حرب أمريكا على إيران : سلال الإمداد العالمية والطاقة تغرق في جحيم الحرب …

قسم البحوث والدراسات 08/03/2026
اتسعت رقعة الحرب الأمريكية الإسرائيلية -الإيرانية عبر المنطقة خلال أيام قليلة فقط، وتتحمّل دول العالم القسط الأكبر من تبعات الهجمات الأمريكية الهادفة إلى توزيع كلفة الحرب، والضغط على واشنطن لوقف هجومها. إذ لم يقتصر الردّ الإيراني على المجال العسكري المباشر، بل شمل استهداف البنية التحتية للطاقة، ومسارات الشحن البحري وشبكات الطيران. والنتيجة أن الاستقرار الإقليمي بات مهدداً إلى جانب رأس المال الاقتصادي والمكانة الدولية التي بنتها الدول بصبر وعناية على مدى عقود.
اندلعت الحرب في لحظة يتسم فيها الاقتصاد العالمي بدرجةِ عالية من الهشاشة. فقد أدخلت الإدارة الثانية لدونالد ترامب قدراً كبيراً من الضبابية إلى النظام الاقتصادي الدولي عبر سياسات جمركية متقلّبة، ونهجٍِ يتسم بالأحادية والإكراه في السياسة الخارجية الأمر الذي أثار قلق الحلفاء والخصوم على حد سواء. وفي الوقت نفسه، لا يزال الاقتصاد العالمي يعاني تضخماً مستمراً وأسعار عالية في الفائدة، واضطرابات في سلاسل الإمداد، زادت حدّتها منذ أزمة البحر الأحمر التي فجّرتها هجمات الحوثيين المرتبطة بحرب الإبادة في غزة. واليوم، يواجه باب المندب ومضيق هرمز، وهما اثنان من أهم الممرات البحرية في العالم، خطر التعطّل في وقت واحد.
تَحمل هذه التطورات تداعيات واسعة على الاقتصاد العالمي، حيث تشهد أسعار الطاقة ارتفاعاً متسارعاً، فيما تتعرّض طرق النقل والتجارة للاضطراب، وتتزايد مخاطر الركود الاقتصادي. وتواجه الولايات المتّحدة ضغوطاً متجدّدة على كلفة المعيشة، بالتزامن مع تفاقم القلق بشأن مستويات الديون العامة. أما أوروبا، التي تعاني أصلاً من ضعفٍ في النمو، فقد تجد نفسها أمام أزمة طاقة جديدة. وبينما تبدو الصين أكثر قدرة نسبياً على امتصاص الصدمة بفضل شبكات الإمداد الداخلية واحتياطاتها النفطية الاستراتيجية التي قد تكفي لأشهر، إلاّ أنها تظل عرضة لتداعيات هذا الاضطراب العالمي.
وبالنسبة إلى دول مجلس التعاون الخليجي، تأتي الحرب في توقيت سيء للغاية، إذ تخوض هذه الدول حالياً أكثر برامج التحوّل الاقتصادي طموحاً في تاريخها الحديث. وتقوم استراتيجيات «الرؤية» التي تتبنّاها، على استثمار ثروتها الهيدروكربونية، وموقعها الجغرافي المركزي، واتساع أسواقها المحلية لجذب رؤوس الأموال الأجنبية والكفاءات، وتنويع اقتصاداتها بعيداً عن صادرات النفط، وبناء اقتصادات متقدّمة قائمة على الخدمات والمعرفة. غير أن هذه الفرضية تعتمد في جوهرها على الاست؟قرار، وهو العامل الذي وضعته أحداث الأيام الأخيرة تحت ضغط شديد، وربّما طويل الأمد.
أي سيناريوهات تتهدد العالم ؟
وفي هذا السياق، تبرز ثلاث مسارات اقتصادية رئيسة محتملة.
قد يتم التوصل إلى تهدئة سريعة خلال عشرة أيام عبر تسوية سياسية. وفي هذه الحالة، ستكون الأضرار المادية كبيرة لكنها قابلة للاحتواء. وسيُعاد فتح مضيق هرمز، وتتراجع أسعار الطاقة، وتستعيد الأسواق الخليجية استقرارها خلال بضعة أشهر. وقد تتباطأ التدفقات الاستثمارية لكنها لن تتحوّل بشكل دائم، كما أن الضرر الذي سيلحق بالسمعة سيكون قابلاً للاحتواء. غير أن هذا السيناريو يبقى الأقل احتمالاً.
أما إذا استمر النزاع أربعة إلى ستة أسابيع، مع إغلاق متقطع لمضيق هرمز وهجمات متواصلة على البنية التحتية في الخليج وإغلاق طويل لقطاع الطيران، فإن الكلفة الاقتصادية ستتضاعف سريعاً. وقد تبقى أسعار النفط فوق مستوى 100 إلى 120 دولاراً للبرميل، في وقت قد يواجه مصدّرو الطاقة في الخليج صعوبات كبيرة في إيصال صادراتهم إلى الأسواق العالمية، ما سيدفع الأسعار إلى الارتفاع الحاد. وفي هذه الحالة، من المرجّح أن يخفض كلّ من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي توقعاتهما للنمو العالمي، فيما ستواجه البنوك المركزية في الولايات المتحدة وأوروبا ضغوطاً تضخّمية جديدة في وقت لا تزال فيه أسعار الفائدة مرتفعة أصلاً. من شأن هذا السيناريو أن يعيد برامج التنويع الاقتصادي في دول مجلس التعاون الخليجي سنوات إلى الوراء. ويُعد هذا السيناريو الأكثر ترجيحاً.
أما السيناريو الأكثر تشاؤماً فيتمثل في حرب طويلة الأمد تنجح خلالها إيران في إغلاق مضيق هرمز بالكامل وتفعيل شبكاتها العسكرية في المنطقة، واستدراج دول مجلس التعاون إلى انخراط عسكري مباشر، بما ستكون له تبعات يصعب تقديرها. إذ إن خروج نحو خُمس إمدادات النفط العالمية من السوق سيشكّل صدمة غير مسبوقة في الاقتصاد لعالمي. وبالنسبة إلى الدول الخليجية، التي كانت تتوقع أصلاً اتساع العجز المالي، فإن الجمع بين الأضرار التي قد تلحق بالبنية التحتية وتراجع ثقة المستثمرين وارتفاع الإنفاق العسكري الطارئ قد يخلق ضغوطاً مالية كبيرة.



