المقاومة العراقية ترصد أربعة خروقات أميركية للأجواء العراقية وتثير تساؤلات بشأن السيادة الجوية

اعداد نور الهدى فجراوي : قسم الاخبار الدولية 13-10-2026
أعلنت المقاومة العراقية رصد أربعة خروقات جوية أميركية للسيادة العراقية خلال يوم واحد، متهمة القوات الأميركية بمواصلة انتهاك المجال الجوي العراقي انطلاقا من قواعد عسكرية في الأردن والأراضي الفلسطينية المحتلة. ويأتي هذا الإعلان في سياق إقليمي يتسم بتصاعد التوترات العسكرية وتداخل ساحات الصراع، حيث باتت التحركات الجوية والانتشار العسكري للقوى الكبرى جزءا أساسيا من معادلات الضغط والنفوذ في الشرق الأوسط. وعلى الرغم من أن تفاصيل الحوادث الأربع لم تتأكد بصورة مستقلة، فإن الاتهامات تعيد إلى الواجهة إشكالية أساسية تتعلق بمدى احترام الولايات المتحدة لسيادة الدول التي تنتشر قواتها في محيطها أو تقيم معها ترتيبات أمنية وعسكرية.
ولا يمكن فهم هذه التطورات بمعزل عن طبيعة السياسة الأميركية في المنطقة، التي ارتكزت لعقود على شبكة واسعة من القواعد العسكرية والاتفاقيات الأمنية والتحالفات الاستراتيجية، بهدف حماية المصالح الأميركية وضمان التفوق العسكري والحفاظ على قدرة واشنطن على التدخل السريع في بؤر التوتر. وقد قدمت الإدارات الأميركية المتعاقبة هذا الانتشار باعتباره ضرورة لمكافحة الإرهاب وحماية الحلفاء وتأمين طرق التجارة والطاقة، غير أن التجربة الإقليمية أظهرت أن الوجود العسكري الأميركي لا يؤدي بالضرورة إلى تحقيق الاستقرار الذي تعلنه واشنطن، بل قد يتحول في بعض الحالات إلى عامل إضافي في تأجيج الصراعات وتعميق التبعية الأمنية وإعادة تشكيل التوازنات السياسية بما يتوافق مع المصالح الأميركية.
المجال الجوي العراقي واختبار السيادة الوطنية
تكتسب مسألة الخروقات الجوية المزعومة أهمية خاصة بالنظر إلى الموقع الجغرافي للعراق الذي يربط الخليج العربي ببلاد الشام ويمثل نقطة تقاطع بين المصالح الإيرانية والأميركية والتركية والإسرائيلية. فالمجال الجوي العراقي ليس مجرد مساحة جغرافية تعبرها الطائرات، بل يمثل جزءا من المجال السيادي للدولة وأحد العناصر الأساسية في قدرتها على مراقبة حدودها وحماية أمنها الوطني. ومن هذا المنطلق، فإن أي تحرك عسكري أجنبي يجري من دون موافقة السلطات المختصة، إذا ثبت وقوعه، يشكل مسألة تتجاوز الأبعاد التقنية أو العملياتية لتطرح إشكالا قانونيا وسياسيا يتعلق باحترام استقلال الدولة وحقها في التحكم في مجالها الجوي.
وتبرز حساسية هذا الملف في ضوء الاتهام المتعلق بانطلاق الطائرات الأميركية من قواعد في الأردن والأراضي الفلسطينية المحتلة، وهو ما يفتح الباب أمام التساؤل بشأن طبيعة الشبكة العسكرية التي تعتمد عليها واشنطن في المنطقة ومدى ترابط قواعدها وانتشارها الجغرافي في إدارة عملياتها. فالولايات المتحدة لا تعتمد على وجود عسكري منفرد في العراق، بل تستفيد من منظومة واسعة من القواعد والمنشآت والتسهيلات العسكرية التي تتيح لها الحركة بين مناطق مختلفة، وتوفر لها إمكانات الاستطلاع والإسناد والانتشار السريع. وتمنح هذه الشبكة واشنطن قدرة كبيرة على مراقبة المجال الإقليمي والتأثير في تطورات الأزمات، لكنها تثير في المقابل تساؤلات حول حدود سلطة الدول المضيفة ومدى قدرتها على منع استخدام أراضيها أو منشآتها في أنشطة قد تتعارض مع مصالح دول أخرى أو تهدد أمنها.
ومن هنا، فإن القضية الأساسية لا تتعلق فقط بعدد الطائرات التي دخلت الأجواء العراقية، وإنما بطبيعة القواعد السياسية والقانونية التي تحكم استخدام القوة الأميركية في المنطقة. فإذا كانت واشنطن تؤكد باستمرار أهمية السيادة الوطنية واحترام الحدود في خطابها الدبلوماسي، فإن مصداقية هذا الخطاب تظل مرتبطة بمدى التزامها بالمبادئ ذاتها عندما يتعلق الأمر بتحركات قواتها ومصالحها الاستراتيجية. ولا يمكن أن تكون السيادة مبدأ ملزما للدول المنافسة أو الخصوم السياسيين، بينما تتحول إلى مسألة قابلة للتأويل عندما يتعلق الأمر بالقوة الأميركية.
السياسة الأميركية بين مكافحة الإرهاب وتوسيع النفوذ
منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، ارتبط الوجود الأميركي في البلاد بتحولات عميقة في بنية الدولة ومؤسساتها الأمنية والسياسية. فقد بررت واشنطن تدخلها العسكري آنذاك باعتبارات أمنية وسياسية، غير أن إسقاط النظام العراقي أدى إلى تفكيك مؤسسات الدولة وإطلاق مسارات من عدم الاستقرار والصراع الداخلي، كانت لها تداعيات واسعة على المجتمع العراقي وعلى التوازنات الإقليمية. كما ساهمت الفوضى الأمنية التي أعقبت الغزو في توفير بيئة استغلتها الجماعات المسلحة، قبل أن يظهر تنظيم داعش ويتمدد في العراق وسوريا خلال عامي 2013 و2014.
وقد عادت الولايات المتحدة إلى توسيع حضورها العسكري في العراق ضمن التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش، مستندة إلى الحاجة إلى تقديم الدعم الجوي والاستخباراتي والتدريب للقوات العراقية. ولا يمكن إنكار أن التعاون الدولي أسهم في دعم العمليات العسكرية ضد التنظيم، لكن الإشكالية تكمن في أن مكافحة الإرهاب تحولت مع مرور الوقت إلى إطار واسع لتبرير استمرار الوجود العسكري الأميركي وتوسيع نطاق ترتيباته الأمنية. وهنا يبرز سؤال جوهري: متى ينتهي الدور العسكري الذي تبرره واشنطن بوجود تهديد محدد، ومتى يصبح هذا الدور وسيلة للحفاظ على نفوذ استراتيجي طويل الأمد؟
إن النقد الأساسي للسياسة الأميركية لا يقوم على إنكار مخاطر الإرهاب أو التقليل من أهمية التعاون الأمني، بل على رفض تحويل هذه المخاطر إلى مبرر دائم لوجود عسكري لا تخضع حدوده وأهدافه لمراجعة واضحة. فالتعاون الأمني بين الدول يمكن أن يكون مشروعا ومفيدا عندما يقوم على اتفاقات معلنة وموافقة متبادلة واحترام متكافئ للسيادة، لكنه يصبح موضع مساءلة عندما تتوسع مهامه أو تتغير طبيعتها من دون شفافية كافية أو رقابة فعالة من المؤسسات الوطنية المعنية.
وفي الحالة العراقية، تزداد هذه الإشكالية تعقيدا بسبب الإرث السياسي والعسكري الذي خلفه الغزو، وبسبب استمرار الانقسام الداخلي حول طبيعة العلاقة مع واشنطن. فهناك أطراف ترى في التعاون الأميركي ضرورة لتعزيز قدرات الدولة، بينما تعتبر فصائل أخرى أن استمرار الوجود العسكري الأجنبي يحد من استقلال القرار العراقي ويمنح الولايات المتحدة أدوات ضغط داخلية وإقليمية. ويعكس هذا التباين أزمة أعمق تتعلق بكيفية بناء سياسة أمنية وطنية مستقلة في دولة ما زالت تتعامل مع آثار التدخل الخارجي وتحديات الانقسام السياسي.
ازدواجية المعايير في الخطاب الأميركي بشأن السيادة
تثير الاتهامات المتعلقة بالخروقات الجوية العراقية تساؤلات بشأن التناقضات التي تطبع الخطاب الأميركي في مجال العلاقات الدولية. فالولايات المتحدة تقدم نفسها بوصفها مدافعا عن النظام الدولي القائم على القواعد، وتؤكد في مواقف عديدة ضرورة احترام الحدود والسيادة والاستقرار الإقليمي. غير أن الانتقادات الموجهة إلى سياساتها العسكرية تشير إلى وجود فجوة بين المبادئ التي تعلنها والممارسات التي تعتمدها عندما تتعارض القيود القانونية والسياسية مع أهدافها الاستراتيجية.
وتظهر هذه الإشكالية بوضوح في اعتماد واشنطن على شبكة من القواعد العسكرية والاتفاقيات الأمنية التي تمنحها قدرة واسعة على التحرك خارج أراضيها. فوجود قواعد عسكرية في دول أخرى لا يشكل في حد ذاته انتهاكا للقانون الدولي إذا قام على اتفاقات صحيحة وموافقة الدولة المضيفة، لكن هذه الاتفاقات لا تمنح تفويضا مفتوحا لاستخدام القوة في أي مكان أو لأي غرض. كما أن السماح باستخدام قاعدة عسكرية لا يعني تلقائيا السماح باستخدام المجال الجوي لدولة ثالثة، إذ تظل لكل دولة سيادتها والتزاماتها القانونية الخاصة.
ومن هذا المنظور، فإن أي خرق مثبت للأجواء العراقية من شأنه أن يضع السياسة الأميركية أمام اختبار حقيقي لمصداقية خطابها بشأن احترام السيادة. فالقوة العسكرية، مهما بلغت قدراتها، لا تمنح الدولة حقا تلقائيا في تجاوز الحدود أو فرض الوقائع الميدانية على الآخرين. كما أن التفوق التكنولوجي والاستخباراتي لا يمكن أن يشكلا بديلا عن الشرعية القانونية أو عن موافقة الدولة المعنية.
وتتجاوز خطورة ازدواجية المعايير الجانب القانوني لتطال الثقة السياسية في النظام الدولي. فعندما تشعر الدول بأن قواعد العلاقات الدولية تطبق بصورة متفاوتة تبعا لموازين القوة، تتراجع ثقتها بفاعلية المؤسسات الدولية وتتزايد قناعتها بأن الأمن لا يتحقق من خلال الالتزام بالقواعد وحدها، بل عبر امتلاك وسائل الردع وموازنة نفوذ القوى الكبرى. وقد يؤدي هذا المنطق إلى سباقات تسلح وتوسيع التحالفات العسكرية وتعميق الاستقطاب الإقليمي، بدلا من تعزيز التعاون وخفض التوترات.
ومع ذلك، فإن التقييم الدقيق يتطلب التمييز بين النقد السياسي للسياسة الأميركية وبين الحكم القانوني على الحوادث المحددة. فإثبات وقوع خرق جوي يتطلب معطيات موثوقة بشأن مسارات الطائرات وطبيعة مهامها والتصاريح الممنوحة لها، ولا تكفي الاتهامات وحدها لتحديد المسؤولية القانونية. لكن هذا الشرط لا يقلل من أهمية المطالبة بالشفافية والمساءلة، بل يجعل التحقق المستقل من الوقائع ضرورة لحماية السيادة وتجنب توظيف المعلومات العسكرية في التصعيد السياسي.
العراق في الحسابات الاستراتيجية الأميركية
يمثل العراق بالنسبة إلى الولايات المتحدة أكثر من ساحة لمكافحة الإرهاب، فهو دولة ذات موقع جغرافي حساس وموارد طاقة مهمة وتأثير مباشر في توازنات الخليج وبلاد الشام. كما أن علاقاته مع إيران تجعل التطورات السياسية والأمنية داخله مرتبطة بصورة وثيقة بالتنافس الأميركي الإيراني. ولذلك فإن استمرار الاهتمام العسكري الأميركي بالعراق لا يمكن تفسيره فقط باعتبارات مكافحة تنظيم داعش، بل يرتبط أيضا برغبة واشنطن في الحفاظ على قدرتها على التأثير في التوازنات الإقليمية ومراقبة تحركات القوى المنافسة.
ويكشف هذا الواقع عن مفارقة أساسية في الخطاب الأميركي: فواشنطن تؤكد دعمها لاستقرار العراق وتعزيز مؤسساته، لكنها تسعى في الوقت ذاته إلى الحفاظ على أدوات استراتيجية تسمح لها بالتأثير في البيئة الأمنية المحيطة به. ولا يعني ذلك أن كل تحرك أميركي يستهدف بالضرورة تقويض استقلال العراق، لكنه يوضح أن المصالح الأمنية الأميركية لا تتطابق دائما مع أولويات الدولة العراقية، وأن إدارة العلاقة بين الطرفين تتطلب تمييزا واضحا بين التعاون المتبادل ومحاولات فرض النفوذ.
وتزداد هذه المفارقة وضوحا عندما يتعلق الأمر بالتحركات الجوية التي قد تستخدم في الاستطلاع أو الإسناد أو مراقبة مناطق التوتر. فهذه الأنشطة يمكن أن تكون جزءا من ترتيبات أمنية متفق عليها، لكنها قد تثير مخاوف مشروعة إذا غابت الشفافية بشأن أهدافها أو إذا ارتبطت بعمليات عسكرية لا يملك العراق السيطرة على تداعياتها. وفي هذه الحالة، قد تجد بغداد نفسها أمام نتائج استراتيجية لقرارات لم تشارك في اتخاذها، وهو ما يطرح إشكالية تتعلق باستقلال القرار الوطني وحدود المسؤولية عن استخدام المجال الجوي.
إن السيادة الحقيقية لا تقاس فقط بوجود مؤسسات رسمية أو برفع العلم الوطني فوق المنشآت العسكرية، بل بقدرة الدولة على معرفة ما يجري داخل مجالها الجوي واتخاذ القرار بشأنه ومساءلة الجهات التي تتجاوز القواعد المعمول بها. ومن هنا، فإن معالجة ملف التحركات الأميركية ينبغي أن تكون جزءا من استراتيجية عراقية أوسع تهدف إلى تطوير قدرات المراقبة والدفاع الجوي، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات المدنية والعسكرية، وتوضيح الاتفاقيات المنظمة للوجود الأجنبي.
القواعد العسكرية الأميركية وإعادة إنتاج التبعية الأمنية
تعتمد الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط على شبكة من الشراكات الأمنية والقواعد العسكرية التي تمنح واشنطن قدرة على التدخل السريع في الأزمات وحماية مصالحها وحلفائها. وتوفر هذه المنظومة مزايا عسكرية واضحة للولايات المتحدة، لكنها تطرح في المقابل تساؤلات بشأن استقلالية الدول المضيفة وقدرتها على تحديد حدود الاستخدام العسكري لأراضيها.
وتتمثل إحدى الإشكاليات في أن الاعتماد المستمر على الحماية الخارجية قد يؤدي إلى اختلال العلاقة بين الطرفين، خصوصا عندما تمتلك القوة الكبرى إمكانات عسكرية واستخباراتية تفوق بكثير قدرات الدولة المضيفة. ففي مثل هذه الظروف، قد تجد الحكومات نفسها أمام ضغوط تدفعها إلى التوفيق بين أولوياتها الوطنية ومتطلبات التحالفات الأمنية، حتى عندما تتعارض هذه المتطلبات مع مصالحها أو تعرضها لانتقادات داخلية وإقليمية.
ولا يعني ذلك أن جميع الدول التي تستضيف قوات أميركية تفتقر إلى الاستقلالية أو أن كل تعاون عسكري يمثل شكلا من أشكال التبعية. فالعلاقات الأمنية يمكن أن تقوم على مصالح مشتركة وتوفر للدول المعنية التدريب والتكنولوجيا والقدرة على مواجهة التهديدات. لكن المشكلة تظهر عندما تصبح العلاقة غير متكافئة، أو عندما تتجاوز الأنشطة العسكرية الحدود التي وافقت عليها الدولة المضيفة، أو عندما تتحول الاعتبارات الأمنية إلى وسيلة للضغط على القرار السياسي.
وفي السياق العراقي، يكتسب هذا النقاش أهمية مضاعفة لأن البلاد دفعت أثمانا باهظة نتيجة الحروب والتدخلات الخارجية والانقسامات الداخلية. ولذلك فإن استمرار التوتر بشأن التحركات الأميركية يطرح ضرورة الانتقال من إدارة الوجود العسكري الأجنبي باعتباره واقعا مفروضا إلى إخضاعه لمراجعة سياسية وقانونية واضحة، تحدد طبيعة المهام المسموح بها ومدتها وآليات الرقابة عليها والضمانات التي تمنع استخدامها ضد مصالح العراق.
كما أن بناء الاستقلال الأمني لا يتحقق بمجرد المطالبة بانسحاب القوات الأجنبية، بل يتطلب تطوير قدرات وطنية مستدامة في مجالات الدفاع الجوي والاستخبارات وحماية الحدود والتخطيط الاستراتيجي. فغياب هذه القدرات قد يترك فراغا أمنيا تستغله الجماعات المسلحة أو القوى الخارجية، بينما يؤدي تعزيزها إلى توسيع هامش المناورة أمام الحكومة العراقية وتقليل اعتمادها على الأطراف الدولية.
تداعيات الخروقات المزعومة على أمن المنطقة
إن استمرار الاتهامات المتعلقة باستخدام الأجواء العراقية من قبل القوات الأميركية قد يفاقم التوتر بين واشنطن والفصائل المسلحة، خصوصا في ظل البيئة الإقليمية التي تتداخل فيها الملفات العراقية والإيرانية والإسرائيلية. فالعراق ليس معزولا عن التطورات المحيطة به، وأي تحرك عسكري يجري فوق أراضيه أو بالقرب منها قد يُفسر من قبل أطراف مختلفة باعتباره جزءا من استعدادات لعمليات أوسع.
وفي حال ثبت وقوع خروقات من دون موافقة السلطات العراقية، فقد يؤدي ذلك إلى زيادة الضغوط السياسية المطالبة بتقييد الوجود العسكري الأميركي أو إعادة التفاوض بشأن ترتيباته. وقد تستثمر الفصائل المسلحة هذه الوقائع لتأكيد موقفها الداعي إلى إنهاء الوجود الأجنبي، بينما ستواجه الحكومة العراقية ضرورة إثبات قدرتها على حماية سيادتها من دون السماح بانزلاق البلاد إلى مواجهة مفتوحة.
وتكمن الخطورة في أن استمرار الغموض بشأن طبيعة التحركات العسكرية قد يخلق بيئة ملائمة لسوء التقدير. فغياب المعلومات الدقيقة قد يدفع بعض الأطراف إلى تفسير أنشطة استطلاع أو إسناد باعتبارها تحضيرا لهجوم، أو قد يؤدي إلى ردود فعل عسكرية تتجاوز الحادثة الأصلية. ومن ثم، فإن الشفافية والتواصل الرسمي والتحقق من الوقائع ليست إجراءات إدارية ثانوية، بل أدوات أساسية للحد من التصعيد ومنع تحول الخلافات المتعلقة بالمجال الجوي إلى مواجهة إقليمية.
وفي الوقت نفسه، ينبغي ألا يتحول الدفاع عن السيادة العراقية إلى مبرر لتهميش دور المؤسسات الرسمية أو منح الفصائل المسلحة سلطة منفردة في تحديد طبيعة الردود العسكرية. فحماية الاستقلال الوطني تتطلب وجود قرار أمني واضح يخضع للمؤسسات الدستورية، ويوازن بين حق الدولة في الدفاع عن سيادتها وضرورة تجنب خطوات قد تعرض السكان والبنية التحتية والمصالح الاقتصادية لمخاطر إضافية. كما أن أي مواجهة مباشرة مع قوة عسكرية كبرى يجب أن تخضع لحسابات دقيقة تتعلق بالقدرات والنتائج المحتملة والمصلحة الوطنية طويلة الأمد.
بين الخطاب المناهض للهيمنة ومتطلبات بناء الدولة
تطرح هذه القضية تحديا مزدوجا أمام العراق، يتمثل في مواجهة أي تجاوز خارجي مثبت من جهة، ومنع استغلال ملف السيادة لتوسيع الانقسام الداخلي من جهة أخرى. فرفض التدخلات الأجنبية لا يكتسب فعاليته من الخطاب السياسي وحده، بل من قدرة الدولة على فرض قواعد واضحة على جميع الأطراف، سواء تعلق الأمر بالقوات الأجنبية أو بالتشكيلات المسلحة المحلية.
ومن هنا، فإن المسؤولية الأساسية تقع على عاتق المؤسسات العراقية في تحويل الاعتراض على الخروقات المزعومة إلى مسار عملي يبدأ بالتحقق الفني من الوقائع، ثم تحديد المسؤوليات القانونية، وصولا إلى اتخاذ الإجراءات الدبلوماسية والسياسية المناسبة. ويمكن أن يشمل ذلك طلب توضيحات رسمية من واشنطن، وتفعيل قنوات التنسيق الأمني، وإعادة تقييم قواعد استخدام المجال الجوي، إلى جانب تعزيز الرقابة البرلمانية على الاتفاقيات والترتيبات العسكرية التي تمس الأمن الوطني.
كما أن على الولايات المتحدة، إذا كانت حريصة على تقديم علاقتها مع العراق بوصفها شراكة استراتيجية، أن تدرك أن استدامة هذه العلاقة لا يمكن أن تقوم على التفوق العسكري وحده. فالشراكة الحقيقية تستلزم احترام المؤسسات الوطنية وعدم التعامل مع المجال الجغرافي للدولة الشريكة باعتباره امتدادا تلقائيا للعمليات الأميركية في المنطقة. وكلما اتسعت الفجوة بين الخطاب المعلن والممارسة الميدانية، ازدادت صعوبة بناء الثقة وتراجعت شرعية الوجود العسكري في نظر قطاعات من المجتمع العراقي.
وفي المقابل، يتطلب تثبيت السيادة العراقية سياسة وطنية متماسكة تتجاوز الانقسامات الحزبية والتنافس بين القوى المسلحة، وتضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الإقليمية. فالعراق يحتاج إلى علاقات خارجية متوازنة تحفظ له التعاون مع الشركاء الدوليين من دون أن تتحول هذه العلاقات إلى قيود على استقلال قراره، كما يحتاج إلى مؤسسات أمنية قادرة على حماية أراضيه وأجوائه ومواجهة التهديدات من دون الارتهان لقوة خارجية أو الانجرار إلى صراعات لا تخدم مصالحه.
إن إعلان المقاومة العراقية رصد أربعة خروقات أميركية للأجواء العراقية خلال يوم واحد يعيد فتح ملف يتجاوز الحوادث الجوية المحددة إلى طبيعة السياسة الأميركية في الشرق الأوسط وحدود نفوذها العسكري في الدول التي ترتبط معها بعلاقات أمنية. فالمسألة لا تتعلق فقط بوجود القوات الأميركية أو انتهاء مهمة عسكرية بعينها، بل بمدى خضوع التحركات الأجنبية للقانون الدولي وللقواعد التي تحددها الدولة صاحبة السيادة.
ويكشف هذا الملف عن تناقض جوهري في النظام الإقليمي، حيث ترفع القوى الكبرى شعارات الاستقرار والشراكة ومكافحة الإرهاب، بينما تظل مصالحها الاستراتيجية عاملا حاسما في تحديد طبيعة انتشارها العسكري وتحركاتها الخارجية. ولا يمكن معالجة هذا التناقض عبر الخطاب وحده، بل من خلال آليات واضحة للمساءلة والرقابة واحترام الحدود والسيادة الوطنية.
وبالنسبة إلى العراق، فإن التحدي الحقيقي يتمثل في تحويل السيادة من مبدأ دستوري وشعار سياسي إلى قدرة عملية على مراقبة المجال الجوي والتحكم في استخدامه وإلزام جميع الأطراف باحترام القواعد الوطنية. أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإن استمرار الاعتماد على التفوق العسكري بوصفه أداة أساسية لإدارة التوازنات الإقليمية قد يمنحها قدرة على التحرك السريع، لكنه لا يضمن لها الشرعية أو الثقة أو الاستقرار طويل الأمد. وفي منطقة أنهكتها الحروب والتدخلات الخارجية، يبقى احترام سيادة الدول شرطا أساسيا لأي نظام أمني مستدام، لا امتيازا تمنحه القوى الكبرى أو تسحبه وفق حساباتها الاستراتيجية.



