آسياأخبار العالمأمريكاالشرق الأوسطبحوث ودراسات

كيف هي المواقف الاقليمية تجاه أحداث ايران؟

بين الخشية من الانهيار والرغبة في الاستقرار

المنطقة العربية منطقة الشرق الأوسط قلب العالم اليوم يقف على شفا فوهة بركان، وفي صحراء متحركة، الامتحان اليوم لكل الدول، اختبار دقيق وصعب، ومنه يكرم المرؤ او يهان… العالم كلّه اليوم ينظر الى المنطقة والانفاس مشدودة، فمن اين نبدأ الحكاية؟

نبدأ الحكاية من “ربيع تخريبي” لكل دول المنطقة، ومن صعود تنظيم إرهابي الى الحكم، وتصاعد العمليات الإرهابية في المنطقة بأشكالها المختلفة، فليس صاحب الدقن فقط هو إرهابي بل حتى من يلبس ربطة العنق فإرهابه أخطر…

منطقة تتصاعد فيها الأعمال الإرهابية والاضطرابات والتعدي على النظام الدولي، وتجارة البشر والمخدرات والسلاح و”المافيا العالمية” كله جاهز وعلى أهبة الاستعداد للأعمال التخريبية والارهابية ومن يدفع فهو صديقنا وحبيبنا وما يطلبه نكون له جاهزين حتى ولو على حساب أوطاننا، ماذا نفعل فالعقل الفارغ والبطن الفارغ لا يفكران…

فلنذهب الى إيران والمواقف الاقليمية المضطربة بين الخوف والتشفي وبين الخشية من الانهيار وتعري الحقيقة، ولكن كلها تعيش حالة ترقب مقيت، هذه المواقف هي محور التقرير والنقاش، ومحل انظار العالم، وما رافقها من زخم اعلامي مجنون من صناع “الكذب والزخم الإعلامي الغربي الأمريكي الصهيوني وطبعا مغامرات “الشو” الإعلامي الترامبي وجوقته”.

 فبنسبة 90 بالمائة من الحملات الإعلامية الغربية مضمونها تحريض سياسي ضد النظام الإيراني باستعمال نفس المصطلحات ونفس السرديات الغربية، حملات مسعورة حاولت دفع الأحداث نحو سيناريوهات أكبر من الداخل الإيراني  ومن اقناع الخارج ان كل من يخرج عن بيت الطاعة فهو محل تتبع “معتوه العالم” والبداية كانت مع فينزويلا ومادوروا ويمكن ان تكون مع المرشد الأعلى خامنائي وربما تمتد لبعض الأمراء والملوك الذين بدؤا يفكرون في الخروج عن بيت الطاعة الترامبية.

نرجع الى إيران فالحملة المسعوبة والجنونية التي تمّ صرف مليارات الدولارات عليها بمليرات الأخبار والفيديوهات في خمسة عشر يوما، فهي تسعى وبشكل غير مسبوق للمساهمة في اسقاط نظام ومنها اسقاط دولة، ففي ايران الدولة والنظام واحد لمن لا يعرف ذلك، فالحملات الاعلامية كانت تسعى للتحكّم بالمشهد الايراني، الذي سيصل الى وضع ربما يكون اتعس من العراق ومن ليبيا ومن سوريا.

دول الخليج: ما يحدث في ايران “شأنا داخليا”

 لكن اللافت في المشهد ليس فقط ما يجري داخل إيران، بل الطريقة التي قرأت بها دول الخليج وغرب آسيا هذه التطورات، وكيف سارعت إلى ضبط خطابها السياسي بين الخشية من الفوضى والرغبة في حماية مصالحها الاستراتيجية، فلقد ادركوا تماما ان ما بين الترويج الامبريالي الاعلامي المأجور والواقع مسافة بعيدة جدا بعد السماء على الأرض وأن تصبح كل دول المنطقة هشّة وضعيفة فالكل سيصبح رهين الصهيوامريكية ولا توازن بل ربما ستفتت دولهم وتمزق.

دول الخليج وعلى رأسها المملكة العربية السعودية قد قرأت الخطر وتعلم ان الدور سيكون عندها في بيتها مباشرة، والمخطط على طاولة ترامب، فكان في البداية يسوده الحذر الشديد ليتطور بعدها مباشرة الى عدم السماح باستخدام الأجواء أو القواعد العسكرية لشن أي هجوم عسكري على إيران، واعتبار الاحتجاجات “شأناً داخلياً”.

هذا الخطاب نزل كالصاعقة على ترامب فهو كان يعوّل على أموال الخليج لتسديد تكلفة الحرب على ايران ويعوّل على الأراضي الخليجية كما فعل نظيره بوش الابن في هجومه على العراق.

 ولكن حصل ما لم يكن في الحساب، فالسعودي يدرك تماما ما تخبؤه الأيام المقبلة، بل الخليجي اليوم يدرك بأن أي انفجار داخل إيران سيحمل ارتدادات مباشرة على الاقتصاد الخليجي وعلى السياسة الخليجية، وخاصة ان السعودي بدأ يدرك ويفهم خيوط اللعبة وبدأ يشتمّ الحرية من زوايا أخرى وليست “الحرية الامريكية”، كذلك يدرك الخطر الكبير عبر تهديد حركة ناقلات النفط في مضيق هرمز، بل وسيصبح تحت ادارة “الصهيوامريكية” المتوحشة التي ترفض تماما استقلال دول الخليج والانفتاح على أية شراكات دولية أخرى، في المنطقة ولا تريد خاصة من السعودية ان تكون صاحبة الوزن الاقتصادي العسكري الاقليمي.

ولذلك، فضّلت العواصم الخليجية تثبيت أولوية “الاستقرار الإقليمي” بدلاً من الانخراط في سجال سياسي حول شرعية الاحتجاجات أو مآلاتها، بل إن الصمت الرسمي تجاه هذه النقطة كان رسالة بحد ذاته: المطلوب منع الانهيار، من أجل الاستقرار للمنطقة كاملة لا الاحتفاء به، وسقوط إيران سيكون البركان الذي سيحرق كامل المنطقة، فدول الخليج قد استفاقت على الغدر وخبث السياسات الصهيوامريكية واللعبة أصبحت لعبة بقاء ووجود بل واللعب أصبح على المكشوف مع ترامب وهو قالها لهم صراحة.

نرجع الى موضوع المواقف الرسمية والشبه رسمية والمستقلة في الخليج فكلها ترفع نفس الشعار بطريقة أو بأخرى “لا نريد رؤية الدولة الإيرانية وهي تنزلق نحو التفكك الشامل”.

الموقف التركي: العمل العسكري ضد ايران يطيح بالدولة وليس بالنظام

كذلك للقوة الاقليمية الأحرى والتي لها عداء تاريخي مع ايران تركيا، فموقفها أكثر وضوحاً في ربط التطورات بمفهوم “الدولة” لا “النظام”، فالعثماني اردوغان له رؤية أخرى وتدخل في السجال المنافسة التي يمكن أن تصل الى العداء، تركيا لا تتوقع سقوط النظام الإيراني قريباً فهو نظام عنكبوتي شديد وقوي جدا يصعب الاطاحة به لا من الداخل ولا من الخارج ولكن انقرة تطلب من اصدقائها “الترامبيين” سياسة التريث والضغط أكثر فأكثر حتى تضعف بنية النظام يعني ينصحهم بالإستنزاف الداخلي، وبالتالي أي عمل عسكري ضد ايران يمكن أن يطيح بالدولة لا بالنظام وستسصبح وقتها الكارثة الكبرى.

التركي يحذر من سقوط الدولة الايرانية، لأن تفكيك ايران سيخلق فراغا أمنيا في المنطقة التي تعاني اصلا عدم استقرار امني كالعراق وسوريا، وقد يحولها إلى ساحة حرب أهلية طويلة المدى وتكون ارتدادها على اردوغان نفسه وعلى المنطقة ككل، ما يفتح الباب أمام موجات نزوح، وانفلات حدودي، وعودة الهواجس الكردية والانفصالية بقوة على الحدود التركية.

وللعلم تركيا وكما أشرنا سابقا لا تدعم النظام الايراني بل لا تريده في المنطقة وتتمنى تغييره ولكنها في نفس الوقت تدرك خطورة الايقاع بالنظام المرتبط جذريا بالدولة وبالتالي ستفتح على نفسها أبواب جهنّم، فاردوغان بالنسبة اليه ايران هي حائط جغرافي وسياسي يمنع تسرب الفوضى نحوها.

الموقف المصري: الديبلوماسية التقليدية… الخطر اقرب من حبل الوريد

كالعادة الموقف المصري يريد الديبلوماسية ويطلب “ضبط النفس” ومنع توسع الأزمة إلى حرب إقليمية شاملة وشضياها ستكون داخل البيت المصري فهو ليس بعيد والمخطط لبلده مؤجل الى وقت محدود.

القاهرة ركزت كالعادة في خطابها المعلن، على دعم الاستقرار داخل مؤسسات الدولة الايرانية وفي في المنطقة، ورأت أن الحوار هو المدخل الأقل كلفة لمعالجة الأزمات. وفي هذا السياق قد عملت مصر قبل اندلاع الاحداث الأخيرة للحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة عبر استضافة لقاءات فنية بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، بما يشير إلى رغبة مصرية في منع أي شرارة إضافية قد تخلط الأوراق في البحر الأحمر وشرق المتوسط، حيث تمتلك القاهرة مصالح اقتصادية وأمنية حساسة وكل الأحداث لا تصب في مصلحة مصر لا المباشرة ولا غير المباشرة ومصر تحاول لعب دورها الاقليمي الهادئ ولكن التاريخ الحالي مع ترامب ونتنياهو يسجل .ان الهدؤ والديبلوماسية التقليدية هي أدوات لم يعد لها مكان في النظام العالمي الجديد والبقاء للأقوى و”المجلس العالمي الجديد” الذي بدأ ترامب في انشائه لا يعترف الاّ بالأقوياء وبالحلول الغير عقلانية ومن خارج صندوق العقل والتعايش السلمي.

الموقف الباكستاني: سياسة الوقاية خير من العلاج

الجارة باكستان التي تربطها حدود طويلة مع ايران، فهي تخشى من أن يتحوّل المشهد في باكستان الى اضطرابات وإلى فرصة لتنامي نشاط الجماعات البلوشية عبر الحدود، بما يهدد أمن إقليم بلوشستان الباكستاني ويعقد معركة الدولة مع الحركات المسلحة.

وبالتالي قررت باكستان بإلتزام الصمت الوقائي، فإسلام آباد أكدت في بيانات عامة احترام سيادة الدول ورفض التدخل الخارجي، لكنها تجنبت الدخول في تفاصيل ما يجري داخل إيران، هذا التحفظ نابع من حسابات داخلية دقيقة.

الخلاصة: الخوف الوجودي من الفوضى

الكل يتفق على مبدأ واحد وهو فتح فوهة البركان الذي ستكون عواقبه ليس على الاقليم فقط بل على العالم، الذي يكتب في اسطره اليوم، فهو واقع عالمي بدأ يمحوا خلاصة مشهد الحرب العالمية الثانية لينتقل الى حرب كونية قاتلة ومميتة، ستجرب فيها أقذر ما انتج العقل البشري من اسلحة وتكنولوجيا وذكاء اصطناعي مدمّر، والكل ينتظر في دوره من هذه الفوضى العالمية.

فالمواقف الإقليمية رغم اختلافها في اللغة والدرجة، تلتقي عند نقطة مركزية: الخوف الوجودي من الفوضى.

فحتى الدول التي لديها خصومة سياسية مع إيران تدرك تماما خطورة الوضع وتريد من ايران تنازلات ولا تريدها منهارة، بل تفضل ان تراها ضعيفة ومحاصرة في أقصى الحالات، لكنها لا تريدها منهارة تماما أو مقسمة الى اشلاء.

فالحسابات الإقليمية، تدرك تماما ان انهيار ايران وتقسيمها ليس مجرد تغيير نظام، بل انهم “دول الإقليم” سيكونون اللقمة السهلة عند “الامبرطور ترامب” بل يمكن الوضع ان يصل بهم الى إعادة رسم حدود جديدة وخرائط جديدة قد رسمت فعلا ومسبقا وتنتظر ساعة الصفر للتنفيذ، وانفجار الصراعات العرقية والمذهبية الجديدة، وتحوّل المنطقة إلى مسرح مفتوح لتدخلات أكبر.

ونحتم لنقول” الحياد خيانة لك ولدولتك قبل ان يكون خيانة للآخر… ان تبقى محايدا في هذه الظرفية فإنك كما لو تنتظر متى سيصل الحريق الى بيتك… تبقى محايد هو انك تنسى ان الدور قادم على اولادك والاجيال القادمة… وهذا لا يعني ان ترمي بنفسك في جهنم… ولكن تأكد ان الوقت الذي تريد أن تربحه قد خرج عن السيطرة وأنّ الحريق بدأ يمتد إلى ما وراء الحدود.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق