أخبار العالمأمريكاالشرق الأوسطبحوث ودراسات

فشل التفوق الجوي الأميركي الاسرائيلي في تغيير مسار الحرب مع إيران

تُظهر الحرب الأميركية الاسرائيلية على إيران حدود الفرضية التي طالما رافقت التفكير العسكري الغربي منذ القرن العشرين، ومفادها أن التفوق الجوي قادر على حسم الحروب أو فرض نتائج سياسية وتوظيفها في خدمة الأجندة المرسومة. فبعد أسابيع من الضربات المكثفة وسيطرة شبه كاملة على الأجواء الإيرانية، لا تبدو المؤشرات الميدانية أو السياسية متجهة نحو تحقيق الأهداف التي طُرحت في بداية الحملة، سواء لجهة “تقويض النظام السياسي” أو إحداث تحول استراتيجي في بنية القوة الإيرانية.

هذا الواقع يعيد النقاش إلى جوهر العلاقة بين القوة الجوية والنتائج السياسية للحروب. فمن منظور عسكري بحت، تستطيع الحملات الجوية إلحاق أضرار كبيرة بالبنية العسكرية والاقتصادية للدول المستهدفة. الضربات الدقيقة، تدمير البنى التحتية العسكرية، تعطيل مراكز القيادة والسيطرة، واستهداف شبكات الصواريخ والطائرات المسيّرة كلها أدوات فعالة لإضعاف الخصم. غير أن هذه الأدوات لا تترجم تلقائياً إلى حسم سياسي، وهو ما يظهر بوضوح في الحالة الإيرانية.

تاريخ الحروب الحديثة يقدم مؤشرات متكررة على هذه المحدودية. فقد أسهم القصف الجوي في إضعاف ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية، لكنه لم يكن العامل الذي أنهى الحرب. حيث تحقق الحسم مع تقدم القوات البرية للحلفاء. وفي حرب الخليج عام 1991 سبقت الحملة الجوية هجوماً برياً قصيراً أنهى وجود الجيش العراقي في الكويت. أما في كوسوفو عام 1999، فقد ترافقت الضربات الجوية مع ضغط سياسي وتهديد فعلي بتدخل بري إضافة إلى وجود قوة محلية على الأرض. وفي ليبيا عام 2011 لم تتحول الضربات الجوية إلى نتيجة سياسية إلا مع تقدم قوات محلية ضد نظام معمر القذافي.

في ضوء هذه السوابق، تبدو الحملة الجوية الحالية ضد إيران محكومة بالقيود نفسها. قد تمنح السيطرة على المجال الجوي الولايات المتحدة وإسرائيل حرية حركة واسعة، وتتيح ضرب أهداف عسكرية وبنية تحتية. إلا أن هذه السيطرة لا تعني امتلاك القدرة على إعادة تشكيل النظام السياسي الإيراني أو فرض انهياره من الخارج.

يرتبط تفسير ذلك أولاً بطبيعة الدولة الإيرانية وبنية نظامها السياسي والأمني. فطهران لا تعتمد على مؤسسة عسكرية واحدة يمكن تحييدها بضربة مركزة، وإنما على شبكة معقدة من المؤسسات الأمنية والعسكرية. اذ أن حرس الثورة الاسلامية، الجيش، وقوات الباسيج تشكل منظومة متداخلة قادرة على الحفاظ على تماسك الدولة حتى في ظروف الضغط العسكري. هذه البنية تجعل من الصعب ترجمة الضربات الجوية إلى خلل سياسي يمكن استغلاله.

إلى جانب ذلك، تشير التجربة التاريخية إلى أن القصف الخارجي قد يؤدي في كثير من الحالات إلى نتيجة معاكسة لما تسعى إليه القوى المهاجمة. فبدلاً من تفكيك النظام السياسي، قد يعزز الضغط العسكري الخارجي تماسك النخب الحاكمة ويعيد ترتيب أولويات المجتمع حول فكرة الدفاع الوطني. هذا النمط ظهر في تجارب عديدة، حيث أدى التهديد الخارجي إلى تقليص الخلافات الداخلية وتوحيد المؤسسات الأمنية والسياسية.

في الحالة الإيرانية، لم تظهر أي مؤشرات على تصدع بنية الدولة باعتراف أميركي إسرائيلي. كما أن انتقال القيادة بعد استشهاد آية الله السيد علي خامنئي تم بسرعة داخل المؤسسات الدستورية للنظام، ما يشير إلى قدرة النظام على إدارة الأزمات الكبرى. كما أن الأجهزة الأمنية والعسكرية لا تزال تعمل بفعالية، وهو عامل هام في منع أي تغير بموازين القوى في هذه الحرب.

هناك عامل آخر يفسر محدودية الحملة الجوية، ويتعلق بطبيعة الأهداف العسكرية نفسها. فالبرنامج الصاروخي الإيراني موزع على شبكة واسعة من المواقع، بعضها تحت الأرض أو ضمن بنية صناعية معقدة يصعب القضاء عليها بالكامل عبر القصف. الأمر نفسه ينطبق على قدرات الطائرات المسيّرة والبنية الصناعية المرتبطة بها. تدمير جزء من هذه القدرات ممكن، غير أن القضاء عليها بشكل كامل يتطلب عمليات طويلة أو وجود قوات على الأرض.

كما أن الاستراتيجية الإيرانية تقوم على مبدأ الامتصاص التدريجي للضربات مع الحفاظ على القدرة على الرد. ويندرج إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة ضد إسرائيل واستهداف مواقع مرتبطة بالولايات المتحدة في المنطقة ضمن هذا المنطق. بالتالي، يكون الهدف إطالة أمد الصراع ورفع كلفته السياسية والعسكرية.

هذا البعد الاستنزافي يفرض بدوره تحديات على الولايات المتحدة. فالحروب الجوية المكثفة تستهلك كميات كبيرة من الذخائر الدقيقة والصواريخ بعيدة المدى، وهي موارد تحتاج إلى وقت طويل لتعويضها. كما أن انتشار القوات الأميركية في الشرق الأوسط لفترة طويلة يضيف ضغوطاً على البنية العسكرية في وقت تضع فيه الاستراتيجية الدفاعية الأميركية مواجهة الصين في صدارة الأولويات.

بناء على ذلك، تبدو الحرب الحالية أقرب إلى نموذج الصراع المفتوح منه إلى عملية عسكرية سريعة تحقق أهدافاً سياسية يمكن البناء عليها لتغيير الواقع على الأرض. اذ تمنح السيطرة على السماء ميزة تكتيكية مهمة، لكنها لا تكفي لإعادة تشكيل ميزان القوة داخل دولة بحجم إيران أو لإسقاط نظامها السياسي.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق