آسياأخبار العالمأنشطة المركزإفريقيابحوث ودراسات

الملتقى الحواري الهندي–التونسي حول الأمن ومكافحة الإرهاب: المنصات الإعلامية الرقمية كأداة للوقاية من التطرف: نحو بناء فضاء تواصلي تونسي–هندي مشترك لتحصين الشباب

نظّم المركز الدولي للدراسات الإستراتيجية الامنية والعسكرية بتونس بشراكة مع سفارة جمهورية الهند “ملتقى الحوار الهندي التونسي حول الأمن ومكافحة الارهاب” يوم الثلاثاء 17 فبراير 2026 بنزل القلدن توليب المشتل بتونس، بحضور مجموعة من سفراء الدول والمنظمات الدولية والوطنية، وثلة من الأساتذة والدكاترة والمفكرين والطلبة ومجموعة من الضباط المتقاعدين الذين أعطوا شهادات حيّة، وكما حضرت وكالات الاخبار والصحافة والاعلام التونسي والأجنبي.

وقد طرح في هذا الملتقى المحاضرين من تونس ومن الهند العديد من الاشكاليات المهمة التي تثير اهتمام الباحثين والدول باعتبار ان التطرف والارهاب والجريمة العابرة للحدود هي ظواهر تهدد الأمن والسلم الوطني والاقليمي والدولي كما تمّ الحديث عن عملية تدوير الإرهاب من جديد وتنامي ظاهرة الارهاب بأشكالها المختلفة.

كما أكدت سعادة سفيرة الهند على أهمية التعاون بين تونس والهند وتبادل الخبرات في مجال مكافحة الارهاب والعنف والجريمة المنظمة.

واكدت الدكتورة بدرة قعلول على أهمية طرح الموضوع ومعالجته بشكل جديد وايجاد الحلول من “خارج الصندوق”. كما أشارت الى ان التجربة الهندية هي تجربة ثرية جدا لمكافحة الارهاب ولهذا يجب الأخذ بهذه التجربة والاستئناس بها.

كما طرحت الدكتورة سهير اللحياني في ورقة قدمتها أهمية انشاء منصة اعلامية مشتركة بين الشباب التونسي والشباب الهندي باعتبار ان الظاهرة الارهابية قد تطورت وتجاوزت التعريفات التقليدية لتصبح ظاهرة اتصالية بامتياز.

كما انظلقت الدكتورة سهير اللحياني بتساؤل: كيف يمكن تحويل المجال الرقمي من فضاء لإنتاج التطرف إلى فضاء للوقاية منه، عبر شراكة إعلامية–تكنولوجية تونسية–هندية موجّهة للشباب؟

كما خلصت كلمة الدكتورة سهير اللحياني الى الاستراتيجيات السردية الرقمية كمدخل وقائي لمكافحة التطرف وذلك من خلال إحداث منصة إعلامية رقمية تونسية–هندية مشتركة

المنصات الإعلامية الرقمية كأداة للوقاية من التطرف: نحو بناء فضاء تواصلي تونسي–هندي مشترك لتحصين الشباب

لم يعد الإرهاب خلال العقدين الأخيرين ظاهرة أمنية تقليدية تُقاس بعدد العمليات أو الخلايا، بل أصبح ظاهرة اتصالية بامتياز، حيث انتقلت مراكزه من المجال الميداني إلى المجال الرمزي. فقد أدركت التنظيمات المتطرفة مبكرًا أن السيطرة على المعنى وصياغة السرديات تمثل المدخل الأساسي للاستقطاب، وأن الفضاء الرقمي يشكّل بيئة مثالية لإعادة تشكيل الهويات وتوجيه مشاعر الغضب والإحباط لدى الشباب.

تشير تقارير أممية إلى أنّ أكثر من تسعين في المائة من عمليات التجنيد المرتبطة بما يُسمّى بتنظيم داعش بين سنتي ألفين وأربع عشرة وألفين وثماني عشرة مرّت عبر وسائط رقمية، سواء عبر منصات مفتوحة أو تطبيقات مشفّرة. كما أظهرت دراسات أن متوسط عمر المجندين عبر الإنترنت لم يتجاوز سبعًا وعشرين سنة، اذ تؤكد تقارير مركز غيتسبورغ للدراسات حول التطرف وتقارير الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإرهاب إلى أن الأفراد الذين يتم استقطابهم عبر الإنترنت اغلبهم في منتصف العشرينات من أعمارهم، مما يعكس هشاشة الفئات الشابة أمام الخطابات الرقمية الموجهة. في هذا السياق، لم تعد المنصات الرقمية مجرد أدوات تواصل، بل تحوّلت إلى فضاءات لإنتاج الهوية وإعادة تشكيل المعنى وتطبيع العنف رمزيًا قبل ممارسته فعليًا.

تنطلق هذه المداخلة من سؤال مركزي مفاده: كيف يمكن تحويل المجال الرقمي من فضاء لإنتاج التطرف إلى فضاء للوقاية منه، عبر شراكة إعلامية–تكنولوجية تونسية–هندية موجّهة للشباب؟

المجال الرقمي والمجال العمومي: منظور هابرماس وكاستيلز

يسمح استحضار أطروحات هابرماس حول المجال العمومي بفهم التحولات التي طرأت على الفضاء الرقمي المعاصر. فقد اعتبر هابرماس المجال العمومي فضاءً للنقاش العقلاني بين المواطنين، حيث يمكن تشكيل الرأي العام بعيدًا عن الهيمنة الحكومية والأسواق. ومع بروز المنصات الرقمية، أصبح هذا الفضاء امتدادًا رقميًا للمجال العمومي، حيث تتشكل الآراء عبر النقاش والتفاعل، غير أنه لم يعد عقلانيًا خالصًا، بل أصبح خاضعًا لمنطق الخوارزميات واقتصاد الانتباه، ما يفتح المجال أمام الاستقطاب والتلاعب بالسرديات وتضخيم الخطابات المتطرفة.

ويؤكد مانويل كاستيلز أن الشبكات تشكّل البنية الاجتماعية الجديدة لمجتمعاتنا. هذا الاقتباس يسلط الضوء على البنية الشبكية للفضاء الرقمي، حيث تتشابك العلاقات الاجتماعية والمعلوماتية بطريقة تسمح للخطابات المتطرفة بالانتشار بسرعة وإعادة إنتاج الهويات الرمزية. في تونس، تتجاوز نسبة استخدام الإنترنت ثمانين في المائة من مجموع السكان، وتفوق نسبة استخدام فيسبوك خمسًا وسبعين في المائة من مستخدمي الإنترنت. أما في الهند، فيتجاوز عدد مستخدمي الإنترنت ثمانمائة وخمسين مليون مستخدم، ما يجعل الفضاء الرقمي هناك واسعًا جدًا ومعقدًا من حيث التنوع اللغوي والثقافي.

هذا الاتساع الكمي والنوعي يحوّل المجال الرقمي إلى ساحة مركزية للصراع السردي، حيث تتقاطع رهانات التأثير السياسي والثقافي والاجتماعي والأمني، ويصبح فهمه وفق أطر نظرية مثل هابرماس وكاستيلز ضرورة لتصميم استراتيجيات وقائية فعالة، سواء على مستوى التربية الإعلامية أو إنتاج سرديات مضادة للتطرف.

قوة السرديات الرقمية وتأثير

تعتمد التنظيمات المتطرفة على آليات تأطير إعلامي تعيد من خلالها صياغة مفاهيم الهوية والظلم والبطولة والانتماء. فالهوية تُقدَّم بوصفها مهدَّدة، والظلم بوصفه شاملًا وممنهجًا، والبطولة بوصفها تضحية عنيفة، والانتماء بوصفه خلاصًا فرديًا. هذا التأطير يُنتج ما يمكن تسميته بـ”سردية الضحية–البطل”، التي تخاطب حاجة الشباب إلى الاعتراف والتمكين الرمزي. ومن منظور نظرية الاستخدامات والإشباعات، لا ينجذب الشباب إلى الخطاب المتطرف بسبب العقيدة فحسب، بل لأنه يمنح شعورًا بالقوة، ويقدّم معنى وجوديًا، ويوفّر جماعة انتماء افتراضية، ويخلق هوية صلبة في سياق عالمي يتّسم بالسيولة وعدم اليقين.

