سيناريو العدوان الأميركي على إيران: حربٌ معلّقة على حافة الاحتمالات

اعداد حسين شكرون: قسم البحوث والدراسات الاستراتجية الأمنية والعسكرية 22-01-2026
في الأسابيع الأخيرة، عاد “الخيار العسكري” إلى واجهة النقاش داخل واشنطن بوصفه احتمالًا قائماً في التعامل مع إيران، لكنه يظهر هذه المرة في صورة أكثر تعقيدًا من مجرد قرار حرب أو لا حرب. فالسردية الغربية تركّز على رفع مستوى التأهّب الأمريكي والتحركات العسكرية–الدبلوماسية المتسارعة، من دون إعلان رسمي عن ضربة وشيكة، ما يجعل المشهد أقرب إلى إدارة أزمة مفتوحة الاحتمالات، تتداخل فيها أدوات القوة الصلبة مع أدوات الضغط غير القتالي، من العقوبات إلى الهجمات السيبرانية وحتى الاستثمار السياسي في الاحتجاجات الداخلية.
لكن قراءة بنية القرار الأمريكي تكشف أن الميل نحو التصعيد لا يعني بالضرورة القدرة على تحقيق أهدافه، لأن هناك فجوة بين منطق التسويغ السياسي داخل البيت الأبيض وبين القيود القانونية والوقائع الميدانية. فالإدارة الأمريكية، وخصوصًا في خطاب الرئيس دونالد ترامب، تحاول تركيب سردية تبرر التحرك باعتباره “ردًا” على سلوك إيراني يهدد الاستقرار، أو باعتباره “ضرورة” لردع طهران قبل أن تتوسع المواجهة. غير أن التحدّي الأكبر ليس في إنتاج الذريعة الإعلامية، بل في بناء قرار قابل للحياة سياسيًا وعسكريًا، وسط بيئة إقليمية ودولية ترفض الانزلاق نحو حرب واسعة.
أول هذه التحديات يتمثل في المخاطرة بأمن الإقليم اقتصاديًا وأمنيًا، وهو قلق لا يقتصر على خصوم إيران فقط، بل يمتد إلى دول تصنَّف في العادة ضمن دائرة النفوذ الأمريكي. فبحسب المعطيات المتداولة في المقالات الغربية، تُبدي دول الخليج مثل السعودية وقطر وعُمان، إلى جانب تركيا والعراق، معارضة شديدة لأي تدخل عسكري مباشر، ليس حبًا بإيران، بل خوفًا من ارتداد الضربة على المنطقة بأكملها. هذه الدول تدرك أن أي هجوم قد يفتح باب ردود فعل إيرانية تطال القواعد الأمريكية المنتشرة على أراضيها، ما يجعلها عمليًا ساحات اشتباك بالوكالة، ويهدد أسواق الطاقة ومسارات التجارة والاستقرار الداخلي في آن واحد.
التحدي الثاني هو الاقتصاد العالمي، حيث يظل مضيق هرمز نقطة ضغط استراتيجية قادرة على تحويل أي تصعيد إلى صدمة نفطية. ارتفاع أسعار النفط، تعطّل النقل البحري، وتقلب الأسواق المالية ليست نتائج افتراضية، بل سيناريو شبه تلقائي إذا خرج التوتر عن السيطرة. في عالم يترنح أصلًا تحت أعباء التضخم وسلاسل الإمداد الهشة، فإن أي اضطراب كبير في حركة الطاقة قد يتحول إلى أزمة دولية تتجاوز إيران وأمريكا إلى أوروبا وآسيا وحتى الداخل الأمريكي.
أما التحدي الثالث، فهو الجدل الأمريكي الداخلي حول جدوى الخيار العسكري. داخل الإدارة نفسها لا يوجد يقين بأن الضربة ستنتج “نهاية سياسية” للنظام الإيراني أو تُحدث تغييرًا مضمونًا. بل إن جزءًا من النقاش يدور حول احتمال الفشل العملياتي أو تحوّل الضربة إلى سلسلة تصعيد متبادل، يجر الولايات المتحدة إلى صراع طويل لا ينسجم مع شعار “أمريكا أولًا”. المنتقدون يحذرون أيضًا من أن إسقاط النظام – إن حصل – قد لا ينتج نموذجًا “أقل عداءً”، بل ربما يفتح الباب أمام فوضى أو تشدد أكبر، أو أمام دولة فاشلة أكثر خطورة على الأمن الإقليمي.
وهنا يبرز التحدي الرابع، وهو الانقسام الشعبي والسياسي داخل الولايات المتحدة. فالناخب الأمريكي يعيش إرهاقًا متراكمًا من حروب الخارج، وهناك حساسية عالية تجاه أي قرار قد يُقرأ بوصفه مغامرة جديدة غير مضمونة النتائج. وتشير استطلاعات رأي إلى أن نسبة كبيرة من الأمريكيين تعارض عملًا عسكريًا ضد إيران، وتتمسك بضرورة العودة إلى الكونغرس قبل أي تدخل. هذا المعطى يقيّد هامش الحركة لدى ترامب، ويجعل الحرب قرارًا محفوفًا بتكلفة انتخابية، لا سيما إذا لم تكن هناك “ضربة خاطفة” تنتج مكسبًا سريعًا.
وإلى جانب القيود السياسية والاقتصادية التي تُربك القرار الأميركي، تبرز القدرات العسكرية الإيرانية كعامل ردع مباشر يحدّ من شهية أي مغامرة عسكرية. فطهران لا تقدّم نفسها كطرف قابل للضغط بالوسائل التقليدية فقط، بل كقوة تمتلك شبكة واسعة من أدوات الرد، من الصواريخ الدقيقة إلى القدرات البحرية وامتدادات النفوذ الإقليمي. هذا ما يرفع كلفة أي هجوم ويحوّله من “عملية محدودة” إلى احتمال انزلاق نحو مواجهة متعددة الجبهات.
في مقابل هذه التحديات، تقف دوافع العمل العسكري التي يتم تداولها في النقاشات الغربية، لكنها تبدو في معظمها متأرجحة بين ضعف المشروعية القانونية وضبابية الواقعية السياسية. ففكرة “انتهاء مجال التفاوض” لا تُعد بذاتها مسوّغًا لاستخدام القوة وفق القانون الدولي، كما أن فشل المفاوضات لا يعني تلقائيًا وجود تهديد وشيك يبرر الضربة. كذلك فإن الرهان على “التأثير في الداخل الإيراني” أو “ردع القمع” يواجه مأزقًا مزدوجًا: إذ لا شرعية واضحة لتدخل خارجي تحت هذه الذرائع، ولا ضمانة بأن التدخل سيؤدي إلى استقرار داخلي بدل تفجير أشمل.
ضمن هذه البيئة، تتعدد السيناريوهات الأمريكية المحتملة: السيناريو الأول هو تعزيز الردع والتحوط عبر نشر حاملات طائرات وتحريك القطع البحرية والجاهزية القتالية، وهي خطوات قد تُستخدم كأداة ضغط سياسية أكثر منها مقدمة تلقائية لضربة. السيناريو الثاني هو الانخراط غير المباشر، أي إبقاء القوات في وضع يسمح بالرد السريع إذا وقع استفزاز كبير، مع الاعتماد على أدوات مثل العقوبات والهجمات السيبرانية وتكثيف الضغط الاقتصادي. السيناريو الثالث هو التهدئة الدبلوماسية عبر وساطات خلف الكواليس تقودها دول إقليمية، بهدف شراء الوقت ومنع الانفجار الكبير. أما السيناريو الرابع فهو الضربة العسكرية المحتملة، سواء كانت محدودة أو مركبة تشمل اغتيالات وهجمات إلكترونية وأهدافًا حساسة، وهو السيناريو الأخطر لأنه قد يفتح سلسلة ردود متبادلة لا يمكن التحكم بإيقاعها.
في النهاية، لا يبدو المشهد متجهًا إلى قرار واحد حاسم، بقدر ما يبدو أنه اختبار دائم لحدود القوة الأمريكية وحدود الصبر الإيراني. واشنطن تتحرك بين ضغط الردع ومخاوف الانفجار، وبين الرغبة في تحقيق مكسب سياسي سريع وبين إدراكها أن الضربة قد تفتح أبوابًا لا يمكن إغلاقها بسهولة. أما إيران، فتقرأ هذه التحركات كجزء من حرب مركّبة لا تقتصر على الصواريخ والطائرات، بل تشمل الاقتصاد والسردية والشرعية. وبين الطرفين، تقف المنطقة على حافة احتمالات متعددة: من تهدئة مؤقتة قابلة للانكسار، إلى تصعيد محسوب، أو إلى خطأ صغير قد يشعل حريقًا كبيرًا.



