كيف تحوّلت “صداقة” واشنطن إلى فخ قاتل للأكراد في سوريا؟

قسم البحوث والدراسات الاستراتجية والعلاقات الدولية 23-01-2026
سلط تقرير لموقع “إنسايد أوفر” الضوء على العلاقة المعقدة بين الولايات المتحدة والأكراد في سوريا، مشيرًا إلى شعورهم بالخيانة بعد أن تخلت واشنطن عنهم رغم اعتمادها عليهم في الحرب ضد تنظيم الدولة.
وقال الموقع، إن الأكراد في سوريا يبدون اليوم كأنهم تُركوا وحدهم، وهو ما يعكس مصيرهم الحزين والمأساوي في سوريا؛ فقد استُخدموا في السابق كقوة وكيلة من قبل الولايات المتحدة والتحالف الغربي في الحرب ضد تنظيم الدولة، ليجدوا أنفسهم اليوم متروكين وحدهم في مواجهة تقدم قوات الحكومة بقيادة الجولاني، التي أنهت عقدًا كاملًا من الحكم الذاتي الكردي في منطقة شمال شرق سوريا، فيوم السبت، تقدمت القوات الحكومية بسرعة داخل الأراضي التي ظلت لسنوات تحت سيطرة القوات التي تقودها قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، واستولت على مدن تقع على ضفتي نهر الفرات، إضافة إلى أكبر حقل نفطي في البلاد “حقل العمر” وأحد حقول الغاز.
وتحت ضغط التقدم الحكومي في المناطق الخاضعة لسيطرة الأكراد، أعلن قائد قسد، مظلوم عبدي، يوم الأحد التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار يكرّس رسميًا اندماج الأكراد داخل الدولة، بهدف تفادي “حرب أهلية”. غير أن هذا الاتفاق، بالنسبة لكثير من الأكراد، لا يُنظر إليه بوصفه انتصارًا، بل كاستسلام مرير بعد سنوات من التضحيات في القتال ضد تنظيم الدولة وفق التقرير.
إسقاط التمثال الرمزي للنساء الكرديات
ووفقًا للموقع؛ فقد أكدت مصادر رسمية وأمنية أنه تمت السيطرة على بنى تحتية استراتيجية، من بينها حقول طاقة كانت تمثل حصة كبيرة من إنتاج سوريا من النفط والغاز، وكانت محافظة الحسكة، على وجه الخصوص، تنتج تاريخيًا ما يقارب ثلثي النفط والغاز على المستوى الوطني.
وفي حادثة رمزية جرى تداولها على مواقع التواصل الاجتماعي خلال الساعات الماضية سلّطت الضوء على حجم ما جرى خلال عطلة نهاية الأسبوع: إذ قامت القوات الحكومية بإسقاط تمثال مخصص لوحدات حماية المرأة، المقاتلات الكرديات في قوات الدفاع الذاتي، في شمال شرق سوريا. وكانت وحدات حماية المرأة، بوصفها جزءًا لا يتجزأ من قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، قد تحولت إلى رمز دولي للمقاومة الكردية ولنضال النساء من أجل الحقوق.
وقال فرهاد شامي، المتحدث باسم قسد، لقناة روداو، إن نحو 1500 عنصر من تنظيم الدولة – من بينهم أجانب وسوريون – أُطلق سراحهم على يد مجموعات مسلحة مرتبطة بدمشق من سجن الشدادي، في محافظة الحسكة.
وفي بيان عاجل صادر بتاريخ 19 يناير 2026، وجّه المؤتمر الوطني الكردستان اتهامًا مباشرًا إلى قوات الجولاني بمهاجمة الشدادي، والإفراج عن آلاف من مقاتلي تنظيم داعش، وشن هجمات على عين العرب “كوباني” – رمز المقاومة الكردية في عام 2015 ضد تنظيم الدولة – متهمًا التحالف الدولي بالجمود، وداعيًا العالم إلى إدانة ما وصفه بـ “الهجمات الإبادية”.
وذكر الموقع أن وزارة الأوقاف السورية دعت المساجد إلى الاحتفال عبر إقامة الصلوات وإطلاق التكبيرات بما وصفته بـ”الإنجازات والانتصارات” ضد الأكراد، وذلك في أجواء من الاحتفالات الرسمية بإعادة بسط السيطرة المركزية.
وقد تدخل القوات الحكومية الآن إلى الحسكة، المدينة التي يبلغ عدد سكانها نحو 420,000 نسمة وعاصمة المحافظة التي تحمل الاسم نفسه، وتُعد الحسكة مدينة ذات غالبية عربية، لكنها تضم كتلة سكانية كردية وازنة إلى جانب حضور مسيحي، وكانت تُعتبر من قبل قوات قسد – بقيادة الجنرال مظلوم عبدي – منطقة ينبغي حمايتها مع الحفاظ على قدر من الحكم الذاتي.
غير أن تلك الآمال تلاشت الآن، وتقع المدينة على مسافة تقارب 80 كم جنوب القامشلي، المعقل ذي الغالبية الكردية.
الولايات المتحدة تتخلى عن الأكراد
وأفاد الموقع أنه في هذا السياق، يبرز بشكل حاسم سحب الولايات المتحدة دعمها للأكراد، إذ لم تحرّك واشنطن ساكنًا لمحاولة وقف تقدم قوات الجولاني، وقال قائد وحدات حماية الشعب، سيبان حمو، لوكالة رويترز إن اللقاء الذي عُقد يوم السبت بين المبعوث الخاص الولايات المتحدة توم باراك وممثلي الأكراد لم يُسفر عن أي خارطة طريق ملموسة للتوصل إلى وقف لإطلاق النار.
وقد نفى حمو بشكل قاطع نية أكراد سوريا الانفصال عن سوريا أو إنشاء دولة مستقلة، مؤكدًا أن مستقبلهم يبقى ضمن الدولة السورية، قائلا: “أكبر آمالنا هو تحقيق نتيجة ملموسة، ولا سيما من جانب التحالف الدولي والولايات المتحدة، أي أن يتدخلوا بحزم وفعالية أكبر لمعالجة المشكلات الراهنة مقارنة بما يفعلونه حتى الآن”، ورغم مطالبة القيادة المركزية الأميركية لوقف الأعمال العدائية، واصلت القوات الحكومية السورية تقدمها داخل المناطق الخاضعة لسيطرة الأكراد.
خيبة أمل الأكراد
وذكر الموقع أن الحقيقة هي أن أكراد سوريا يشكّلون مثالًا جديدًا لشعبٍ جرى إغواؤه ثم التخلي عنه من قبل الولايات المتحدة في إطار حسابات جيوسياسية باردة؛ فخلال الحرب الأهلية السورية، تحالفت وحدات حماية الشعب، وقوات سوريا الديمقراطية، مع واشنطن ضد تنظيم الدولة، وقاتلت في الخطوط الأمامية لتحرير الرقة وعين العرب ومناطق أخرى، مقدّمة آلاف الشهداء، وعلى مدى فترة طويلة، علّق أكراد سوريا آمالهم على أن يؤدي سقوط بشار الأسد إلى الاعتراف الرسمي بالحكم الذاتي في منطقة شمال شرق سوريا “التي يسميها الأكراد روج آفا”.
ولكن مع صعود الجولاني “القائد السابق لـ هيئة تحرير الشام، والمدعوم من بين أطراف أخرى من تركيا”، تبدّد كل شيء؛ إذ تنظر أنقرة إلى وحدات حماية الشعب، باعتبارها امتدادًا خطيرًا لـ حزب العمال الكردستاني “بي كيه كيه” وتهديدًا مباشرًا لأمنها القومي.
أما الولايات المتحدة، فبعد أن استخدمت الأكراد كقوة وكيلة في الحرب ضد تنظيم الدولة؛ قلّصت دعمها، متقبّلةً بحكم الأمر الواقع تقدّم قوات دمشق في إطار مساعٍ لتثبيت مرحلة ما بعد الأسد.
وأشار الموقع إلى أن حالة خيبة الأمل لدى الأكراد قد بلغت ذروتها عقب الاتفاق الذي جرى توقيعه يوم الأحد، وقالت الناشطة الكردية الأربعينية هيفي أحمد لقناة فرانس 24: “لم أشعر يومًا بأن دعم الأميركيين كان صادقًا”، مشبّهة علاقة واشنطن بالشعوب بأنها “مجرد نشاط وساطة عقارية”.
وأضافت: “هذا الاتفاق يمثل خيبة أمل بعد سنوات من الأمل في أن ينص الدستور السوري على مستقبل أفضل للأكراد”.
واختتم الموقع تقريره بالتأكيد على أن ما جرى لم يكن سوى عملية إغواء أعقبها تخلٍّ؛ فالاعتماد على الولايات المتحدة ليس دائمًا صفقة رابحة، بعدما أثبتت واشنطن في أكثر من مناسبة أنها لا تتردد في ترك حلفائها السابقين في الميدان مع آمالهم، وقتلاهم، وتماثيلهم المحطَّمة. ولعل من قال يومًا كان مُحقًا: “قد يكون أن تكون عدوًا للولايات المتحدة أمرًا خطيرًا، لكن أن تكون صديقًا لها قد يكون قاتلًا”.