إن “التحكم في تدفق المعلومات وتحليل السلوك الرقمي يتيح توجيه الانتباه الجماعي، وهو أداة أساسية للسيطرة على الرأي العام. (فينر)

يكشف التحليل المقارن بين التجربتين التونسية والهندية عن تقاطعات واختلافات دالة. فقد عرفت تونس بعد سنة ألفين وأحد عشر توسعًا غير مسبوق في المجال العمومي الرقمي، غير أن هذا الانفتاح لم يُواكبه تأطير مؤسساتي مبكر.

تشير تقديرات رسمية وتقارير مراكز بحثية، مثل تقرير مركز غيتسبورغ للدراسات حول التطرف حول مشاركة التونسيين في النزاعات المسلحة بعد سنة ألفين وأحد عشر، إلى أن تونس كانت من بين أعلى الدول المصدّرة للمقاتلين الأجانب نحو بؤر التوتر بين سنتي ألفين واثنتي عشرة وألفين وست عشرة، حيث قُدّر العدد بأكثر من ثلاثة آلاف شخص. وقد لعب الفضاء الرقمي دورًا محوريًا في عمليات الاستقطاب عبر صفحات مغلقة ومحتوى تعبوي مرئي يستهدف الفئات الشبابية.

في المقابل، تطوّرت في السنوات الأخيرة مبادرات وقائية متعددة على المستوى الوطني، شملت برامج التربية على وسائل الاعلام داخل المدارس والجامعات، ومشاريع من المجتمع المدني تهدف إلى تفكيك خطاب الكراهية الرقمي، وتعزيز التفكير النقدي لدى الشباب، وبناء مناعة معرفية أمام سرديات التطرف.

أما الهند، بصفتها أكبر ديمقراطية رقمية من حيث عدد المستخدمين، إذ يتجاوز عدد مستعملي الإنترنت ثمانمائة وخمسين مليون مستخدم، فقد واجهت تحديات متشابكة مرتبطة بالإرهاب العابر للحدود وبالاستقطاب الديني والسياسي عبر المنصات الرقمية. هذا الحجم الضخم للفضاء الرقمي، إلى جانب التعدد اللغوي والثقافي، جعل من إدارة المحتوى ورصد الخطابات العنيفة مسألة معقدة وحساسة. كما عرفت الهند حالات عنف جماعي ارتبطت جزئيًا بانتشار شائعات رقمية ومقاطع فيديو مضللة، وهو ما دفع السلطات إلى تعزيز الإطار التشريعي المنظم للمنصات الرقمية، وإلى مطالبة الشركات الكبرى بتعيين فرق امتثال محلية والاستجابة السريعة لطلبات إزالة المحتوى المحرض. وفي السنوات الأخيرة، استثمرت الحكومة الهندية في تطوير أنظمة للرصد الرقمي وتحليل البيانات الضخمة، مع توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لرصد الكلمات المفتاحية وأنماط الانتشار المرتبطة بالخطاب العنيف.

كما عززت تعاونها مع شركات التكنولوجيا الكبرى لتسريع إجراءات إزالة المحتوى المتطرف وتحسين آليات الامتثال. تمثل هذه التجربة نموذجًا متقدمًا في إدارة المخاطر الرقمية داخل فضاء واسع ومعقد، وتفتح في الآن ذاته إمكانات تعاون مثمرة في إطار شراكات “جنوب–جنوب”، خاصة مع دول تسعى إلى تطوير مقاربات وقائية اتصالية مثل تونس. من خلال هذه الشراكات، يمكن للدول مثل تونس والهند تبادل الخبرات في مجالات الرصد الرقمي، وتحليل البيانات الضخمة، واستخدام الذكاء الاصطناعي للكشف عن المحتوى التحريضي.

المواجهة الرقمية للإرهاب: بين الرموز والسرديات والاستراتيجيات الوقائية

تؤكد تجارب دولية متعددة أن المواجهة الفعّالة للتطرف لا يمكن أن تقتصر على الإجراءات الأمنية أو المقاربات الردعية، بل تمرّ أساسًا عبر بناء استراتيجيات سردية موازية قادرة على منافسة الخطاب المتطرف في المجال الرمزي ذاته. فالتنظيمات المتشددة لا تعتمد فقط على التنظيم المحكم أو السرية، بل تستثمر في إنتاج خطاب عاطفي ومشحون بالمعاني، يستهدف الفئات الشابة ويعيد تأطير الواقع بطريقة تُضفي على العنف مشروعية رمزية. ومن ثمّ، فإن تفكيك هذا الخطاب يقتضي إنتاج خطاب بديل يمتلك الجاذبية ذاتها، ولكن يقوم على قيم التعددية والعيش المشترك والاعتراف المتبادل.

في هذا السياق، أطلقت شركة “غوغل” سنة ألفين وست عشرة مبادرة عُرفت باسم “طريقة إعادة التوجيه”، وهي تقوم على مبدأ ذكي يتمثل في استثمار خوارزميات البحث والإعلانات الرقمية من أجل تحويل مسار المستخدمين الذين يبحثون عن محتوى متطرف إلى محتوى بديل يقدّم روايات مضادة ويفكك الحجج الأيديولوجية العنيفة. وتعتمد هذه الآلية على تحليل الكلمات المفتاحية المرتبطة بالبحث عن مضامين متشددة، ثم توجيه المستخدم نحو مقاطع فيديو أو مواد تفسيرية تُبرز تناقضات الخطاب المتطرف وتكشف مخاطره الإنسانية والدينية والاجتماعية. وقد أظهرت النتائج الأولية لهذه المبادرة أن نسبة معتبرة من المستخدمين تفاعلوا مع المحتوى البديل، وهو ما يؤكد أن جزءًا من عملية الاستقطاب يقوم على قابلية التأثر لا على اقتناع عقائدي راسخ.

الاستراتيجيات السردية الرقمية كمدخل وقائي لمكافحة التطرف:

إحداث منصة إعلامية رقمية تونسية–هندية مشتركة

في هذا الإطار، يكتسب مقترح إنشاء منصة إعلامية رقمية تونسية–هندية مشتركة بعدًا استراتيجيًا. يمكن تصور هذه المنصة كامتداد معاصر للمجال العمومي، فضاءً عابرًا للحدود يتشكل فيه الرأي العام الشبابي عبر نقاش عقلاني تعددي. تقوم المنصة على إنتاج سرديات بديلة قائمة على الأمل والإنجاز، وتوفير فضاء حوار ثنائي اللغة يتيح التفاعل المباشر، وتعزيز التربية الإعلامية والرقمية، وتفكيك خطاب الكراهية عبر محتوى تحليلي مبسّط. كما يمكن أن تسهم في دعم الدبلوماسية الثقافية جنوب–جنوب وفي خلق فرص ضمن الاقتصاد الرقمي.

يتجسد البعد العملي لهذا التصور في إنتاج بودكاست شبابي مشترك، وفيديوهات قصيرة تكشف تقنيات التأطير المتطرف، وقصص نجاح لشباب تونسيين وهنود في مجالات التكنولوجيا وريادة الأعمال، إضافة إلى حوارات مباشرة حول الهوية والانتماء والمواطنة الرقمية. ويساند هذا البعد الإعلامي نظام رصد يعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل اتجاهات الخطاب، وشراكات جامعية لإعداد تقارير دورية حول تحولات النقاش الرقمي، إشراك طلبة الإعلام والاتصال في مشاريع بحث وإنتاج محتوى، وإنشاء مخابر بحث مشتركة… بما يرسّخ آلية تعاون أكاديمي مستدام.

في السياق الرقمي الراهن، لم تعد مكافحة الإرهاب مقتصرة على العمليات الأمنية التقليدية فحسب، بل أصبحت معركة رمزية تقوم على إدارة المعاني والسرديات والتمثلات الاجتماعية.

المراجع

Habermas, J. (1989). The structural transformation of the public sphere. MIT Press.

Castells, M. (1996). The rise of the network society.

Europol. (2019). EU terrorism situation and trend report.

GNET. (2020). Online extremism recruitment & radicalization patterns.

United Nations Office on Drugs and Crime. (2020). The use of the Internet for terrorist purposes.

Google. (2016). Redirect Method initiative

Internet World Stats. (2025). Usage and population statistics.

Pew Research Center. (2021). Social media and young adults.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق