بعد عشر سنوات.. الصين ومصر على طريق “الإنجاز المتبادل”

قسم البحوث والدراسات الاستراتجية 30-09-2026
“من يشرب من مياه نهر النيل، يعود إليه مرة ثانية.” قبل عشر سنوات، عندما زار الرئيس شي جين بينغ مصر لأول مرة بصفته رئيسا للصين، استشهد بهذا المثل المصري ليعبر عن تطلعه للصداقة الصينية- المصرية. في مساء الأول من سبتمبر عام 2026 بالتوقيت المحلي، وبينما كانت نسائم مساء ضفاف النيل تهب مجددا على مدرج مطار القاهرة الدولي، ترجل الرئيس شي جين بينغ وعقيلته بنغ لي يوان من الطائرة الخاصة، وتقدم الرئيس عبد الفتاح السيسي وعقيلته انتصار السيسي لاستقبالهما، ليتحقق بذلك “الوعد على ضفاف النيل” الممتد عبر عشر سنوات، في عام يصادف الذكرى السنوية السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين ومصر.
ازدانت شوارع القاهرة بأعلام الصين ومصر وصور رئيسي البلدين، فالمدينة بأكملها تستقبل هذا الصديق القديم القادم من بعيد. من استقبال الرئيس السيسي وعقيلته في المطار، إلى إطلاق المدفعية إحدى وعشرين طلقة ترحيبا بوصول الرئيس شي إلى قصر الاتحادية، واصطفاف حرس الشرف والخيالة، رحبت مصر بضيفها بأرفع مراسم الضيافة، لتظهر الثقل الخاص للصداقة الصينية- المصرية الممتدة عبر سبعين عاما. وقال الرئيس شي في كلمة مكتوبة ألقاها في المطار: “على مدى سبعين عاما من العلاقات الدبلوماسية، ومهما تغير المشهد الدولي والإقليمي، ظل البلدان يتكاتفان ويتعاونان بروح المنفعة المتبادلة، ليصبحا نموذجا يحتذى به في التعامل الودي والتضامن والتعاون بين الدول النامية.” وخلال هذه الزيارة، تبادل رئيسا البلدين الأحاديث الودية وبحثا سبل التعاون، ورسما معا خطوطا عريضة جديدة للشراكة الإستراتيجية الشاملة بين الصين ومصر.
سبعون عاما من المسيرة المشتركة ودبلوماسية القادة تقود العلاقات إلى مستوى جديد
مصر هي أول دولة عربية وأفريقية اعترفت بجمهورية الصين الشعبية. وقد مهدت الرؤية الثاقبة للأجيال السابقة من القادة في الصين ومصر قبل سبعين عاما الطريق أمام الصداقة والتعاون بين الصين الجديدة والدول العربية والأفريقية. على مدى سبعين عاما، وعلى الرغم من تغيرات المشهد الدولي، ظلت العلاقات الصينية- المصرية في طليعة علاقات الصين مع الدول العربية والأفريقية، والسر الأساسي في ذلك يكمن في التوجيه الإستراتيجي من رئيسي البلدين.
منذ عام 2014، التقى الرئيس شي والرئيس السيسي أكثر من عشر مرات في مناسبات ثنائية ومتعددة الأطراف، وقررا معا رفع العلاقات الصينية- المصرية إلى مستوى الشراكة الإستراتيجية الشاملة، وقادا العلاقات الثنائية لتحقيق قفزة تنموية. وفي عام 2024، أصبحت مصر أول دولة عربية تدرج هدف بناء مجتمع المستقبل المشترك في البيان المشترك للعلاقات الثنائية، ليتعمق بذلك المضمون الإستراتيجي للعلاقات الصينية- المصرية. وفي مستهل هذه المحادثات، لخص الرئيس شي السمات الفريدة للعلاقات الصينية- المصرية عبر سبعين عاما: المساواة والثقة المتبادلة، والصداقة والتعلم المتبادل، والتآزر والتضامن، والتعاون المربح للجانبين.
وبالنظر إلى نتائج المحادثات، فقد رسخت هذه الزيارة ثلاثة ارتفاعات جديدة غير مسبوقة في العلاقات الصينية- المصرية، كل منها يرتبط ارتباطا وثيقا بالتوافقات التي توصل إليها رئيسا البلدين:
قفزة جديدة في تحديد مستوى العلاقات
أصدر رئيسا البلدين معا ((البيان المشترك بشأن مواصلة تعميق الشراكة الإستراتيجية الشاملة))، واتفقا على ترقية العلاقات الثنائية من ثلاثة أبعاد: أولا، مواصلة المحافظة على التبادلات الرفيعة المستوى وزيادة تعزيز التنسيق الإستراتيجي؛ ثانيا، توطيد التعاون المتبادل المنفعة في شتى المجالات بين البلدين؛ ثالثا، تعزيز التنسيق بشأن قضايا الحوكمة العالمية والدفاع عن مصالح الدول النامية والجنوب العالمي. وأشار الرئيس شي بوضوح إلى أنه ينبغي على البلدين دعم بعضهما البعض وتعميق التعاون ومواصلة دفع بناء مجتمع المستقبل المشترك بين الصين ومصر، محددا بذلك الاتجاه العام للعلاقات الصينية- المصرية في السبعين عاما المقبلة.
فتح مسارات جديدة في مجالات التعاون
عندما زار الرئيس شي مصر لأول مرة في عام 2016، توصلت الصين ومصر إلى توافق حول البناء المشترك لـ”الحزام والطريق”، وأصبحت مصر من أوائل الدول التي انضمت إلى مبادرة البناء المشترك لـ”الحزام والطريق”. على مدى عشر سنوات، تعاون الجانبان لبناء معالم بارزة مثل أطول مبنى في أفريقيا، وأول خط سكة حديد كهربائي خفيف في أفريقيا، ومنطقة التعاون الاقتصادي والتجاري الصينية- المصرية (تيدا) بالسويس، مما وفر عشرات الآلاف من فرص العمل والعديد من مشروعات تحسين سبل العيش “الصغيرة والنافعة” التي تعود بالنفع على المواطنين العاديين، وجعلت ثمار التعاون تصل فعلا إلى شعبي البلدين.
وفي الوقت الراهن، تشهد الخطة الخمسية الخامسة عشرة في الصين بداية جيدة، فيما يمضي بناء “الجمهورية الجديدة” في مصر قدما بزخم كبير، وخلال هذه الزيارة حدد رئيسا البلدين الاتجاهات الجديدة للتعاون: على أساس إطلاق إمكانات التعاون في المجالات التقليدية مثل تطوير البنية التحتية، والتركيز على خلق معالم جديدة في التعاون في الطاقة الخضراء والمركبات الكهربائية والفضاء الجوي والاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا الزراعية الحديثة. كما نص البيان المشترك بوضوح على مساعدة مصر لتصبح مركزا إقليميا للصناعة واللوجستيات والطاقة النظيفة والاقتصاد الرقمي يربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، وتوسيع التعاون في المجالات العالية التقنية مثل الحوسبة السحابية ومراكز البيانات وسلاسل توريد المعادن الحرجة، ليرتفع بذلك “المحتوى التكنولوجي” للتعاون الصيني- المصري واستقلاليته التنموية إلى مستوى غير مسبوق.
إظهار مسؤولية جديدة في التنسيق المتعدد الأطراف
بصفتهما عضوين مهمين في الجنوب العالمي، يظل التنسيق والتعاون بين الصين ومصر في الشؤون المتعددة الأطراف نقطة مضيئة بارزة في العلاقات الثنائية. وخلال هذه المحادثات، تبادل رئيسا البلدين وجهات النظر بعمق حول القضايا الدولية والإقليمية محل الاهتمام المشترك، وأعرب الجانب المصري بوضوح عن دعمه للصين لترؤس مجموعة بريكس في عام 2027، ونسق البلدان موقفيهما بشكل كامل وتحدثا بصوت واحد حول قضايا مثل حل الدولتين لتسوية الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي وإدارة البحر الأحمر واستقرار القرن الأفريقي ووقف إطلاق النار في السودان، واتفقا على الدفاع المشترك عن الحقوق والمصالح المشروعة للدول النامية ودفع نظام الحوكمة العالمية نحو اتجاه أكثر عدلا وإنصافا. وهكذا امتد التعاون الصيني- المصري من المستوى الثنائي إلى مجال الحوكمة العالمية، ليصبح معلما مهما للتضامن والتعاون بين دول الجنوب العالمي.
