حرب الارتباك والاستنزاف والتصعيد والوعيد والنتيجة ستكون لمن يضبط ايقاعها

إعداد الدكتورة بدرة قعلول رئيسة المركز الدولي للدراسات الاستراتجية الأمنية والعسكرية 25-03-2026
يعيش العالم اليوم نموذج حرب جديدة، فهذه الحرب قد تجاوزت التصعيد والتهديد والهجمات المدروسة والذكاء الإصطناعي، أنه النموذج الجديد لصراع مُدار تتداخل فيه الأدوات العسكرية مع الضغوط الاقتصادية، مع الحسابات السياسية، وتتقدّم فيه الدبلوماسية والمفاوضات على أوتار الصواريخ والطائرات والهجومات والنتيجة في هذا السياق، لم يعد السؤال من المنتصر في هذه الحرب الشبه هجينة ولم يعد السؤال كذلك متى تتوقف هذه الحرب، بل الواقع يفرض ايقاعا جديدا وهي من يمتلك القدرة على فرض إيقاعها وشروط نهايتها، وليس بالضرورة من بدأها ينهيها لأن الايقاع قد تجاوز كل الحسابات التقليدية وكل الجبهات قد فتحت وقد تلحقها جبهات أخرى لا يقدر أي الطرفين ايقافها…
واقع الحرب اليوم يجبر الولايات المتحدة الأمريكية على البحث عن التهدئة فكل حساباتها واستخباراتها وتقديراتها للموقف اصبح في حالة من الارتباك، وترامب لا يحب الخسارة، فهو مقامر تعود الربح بكل الطرق، ومع إيران وجد الطرق كلها ألغام والهزيمة أصبحت قريبة جدا منه بمعاييرها الجديدة، وبالتالي أصبحت الديبلوماسية الترامبية تتحرك عبر طرح لقاء محتمل بين جي دي فانس ومحمد باقر قاليباف بعد ان كان يسخر ويقول لا يجد قادة نتفاوض معهم فلقد قتلناهم كلهم، ولحفظ ماء وجهه مع انه لا يأبه لذلك ظهرت هذه المبادرة الأمريكية التي تبدو شكليًا محاولة لخفض التصعيد مع ان باطنها كله مرواغات وكذب وربح للوقت يعني في المجمل هي تكتيك جديد قد فرض على ترامب.
فهل تنجح مبادرة مرتبكة وليس لها أساس ثقة؟
القراءة الأولى تقول أن السياق الفعلي يعكس إدراكًا متزايدًا لدى إدارة ترامب بأن استمرار المواجهة المفتوحة يفرض كلفة استراتيجية يصعب احتواؤها، ورقعة النار بدأت شضاياها تحرق الجميع. وترامب لا يمكنه الاستمرار، وبالتالي التكتيك الجديد لغرفة عمليات البيت الأبيض تقول: يجب ايجاد التهدئة ولا يجب ان نبحث عن قيادتها كما يريد ترامب. فهناك مسافة بين ما نريده وبين الواقع الفعلي لأصوات نيران الحرب… التكلفة كبيرة جدا حتى ولو نحن المنتصرون وحتى ولو هيبة أمريكا في الميزان، هذه الحرب ليست الحرب التقليدية ولا يوجد فيها منتصر ولا توجد فيها جبهتين فكل الجبهات مفتوحة وقابلة للاشتعال والحسابات ليست كما خططنا وليست كما نريد… بعبارة أكثر دقة: الولايات المتحدة لا تقود التهدئة، بل تبحث عنها في وقت تتصاعد فيه كل الجزئيات التي يتربع عليها الشيطان.
في المقابل، تكشف المعطيات الميدانية عن مسار أكثر حدة وخطورة وشراسة، فلقد استهدفت هجومات أمريكية–إسرائيلية منشآت طاقة حيوية في أصفهان وخرمشهر، شملت مرافق الغاز وخطوط الإمداد المرتبطة بإنتاج الكهرباء وهي طبعا وكالعادة عملية “غدر” صهيوامريكي لجس النبض الايراني واستدراجها، وكذلك يعتبر هذا التحول في بنك الأهداف من المواقع العسكرية إلى البنية التحتية الحيوية هو مؤشر خطير ويؤكد على انتقال الصراع نحو استهداف “القدرة على الاستمرار”، أي العمود الفقري الاقتصادي للدولة وهذا كذلك مؤشر على أكاذيب ترامب بأنهم قد قضو على البنية العسكرية الايرانية وانهم فازوا في الحرب بل هو انتقال من خسارة الحرب الى جرائم الحرب الدولية لأنّ الصهيوامريكي لا يحترم القانون الدولي والخسارة عنده تتحول قذارة وتجاوز للمحرمات، والشرعية الدولية إن وجدت أصلا.
طبعا ونحن ننتظر مهلة الخمسة أيام التمويهية والغير واقعية نؤكد على أنّ هذا النوع من الاستهداف لا يمر دون تداعيات خطيرة ومباشرة. فبينما قد يحقق تأثيرًا تكتيكيًا على المدى القصير، فإنه يرفع في المقابل سقف الردود المحتملة ويُوسّع دائرة الاشتباك وهذا ما تأكد للجميع من أن ايران لا تمتص الضربة فقط بل ترد بأشرس منها وترامب ونتنياهو يعلمون ذلك ويريدون الإستثمار في الإستدراج ويرفضون الاستنزاف وهذه المعادلة لم يفكوا رموزها بعد وكل حلفاء أمريكا التقليديين خاصة الأوروبيون رفضوا الانخراط في الحرب وقالوا ليست حربنا وهذا تفصيل مهم جدا في هذه الحرب فقد بدأها ترامب على أمل جر الجميع للمستنقع.
الآن وفي هذه الأيام إيران تتحرك على جميع المستويات وأبرزها التحذيرات للمنطقة، فقد حذرت بإخلاء مناطق واسعة في شمال فلسطين المحتلة، كذلك كثفت الضغط غير المباشر على الجبهة الشمالية لـ”إسرائيل”، استهداف لبعض مواقع الطاقة في الخليج، البيانات والأخبار المرعبة للحلف الأمريكي وغيرها من التحذيرات ولكنها وبحسب التقديرات ليست ردود حاسمة وسريعة ولكنها تبقى ضمن الاستراتجية الصبر الايراني والاستنزاف المتدرج والانهاك النفسي للعدو.
وهنا تتباين الاستراتجية المركزية للصراع، فالحرب اليوم أصبحت فيها المعادلة قاسية جدا على الأمريكي الذي يحاول إدارة الأزمة بكل الطرق الموضوعية والغير موضوعية، على عكس الإيراني الذي يعتمد معادلته الخاصة، فهو يدير الزمن بحنكة ستدرّس مستقبلا في تاريخ الحروب القرن 21.
طهران تراهن على الزمن المحسوب وإطالة أمد الاشتباك والاستنزاف بأقل التكلفة وقد نجحت الى حد اليوم، بحيث يتحوّل عامل الزمن إلى أداة ضغط سياسية واقتصادية يربك الولايات المتحدة وخاصة ترامب الذي دخل للحرب لمدة خمسة ايام أو أسابيع قليلة ينجز مهامه ويخرج بإنتصار تاريخي، ولكن تجري الأيام والأسابيع بما لا يشتهي ترامب.
فكل يوم إضافي دون حسم وبتلكؤ استراتجي أيراني يراكم أوراق الضغط ويرفع سقف التفاوض وعلبة الأرشيف يضاف أليها أوراق تفاوضية جديدة. اما الطرف المقابل فترامب ومجموعته يجدون أنفسهم أمام معضلة معاكسة: فالأزمة تتفاقم والتوقيت يعمل ضدّ حساباتهم، وخاصة فاتورة التكلفة ترتفع وبشكل مرعب ومخيف دون انتصار حاسم، لأن جزئيات الانتصارات الصهيوامريكية تندثر وسط غبار موجات الهجومات البالستية الإيرانية، وهو ما يفسر الارتباك في سلوك ادارة ترامب فيوم يعلنون التهدئة ويوم التصعيد ويوم يعلنون الانتصار ويوم يعلنون التفاوض وغيرها من السلوكات المتناقضة والإيراني يبدوا هادئا صبورا ينفذ وعوده ويتجاوز “أكذيب” ترامب وتصريحاته العشوائية ليربح ميدان الحرب النفسية والإعلامية في توقيت قاتل لترامب.
فالمثال الذي تستحضره كل وسائل الإعلام والخبراء هو التناقض الميداني الذي يتجلى بوضوح في موقف ترامب، فهو يعلن مهلة الخمسة أيام لخفض التصعيد، بينما تتواصل التحضيرات العسكرية وتُطرح خيارات هجومية في الخلفية واكتساح بري وفتح لمضيق هرمز وغيرها من التصريحات والوقائع، والخبراء والمحلليلين والإعلاميون يتمايحون مع تصريحاته بين الإعجاب والتعجب.
هذه الازدواجية بين التصريحات والاستعدادات العسكرية لا تعكس “استراتيجية عسكرية لدولة تدعي أنها الأقوى في العالم، بل هي مؤشر صريح عن ارتباك وضياع في القرار وخاصة في الحسم فهو بحسب الرؤية الإستراتجية هو تصعيد بلا هدف سياسي واضح ولا تحدي ولا رهان، وتهدئة بلا أدوات تنفيذ كافية، وفي المقابل الإيراني يدرك تماما هذا الارتباك ليس لدى الأمريكي والصهيوني فقط ولكن كذلك لدى حلفاءهم في المنطقة، ولهذا تجدهم يسعوان ويضغطون لإنهاء الحرب.
منذ البداية كان ولا يزال الخطاب الإيراني أكثر واقعية واتساقًا مع ما يحدث ميدانيا، فمثلا تصريحات محسن رضائي التي تربط إنهاء الحرب برفع العقوبات وتعويض الخسائر، تضع إطارًا تفاوضيًا صريحًا وواقعيا للحرب وفي المقابل الأمريكي وخاصة ترامب يضع بنود التفاوض الغير مقبولة والغير واقعية بالرغم من انه هو من يريد التفاوض وانهاء الحرب، بالنسبة للإيراني اصبحت الحرب وسيلة لإعادة تشكيل شروط العلاقة مع الخصم الذي يعتبر الحرب هدفا وبالتالي المعادلة الامريكية في ادراج الريح.
اما المستوى الإقليمي فهو في ارتباك أكثر من قائدهم الصهيوامريكي، فهم اليوم يتحركون ديبلوماسيا ويدخلون في الحرب بلعب دور الوسيط لمنع الانزلاق نحو مواجهة شاملة، فهم أدركوا ان الأمريكي لن يحميهم وسيتركهم في الملعب وحدهم وامام الصواريخ والمسيرات الايرانية كما ترك دول الخليج تتخبط وحدها بل سحب الدفاعات ليعطيها لإسرائيل.
زعماء المنطقة اليوم يرددون في باطنهم مقولة “المتغطي بالأمريكان عريان” ولهذا وبعد دخول الحرب الى أسبوعها الرابع والإسرائيلي “يتألم” وكل المؤشرات تقول أن دورهم قادم كما وعدهم نتنياهو. فهاهي التحركات، مصر وتركيا وباكستان تعكس إدراكًا بأن انفلات الصراع سيؤدي إلى إعادة رسم خرائط النفوذ بشكل جذري، مع انها قد رسمت الخريطة منذ يوم 28 فبراير 2026.
والسؤال هل تحصل التهدئة فعلا وهل ضغط هذه الدول سيفرض نتيجة؟
الواقع العسكري في الداخل الإسرائيلي، أصبح أكثر تعقيدا كما أشرنا سابقا، فإسرائيل اليوم تواجه مصيرا ميدانيا عسكريا معقدا والضغط يتصاعد على الجبهة الشمالية، إلى جانب التهديدات التي تطال العمق الاستراتيجي وانا أكتب الآن في التقرير والهجومات الصاروخية البالستية الإيرانية تمطر سماء اسرائيل قرب مفاعل ديمونة، وهذا يضع منظومة الردع أمام اختبار غير مسبوق.
ومن ناحية أخرى تتواتر الأخبار من الداخل السياسي الاسرائيلي فهناك مؤشرات على توتر داخلي سياسي ومجتمعي يتزايد مع طول أمد المواجهة، وهو ما قد ينعكس على قدرة صانع القرار الاسرائيلي على الاستمرار في إدارة حرب مفتوحة دون أفق واضح.
كما كان ولا يزال في قطاع غزة فكل الأهداف قد سقطت والمقاومة الفلسطينية لم تسلم سلاحها والمقاومة في لبنان كذلك تكبدهم خسائر وتعبث بقدراتهم العسكرية وألتهم العسكرية المتطورة جدا، والنتيجة الحرب لا تزال مفتوحة ولم تدخل بعد في مراحلها المتقدمة ولم تكشف عن اسراراها بعد، ربما اليوم نحن أمام جولة أولى من الحرب المفتوحة.
سيناريوهات المرحلة القادمة:
السيناريوا الأول
السيناريوا الأرجح والأقرب للواقع هو استمرار حرب الإستنزاف حيث تبقى المواجهة ضمن حدود محسوبة دون انفجار شامل، وهذا ما سيجعل ترامب وإدارته في مأزق كبير مع اقتراب الانتخابات النصفية الأمريكة وهناك احتمالات لفتح أمريكا جبهة جديدة في قفزة الى الأمام في افريقيا ربما تحقق مجموعة ترامب فيها انتصارا سريعا وسهلا والأقرب سيكون الملعب في نيجريا وفي ليبيا.
السيناريوا الثاني:
بالنسبة للسيناريوا الثاني وهو مستبعد كثيرا مع أنه مقترح من الخارجية الأمريكية امضاء اتفاقية سلام مع إيران وبوساطة صينية ومنها تتمّ عملية تجميد القتال دون معالجة جذوره، مع خطط استنزاف للقيادات والنظام الإيراني عبر العملاء والإخترقات حتى ينهار من الداخل مع مراعاة الزمن الطويل.
السيناريوا الثالث
السيناريو الثالث والتي تخشاه كل قيادات المنطقة المهددة في عروشها وكراسيها هو سيناريو فعلا مخيف وهو انفلات واسع النطاق نتيجة خطأ حسابي أو استهداف بالغ الحساسية، وهو السيناريو الأخطر رغم انخفاض احتماله النسبي. والكل سيخرج خاسرا من هذه الحرب التي ستطال كل العالم ووربما ستفتح جبهات عالمية يصعب انهائها والتحكم فيها.
الخلاصة:
كل ما يحدث اليوم في “قلب العالم” منطقة الشرق الأوسط يشير الى نتيجة واحدة:
أنّ النظام الإقليمي والخريطة الإقليمية قد انتهت وتآكلت وبعد نهاية الحرب ستضع الخريطة الجديدة أوزارها، والمعادلات السياسية والعسكرية كالردع الأحادي والتفوق العسكري المطلق والكذب وتزوير الواقع بألة الإعلام قد انتهت، فالعالم اليوم ومن خلال هذه الحرب المركبة يكتب آخر اساطير القوة التي لا تهزم والحتمية التاريخية ترجع لتؤكد على أنّ الدورة الحياتية لكل امبراطورية تصل القمة لتنتهي مباشرة على ايادي قوى صاعدة، ربما تكون أضعف منها بكثير، ولكن الحتمية التاريخية ترفض معادلة القوى التي لا تهزم، “فكل من عليها فان والى زوال، والعقيدة والايمان وحده من يتجاوز الآلة، فالإنسان هو الأقوى وليست الآلة.
ولو نرجع قليلا للتاريخ فسنجد صورة الولايات المتحدة في الأمبراطوريات العظمى في التاريخ، مثل البيزنطيين والرومان وغيرهم كثير، فلقد بدأت هزيمتهم ليس بالإنسحاب وإعلان الهزيمة أنما بفقدان القدرة القدرة على فرض الإيقاع منفردة، فإيران اليوم لا تحسم اللعبة عسكريًا، لكنها تنجح في إعادة تشكيل قواعد اللعبة تدريجيًا وبضبط الإيقاع الجديد. أمّا هذا الكيان المسقط في المنطقة الشرق الأوسط “إسرائيل”، تجد نفسها في بيئة استراتيجية أكثر تعقيدًا وأقل قابلية للضبط، بالرغم قوتها العسكرية التي لم تنفعها.
وكما بدأنا تقريرنا منذ البداية هذه الحرب لا تُقاس بمن سينتصر عسكريا وميدانيًا فقط، بل بمن ينجح في فرض تعريف جديد للنصر وبمن يضبط ايقاع الوقائع على جميع المستويات سياسيا عسكريا واقتصاديا. ومن هذه الوقائع الميدانية والتعقيدات والتشابكات على جميع المستويات يبدو أن الصراع دخل بالفعل مرحلة إعادة كتابة قواعد الحروب الحديثة التي طالما كتب عنها، ولكن الواقع قد عدّلها وتجاوز فصول من كتبها ونظّر اليها نحن اليوم أمام واقع يفرض ايقاعه وحتمية تاريخية لابدّ منها فالإنسانية اليوم في خطر والتاريخ يرفض واقعا يكتبه الروبوت فالإنسان هو اساس هذا الكوكب.



