفها بناءً لقدرة الدولة على التخطيط والاستمرار وتقديم الخدمات.
فقد تنجز الدولة طرقًا ومباني، لكنها تظل بحاجة إلى مؤسسات قادرة على إدارة هذه الأصول وصيانتها وربطها بسياسة اقتصادية واجتماعية واضحة.
وفي المقابل، لا تزال معيشة المواطنين تتأثر بارتفاع الأسعار، وتراجع القوة الشرائية، ومشكلات الخدمات، والاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية. وتبقى مخاطر اختلال المالية العامة قائمة ما دامت العلاقة بين الإنفاق والإيرادات والتنمية المستدامة لا تُدار ضمن سياسة اقتصادية واضحة.
لماذا تعثرت الانتخابات وبقي الدستور دون اعتماد؟
من أبرز مؤشرات استمرار الأزمة عدم إجراء الانتخابات الوطنية التي كان مقررًا تنظيمها في ديسمبر 2021. فقد تعثرت العملية وسط خلافات حول القواعد الدستورية والقوانين الانتخابية وشروط الترشح، إلى جانب الخلاف على السلطة التنفيذية والضمانات المرتبطة بقبول النتائج.
كما أن مشروع الدستور الذي أعدته الهيئة التأسيسية عام 2017 لم يتحول إلى دستور نافذ، وبقيت المسألة الدستورية جزءًا من الخلاف السياسي الأوسع.
وهنا ينبغي أن نسأل: لماذا بقيت القضايا الأساسية المتعلقة بشكل الدولة، وصلاحيات الرئيس والبرلمان، وتوزيع الاختصاصات، وضمانات تداول السلطة، موضع خلاف طوال هذه السنوات؟
إن الانتخابات ليست مجرد عملية اقتراع، بل هي جزء من منظومة دستورية وقانونية تضمن قبول النتائج، وتحدد صلاحيات المؤسسات، وتتيح التداول السلمي للسلطة.
وإذا بقيت القواعد موضع نزاع، فإن إجراء الانتخابات وحده لا يضمن انتهاء الأزمة ما لم تقترن نتائجه بقبول سياسي ومؤسسي واسع.
وفي هذا السياق، يمثل اتفاق 30 أغسطس 2026 محطة جديدة في المسار السياسي، بعد التوافق على خطوات تتعلق بإعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات ومعالجة المسائل العالقة في الإطار الدستوري والقانوني، بما يهدف إلى تهيئة الظروف لإجراء الانتخابات الوطنية.
لكن أهمية أي اتفاق ستظل مرتبطة بقدرته على الانتقال من نصوص التوافق إلى التنفيذ الفعلي؛ أي إلى استكمال الإطار القانوني، وتهيئة الظروف السياسية والأمنية، ثم إجراء انتخابات تقبل الأطراف بنتائجها.
والجديد في تناول هذا الملف هو النظر إلى تعثر الانتخابات باعتباره نتيجة لأزمة أعمق في توزيع السلطة، لا مجرد خلاف تقني حول القوانين. فالقوى المتنافسة لا تختلف فقط على موعد الاقتراع، بل على شكل الدولة التي ستنتجها الانتخابات، وعلى الجهة التي ستملك الشرعية والموارد والأجهزة الأمنية بعد إعلان النتائج.
التدخلات الخارجية وصراع المصالح
لا يمكن فهم الأزمة الليبية بمعزل عن موقع البلاد الجغرافي، ومواردها النفطية، وأهميتها في قضايا الأمن والهجرة والطاقة، فضلًا عن تنافس القوى الإقليمية والدولية على النفوذ.
لكن من الخطأ أيضًا تفسير الأزمة كلها بوصفها نتيجة تدخل خارجي؛ فالتدخلات تجد مجالًا للتأثير عندما تكون الساحة الداخلية منقسمة، وعندما تعجز القوى الوطنية عن الاتفاق على قواعد مشتركة لإدارة الدولة.
ومن هنا، فإن معالجة هذا الجانب تتطلب موقفًا وطنيًا واضحًا من السيادة والمصالح الليبية، مع بناء مؤسسات قادرة على التفاوض مع الخارج من موقع الدولة الموحدة، لا من خلال سلطات متنافسة تبحث كل منها عن دعم منفصل.
وتضيف هذه المقاربة أن العلاقة بين الداخل والخارج ليست علاقة سبب ونتيجة في اتجاه واحد؛ فالتدخل الخارجي يمكن أن يعمق الانقسام، لكن الانقسام الداخلي يمنح التدخل أدواته ومجالات تأثيره.
ولذلك فإن تقليص النفوذ الخارجي لا يبدأ فقط بالمطالبة بخروج الأطراف الدولية، بل ببناء مؤسسات وطنية تقلل حاجة الفاعلين المحليين إلى الرعاية الخارجية.
ما المرحلة التي أسهمت أكثر في وصول ليبيا إلى وضعها الحالي؟
هذا هو السؤال المركزي الذي ينبغي أن تقود إليه الدراسة.
فهل بدأت جذور الأزمة مع ضعف بعض المؤسسات في مرحلة ما بعد الاستقلال؟ أم مع التحولات التي شهدها النظام السياسي منذ عام 1969؟ أم أن المرحلة التي أعقبت 2011 كانت العامل الأكثر تأثيرًا، لأنها لم تتمكن من تحويل سقوط النظام إلى مشروع متكامل لبناء الدولة؟
نعتقد أن الإجابة العلمية تقتضي التمييز بين ثلاثة مستويات:
أولًا: الجذور التاريخية
التي تساعدنا على فهم طبيعة المؤسسات والعلاقة بين السلطة والمجتمع، وكيف تطورت إدارة الدولة والموارد.
ثانيًا: المنعطفات الحاسمة
وهي القرارات والتحولات التي غيرت مسار المؤسسات، وأثرت في قدرتها على الاستمرار، أو جعلتها أكثر ارتباطًا بالصراع على السلطة.
ثالثًا: الأسباب المباشرة لاستمرار الأزمة
وفي مقدمتها الانقسام السياسي، وتعدد مراكز القوة، وتعثر المسار الدستوري والانتخابي، وضعف الرقابة على المال العام، واستمرار التنافس على المؤسسات والموارد.
ولا يعني ذلك توزيع المسؤولية بالتساوي على جميع المراحل أو الأطراف، بل تقييم كل مرحلة وفق الوقائع والقرارات والنتائج التي ترتبت عليها.
وتتمثل الخلاصة التحليلية في أن عام 2011 لم يصنع كل مشكلات ليبيا، لكنه أزال الإطار السياسي الذي كان يفرض على تلك المشكلات شكلًا من أشكال الانضباط. كما أن المرحلة الانتقالية لم تتعثر فقط بسبب السلاح والتدخلات، بل لأنها لم تنجح في إنتاج اتفاق مؤسسي جديد يحل محل النظام السابق.
الخلاصة: ما الجديد في هذه القراءة؟
إن الهدف من العودة إلى تاريخ ليبيا ليس استحضار الماضي من أجل الخصومة، وإنما فهم المسار الذي أوصل البلاد إلى حاضرها. فالشعوب التي لا تدرس تجاربها قد تكرر الأخطاء ذاتها، حتى وإن تغيرت الأنظمة والأشخاص والشعارات.
ولا يدعي هذا المقال تقديم سرد تاريخي جديد بالكامل، فمعظم محطاته معروفة ومتناولة في كتابات سابقة. لكن إضافته تتمثل في جمع هذه المحطات ضمن إطار تحليلي واحد، يربط بين ضعف المؤسسات، وطبيعة إدارة الموارد، وتعدد مراكز القوة، وتعثر الدستور والانتخابات، بدل التعامل معها كأزمات منفصلة.
كما يحاول المقال تقديم معيار عملي للحكم على أي مرحلة أو مشروع:
هل عزز قدرة الدولة على العمل وفق قواعد مستقرة؟
هل وسّع المشاركة والمساءلة؟
هل وحّد المؤسسات؟
وهل حسّن حياة المواطنين بصورة قابلة للقياس؟
وبهذا لا يصبح النقاش مجرد مقارنة بين عهود أو مواقف سياسية، بل تقييمًا للنتائج المؤسسية والاجتماعية التي تركتها كل مرحلة.
لقد مرت ليبيا بتجارب سياسية واقتصادية وأمنية مختلفة، وامتلكت في مراحل عديدة فرصًا كان يمكن أن تسهم في بناء دولة أكثر استقرارًا. لكن استمرار الخلافات حول طبيعة الحكم، وضعف المؤسسات، وعدم استكمال المسار الدستوري، والانقسام الأمني، والتنافس على الموارد، جعل بناء الدولة هدفًا لم يتحقق بصورة مكتملة.
ومن هنا، فإننا بحاجة إلى دراسة وطنية جادة تحدد ما الذي نجح وما الذي أخفق، وما القرارات التي أسهمت في تعميق الأزمة، وما الدروس التي ينبغي استخلاصها.
دراسة لا تقوم على التبرير أو الإدانة المسبقة، ولا تختزل التاريخ في رواية طرف واحد، بل تضع الوقائع والنتائج أمام الليبيين بوضوح.
فبناء الدولة لا يتحقق بالسيطرة العسكرية وحدها، ولا بالانتخابات وحدها، ولا بمشروعات الإعمار وحدها؛ بل بتكامل الأمن، والشرعية الدستورية، والمؤسسات الفاعلة، والتنمية، والعدالة، والمشاركة السياسية.
إن الوعي بهذه الحقيقة هو الخطوة الأولى نحو تجاوز الانقسام، واستعادة الثقة، وبناء دولة يشعر فيها المواطن بأن مؤسساتها تعمل من أجله، وأن القانون يسري على الجميع، وأن الموارد الوطنية وسيلة لتحسين حياته ومستقبل أبنائه.