طرح مبادرة من أربع نقاط حول أمن الشرق الأوسط وإظهار مسؤولية الدولة الكبرى
تأتي هذه الزيارة بعد مشاركة الرئيس شي في القمة الصينية- العربية الأولى عام 2022، ليعود مجددا إلى منطقة الشرق الأوسط، وفي ظل الأوضاع المعقدة والخطيرة الراهنة في الشرق الأوسط، طرح الرئيس شي بوضوح خلال المحادثات “التمسك برؤية تقوم على الأمن المشترك والشامل والتعاوني والمستدام، وبناء هيكل أمني جديد في الشرق الأوسط”، وقدم مبادرة من أربع نقاط في هذا الشأن، مسهما بحل صيني لتحقيق الأمن الدائم والاستقرار المستدام في منطقة الشرق الأوسط:
أولا، إطلاق العنان لعوامل الدفع الداخلية لتحقيق الأمن المشترك في المنطقة، والتمسك بكون شعوب الشرق الأوسط هي من تدير شؤونها الخاصة، ورفض التدخل الخارجي، ودعم دول المنطقة في تعزيز الحوار بشأن السلام والأمن، واستكشاف إعادة تشكيل هيكل الأمن الإقليمي، وتولي زمام مستقبلها بأيديها؛ ثانيا، دفع الحوكمة الشاملة لتحقيق الأمن المشترك في المنطقة، فبالنظر إلى تعدد النقاط الساخنة في الشرق الأوسط وارتباطها الوثيق ببعضها البعض، ينبغي السعي لإيجاد حلول شاملة، وتبقى القضية الفلسطينية جوهر قضية الشرق الأوسط ولا ينبغي أبدا تجاهلها أو تهميشها؛ ثالثا، ترسيخ أسس التنمية لتحقيق الأمن المشترك في المنطقة، فتحقيق السلام والاستقرار الدائمين في الشرق الأوسط يعتمد أساسا على التنمية. وأعرب الجانب الصيني عن استعداده للعمل مع دول المنطقة لحماية أمن الممرات الملاحية الدولية، ودفع التعاون التنموي قدما، وتعزيز تقارب مصالح دول المنطقة، وزيادة الثقة المتبادلة تدريجيا، والقضاء على التربة الخصبة للصراع؛ رابعا، تعزيز التنسيق الدولي من أجل تحقيق الأمن المشترك في المنطقة، حيث ينبغي أن يكون ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي هما المرجع الأساسي للتعامل مع شؤون الشرق الأوسط، ويتعين على المجتمع الدولي، خاصة القوى الخارجية الكبرى، التخلي عن المعايير المزدوجة، واحترام سيادة دول المنطقة وسلامة أراضيها، وحماية السلام والاستقرار في المنطقة، ودعم اضطلاع الأمم المتحدة بدور فعال في الشؤون الإقليمية.
فور الإعلان عن المبادرة ذات النقاط الأربع، لاقت ترحيبا وتقديرا واسعا من مصر والعديد من دول الشرق الأوسط، حيث رأت هذه الدول أن الطرح الصيني ينطلق من الواقع الفعلي للمنطقة، ويستجيب لتطلعات شعوبها إلى السلام.
توجه مشترك في تبادل التعلم الحضاري
الصين ومصر حضارتان عريقتان، ورغم البعد الجغرافي بينهما، ظلتا على الدوام تتبادلان الإعجاب ببعضهما البعض، ويظل تبادل التعلم الحضاري أعمق أساس للعلاقات الصينية- المصرية. وخلال هذه الزيارة، زار الرئيس شي جين بينغ وعقيلته المتحف المصري الكبير برفقة الرئيس عبد الفتاح السيسي وعقيلته. هذا المتحف، الذي استغرق بناؤه عشرين عاما وبلغت تكلفته أكثر من 1ر1 مليار دولار أمريكي، يعد أكبر متحف أثري لحضارة واحدة في العالم، ويضم أكثر من مائة ألف قطعة أثرية من مصر القديمة، وكان الرئيس شي قد وجه رسالة تهنئة خاصة عند افتتاحه في العام الماضي. وخلال الجولة، تأمل رئيسا الدولتين وعقيلتاهما باهتمام بالغ المنحوتات الحجرية والأعمدة المنقوشة، وأطلوا من النافذة على أهرامات الجيزة القريبة، واستشعروا معا الصدى الممتد عبر آلاف السنين بين الحضارتين العظيمتين.
وأشار الرئيس شي إلى أنه ينبغي على الجانبين تكريس مفهوم الحضارة المتمثل في المساواة والتعلم المتبادل والحوار والشمول، وتنفيذ مبادرة الحضارة العالمية، والعمل معا على دفع التعايش الشامل والتبادل والتعلم المتبادل بين مختلف الحضارات، وحشد المزيد من القوة الحضارية لدفع بناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية. وتعد موجة التبادلات الشعبية والثقافية بين الصين ومصر في السنوات الأخيرة خير تجسيد لهذا التبادل الحضاري: ففي مصر، يتواصل زخم “موجة الثقافة الصينية”، حيث تدرّس اللغة الصينية في أكثر من أربعين مدرسة ثانوية، وتلقى أنشطة الثقافة الصينية التقليدية مثل “سنة صينية جديدة سعيدة” و”الشاي من أجل الوئام” إقبالا واسعا؛ وفي الصين، أقيم معرض “قمة الهرم.. معرض الحضارة المصرية القديمة” في شانغهاي، ثم تلاه معرض “الحضارة المصرية القديمة” في متحف قصر هونغ كونغ، حيث تجاوز إجمالي عدد زوار المعرضين 4ر3 ملايين زائر، وتجاوز عدد السياح الصينيين إلى مصر 300 ألف سائح في عام 2025؛ كما يقوم البلدان بشكل مشترك بتنفيذ مشروعات أثرية، مما يجعل التراث الحضاري الذي ظل ساكنا لآلاف السنين جسرا يربط بين قلوب شعبي البلدين. وعندما تثير زوبعة “صراع الحضارات” الاضطراب في العالم، فإن التوجه المتبادل بين حضارتين عظيمتين عبر آلاف السنين هو في حد ذاته أقوى استجابة لتبادل التعلم الحضاري.
إن ما يجعل التعاون الصيني- المصري يوصف بأنه “نموذج للتعاون بين بلدان الجنوب” ليس حجم مشروعات التعاون، بل لأنه شق طريقا جديدا “للإنجاز المتبادل” بين الدول النامية؛ فقبل سبعين عاما، بادرت مصر بمد يد الصداقة للصين الجديدة وهي تواجه الحصار؛ واليوم، تشارك الصين خبراتها التنموية من دون تحفظ، وتدعم مصر في تحقيق النهضة والتنمية الذاتية. هذا التعاون لم يكن يوما علاقة غير متكافئة تقوم على “طرف يمنح وآخر يتلقى”، بل هو تآزر حقيقي لإستراتيجيات التنمية وتكامل للاحتياجات المتبادلة؛ فالصين تمتلك أكبر المنظومات الصناعية وأكثرها تكاملا في العالم وقدرات تكنولوجية، ومصر لديها عدد سكان كبير وموارد وافرة وسوق واسعة وميزة الموقع الجغرافي الذي يربط ثلاث قارات، وتعاون البلدين يساعد مصر في دفع التصنيع المحلي والتحول الرقمي وتحقيق “رؤية 2030″، كما يوسع آفاق التعاون للشركات الصينية، ويوفر دعما جديدا لاستقرار سلاسل الصناعة والتوريد العالمية، محققا بحق تأثيرا تآزريا من نوع “1+1>2”.
في مساء الثاني من سبتمبر بالتوقيت المحلي، أقلعت طائرة الرئيس شي الخاصة من مطار القاهرة الدولي، ليختتم الرئيس شي بذلك هذه الزيارة إلى آسيا وأفريقيا بنجاح. ووصف البيان المشترك هذه الزيارة بأنها “زيارة تاريخية فارقة”، وهو ما يمثل تلخيصا عميقا لصداقة السبعين عاما بين الصين ومصر، ويفتح في الوقت ذاته مرحلة جديدة كليا في العلاقات بين البلدين.
لقد قال القدماء الصينيون: “الإخلاص للأصدقاء يقرب قلوبهم رغم المسافة الطويلة بينهم، ويجعل ارتباطهم وثيقا كالغراء والطلاء وصلبا كالذهب والصخر.” لقد أثبتت الحضارتان العريقتان والدولتان الكبيرتان من دول الجنوب العالمي، بمسيرة سبعين عاما من الشراكة، أن الدول النامية قادرة تماما على تحقيق الاحترام المتبادل والمساواة والمنفعة المتبادلة، وقادرة تماما على تحقيق التنمية الذاتية بالاعتماد على التعاون فيما بينها، وقادرة تماما على الإسهام بحكمتها وقوتها في الحوكمة العالمية. هذا الطريق القائم على “الإنجاز المتبادل” هو السر الجوهري الذي جعل العلاقات الصينية- المصرية تصمد أمام اختبار تغيرات الأوضاع الدولية طوال سبعين عاما وتظل متجددة، كما يقدم نموذجا صينيا- مصريا يمكن الاسترشاد به لدول الجنوب العالمي في استكشاف سبل التعايش ومواجهة التحديات العالمية المشتركة.



