خوفا من صعود العملاق: لهذا حولت أمريكا منطقة الشرق الأوسط إلى “مخبر للحرب المفتوحة ومعرض للقدرات العسكرية”

فاتن جباري قسم البحوث والدراسات 02/02/2026
تقديم :
لطالما كان الشرق الأوسط ساحة محورية في السياسة العالمية، حيث لا تصاغ القرارات الدفاعية بوصفها خيارات عسكرية صرفة، بل تتشابك خلفها اعتبارات التاريخ والاقتصاد والطاقة وأولويات القوى الكبرى. فمنذ الحرب الباردة وحتى تشكل النظام الدولي متعدد الأقطاب اليوم، ظل هيكل الأمن الإقليمي في حالة تطور مستمر، غير أن التحول الأبرز في السنوات الأخيرة يتمثل في انتقال دول المنطقة من الاعتماد شبه الكامل على الحلفاء التقليديين إلى بناء شراكات دفاعية متعددة المسارات. وفي هذا السياق هل يدخل الشرق الأوسط فعلا مرحلة الحرب المفتوحة على أنقاض ما تخلف من حروب؟
ربما باتت القرارات الدفاعية اليوم لا تصاغ استعدادا للحرب، بل سعيا لترويج أخر مبتكرات السلاح. ولفهم هذا المشهد المتغيّر، لا بدّ من وضع الدور العسكري الأمريكي في حشد منظومته وعتاده. فانتشار القواعد الأمريكية يسهل أي تحرك عسكري فوري ضد أي دولة، غير أن الواقع أكثر تعقيدا، إذ صُمّمت القواعد الأمريكية في الخليج العربي أساسا لأغراض الردع وتوفير الذخائر للمستهلكين وإرسالها نحو حقوق الحرب من ذلك شن عمليات غزو مباشرة.
وتشير تقديرات وزارة الدفاع الأمريكية إلى وجود ما بين 35 و40 ألف جندي أمريكي في المنطقة، لكن تموضعهم يهدف إلى حفظ توازن القوى لا إلى الانخراط في حرب مفتوحة. وفي الوقت نفسه، يخلق هذا التموضع معادلة دقيقة
فأي تصعيد قد ينعكس فورا على صادرات الطاقة العالمية وكذلك الغاز والبترول والمعادن وغيرها من رؤوس الأموال، والاستقرار الاقتصادي العالمي. ولهذا تبدو بعض الدول، في فترات التوتر الأمريكي الإيراني في موقف سلبي دون حراك أو تأييد ليس حيادا بل إدارة محسوبة لمخاطر الحرب على إقتصادها الداخلي.
لقد أثرت الاتجاهات العسكرية وسياسة الحرب على مواقف الكثير من الدول من ذلك دول آسيا و أوروبا وإفريقيا علاوة على دول الشرق الأوسط. فبينما تتقارب دول منها بريطانيا والصين وإيران أو كوريا الشمالية وروسيا نحو صياغة دائمة لمفاهيم الأمن ونماذج السلامة الإقليمية .تبدو دول الشرق الأوسط في حال أشبه بالسبات والجمود أو أقرب إلى التنافر على غرار الإمارات المتحدة و المملكة السعودية .
وفي الحقيقية يطرح تساؤل مثير للجدل هل أصبحت الولايات المتحدة الركيزة الأساسية لأمن منطقة السرق الأوسط بهذا الحشد العسكري الذي طوق المنطقة من كل حدب وصوب ، ضمن إطار شمل حماية إمدادات النفط وتأمين الممرات البحرية .
لا يبدو ذلك صحيحا فالمرحلة التي عقبت الحروب الدائرة في العراق وفلسطين ومن بعدها ثورات الربيع العربي، وصراعات سوريا واليمن وليبيا ، كشفت جميعها هشاشة وتقلبات أمنية كبيرة كلما وضعت أمريكا قدمها هناك .
اليوم، يقف العالم بوضوح على أعتاب مرحلة متعددة الأقطاب، فما تزال الولايات المتحدة قوة كبرى، لكنها تحوّل تركيزها تدريجيا نحو آسيا-المحيط الهادئ والمنافسة الاستراتيجية مع الصين، فيما تنشغل أوروبا بتحدّياتها الداخلية، بينما تبرز قوى آسيوية كالصين والهند بدور أكثر فاعلية على المسرح الدولي. وفي خضمّ ذلك، لا تتراجع أهمية الشرق الأوسط الجيوسياسية، بل تتعاظم، لا سيما في سياق البحر الأحمر والخليج والمحيط الهندي، وهي شرايين حيوية للتجارة العالمية ونقل الطاقة .”طريق الحرير” المار من منطقة الشرق الأوسط والذي من إستراتيجيات أمريكا العسكرية أن تقوض فكرة الأمن هناك .
إن التمركز الإقليمي لإيران وتعاونها العسكري مع منافسي أمريكا يجعل كذلك من مضيق هرمز يحتل مكانة مركزية في هذا المشهد، فبحسب تقارير وكالة الطاقة الدولية والهيئات البحرية الدولية، يمرّ عبر هذا المضيق نحو 20 في المئة من تجارة النفط العالمية يوميا، بما يعادل أكثر من 20 مليون برميل، على متن 30 إلى 40 ناقلة. ورغم أن عرض المضيق في أضيق نقاطه يبلغ نحو 33 كيلومترا، فإن ممرات الملاحة الفعلية أضيق بكثير. وأي تحرك بحري محدود قد يربك الشحن التجاري مؤقتا، مع انعكاسات فورية على الاقتصاد العالمي.
تأتي دول آسيا في طليعة الدول التي استوعبت هذه التحوّلات مبكرا. من خلال التحوط الاستراتيجي الممتد من القرن الأفريقي إلى البحر الأحمر والمحيط الهندي توجّهها نحو نموذج دفاعي شبكي، بعيدا عن الاتكال على ضامن أمني واحد.
في الخلاصة،
فإن الوجود العسكري الأمريكي يلمح أولا وبالذات إلى معادات العملاق الصيني ومحاولة السيطرة على المنطقة بأسرها بما في ذلك مخازن الثروات وإحتكار الممرات بتعاونها مع إسرائيل-كلّها ليست مؤشرات على استعداد لحرب وشيكة، بل محاولات لخفض الصعود الأسيوي حيث تدرك أمريكا أن أي تصعيد قد يضر باقتصاداتها وصادراتها الطاقيةوثقة الأسواق العالمية. وربما تكمن السمة الأبرز لهذه المرحلة الجديدة في حكمة العملاق الصيني بالامتناع عن استخدام القوة بربط العلاقات وتوطيدها مع دول الشرق الأوسط دول غرب آسيا، لا في استعراضها.


