أخبار العالمأمريكابحوث ودراسات

ترامب يفتتح مجلس السلام: استعراض لا يحمل مصداقية

مع انعقاد الجلسة الأولى لـ”مجلس السلام” في الولايات المتحدة، دخل مشروع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن غزة طور التنفيذ، بعد أشهر من طرحه سياسياً واعتماده دولياً بقرار مجلس الأمن رقم 2803 الصادر في نوفمبر عام 2025.

وهو الحدث الذي يعد محاولة لإعادة هندسة إدارة مرحلة ما بعد الحرب عبر إطار جديد يتجاوز الآليات التقليدية للأمم المتحدة، ويمنح واشنطن موقع القيادة المباشرة. رغم شبه الاجماع على عدم التفاؤل بما ستؤول إليه المقررات الخارجة عنه، لأن المشكلة في أساسها لم تكن بإيجاد مصادر التمويل إنما بجدية واشنطن وجدية ضغوطاتها على إسرائيل لايقاف الحرب وإدخال المساعدات.

من الناحية الشكلية، قدّم الاجتماع إعلاناً لانهاء الحرب، تخصيص 10 مليارات دولار من الولايات المتحدة، تعهدات عربية وخارجية بمليارات إضافية، وإطلاق مسار لتشكيل قوة استقرار دولية. كما جرى تثبيت البنية التنظيمية للمجلس بوصفه أحد أربعة أطر تدير المرحلة الانتقالية، إلى جانب لجنة وطنية لإدارة غزة، ومجلس تنفيذي، وقوة أمنية متعددة الجنسيات.

غير أن القراءة المتأنية تكشف عناصر أكثر تعقيداً. فالمجلس يتمحور حول شخصية رئيسه. يتمتع ترامب بسلطة دعوة القادة أو استبعادهم، وبحق النقض على القرارات، مع إمكانية الاستمرار في رئاسته حتى بعد مغادرته البيت الأبيض.

كذلك فُتح باب العضوية الدائمة مقابل مساهمة مالية قدرها مليار دولار، ما يضفي على المجلس طابعاً انتقائياً قائماً على القدرة التمويلية بقدر ما هو قائم على التمثيل السياسي. هذه الصلاحيات تطرح سؤالاً حول طبيعة الحوكمة داخل المجلس، ومدى استقلاله عن الإرادة الأميركية المباشرة.

في الجانب الأمني، يرتكز المشروع على نزع سلاح حركة حماس وتشكيل شرطة انتقالية وقوة استقرار دولية. وقد أُعلن عن استعداد دول عدة لإرسال قوات، مع تعهد إندونيسيا بأكثر من ثمانية آلاف عنصر. غير أن المسار الأمني يواجه معضلتين، أولاهما استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية رغم سريان وقف إطلاق النار منذ 10 أكتوبر، وثانيهما غياب ضمانات واضحة لانسحاب إسرائيلي كامل من المناطق التي تسيطر عليها داخل القطاع. في ظل هذه المعطيات، يصبح نشر قوة دولية رهناً ببيئة ميدانية لم تستقر بعد.

اقتصادياً، تبدو الفجوة بين الأرقام لافتة. التعهدات المعلنة، بما فيها المساهمة الأميركية، تبقى دون التقديرات الأممية التي تضع كلفة إعادة الإعمار عند نحو 70 مليار دولار، بعد دمار طال قرابة 90% من البنى التحتية المدنية. كما أن جزءاً من التمويل مخصص لميزانية المجلس نفسه وهياكله، ما يحدّ من الموارد المتاحة مباشرة لإعادة البناء والخدمات الأساسية. في الوقت ذاته، تستمر القيود على إدخال الغذاء والدواء والمستلزمات الطبية، فيما يعيش نحو 1.5 مليون نازح ضمن مجتمع يبلغ تعداده 2.4 مليون نسمة تحت حصار ممتد منذ أكثر من 18 عاماً.

سياسياً، يثير المجلس تساؤلات حول موقعه من النظام الدولي القائم. غياب قوى أوروبية كبرى عن الجلسة الأولى يعكس تحفظاً على إنشاء إطار موازٍ قد ينافس الأمم المتحدة في إدارة النزاعات. في المقابل، تسعى واشنطن إلى تقديم التجربة بوصفها نموذجاً قابلاً للتعميم على أزمات أخرى، وفق ما ألمح إليه وزير الخارجية ماركو روبيو. هذا الطموح يعكس توجهاً لإعادة تشكيل آليات الحوكمة الدولية عبر منصات تقودها الولايات المتحدة وتتحكم بإيقاعها.

على المستوى الإسرائيلي، شاركت تل أبيب بتمثيل أقل من مستوى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ما فُسر برغبة في إبقاء هامش المناورة مفتوحاً، خاصة في ما يتعلق بملف الانسحاب وربط الإعمار بنزع السلاح. استمرار الهجمات شبه اليومية يضيف عنصر ضغط على أي ترتيبات انتقالية، ويجعل اختبار النوايا مرتبطاً بالوقائع الميدانية أكثر من البيانات السياسية.

دشّن الاجتماع الأول مساراً جديداً لإدارة غزة، مدعوماً بغطاء قانوني دولي وتمويل أولي. غير أن تركيز الصلاحيات، وشروط العضوية، والفجوة التمويلية، واستمرار التوتر الميداني، كلها عوامل تغذي الشكوك حول قدرة المجلس على التحول إلى إطار مستدام للحكم الانتقالي.

ويعطي صورة واضحة على أن المجلس في أحسن الأحوال هو قادر على ادخال بعض المساعدات بينما سيفشل في تحقيق الهدف الأول: تحقيق السلام في غزة دون ايقاف إسرائيل عن المضي في إبادتها الممنهجة ضد الشعب الفلسطيني.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق