العلاقة بين كيان الاحتلال والهند والحسابات الاقليمية

قسم البحوث والدراسات الاستراتجية 28-02-2026
تشهد العلاقة بين الهند وكيان الاحتلال تحوّلاً متدرّجاً من شراكة أمنية إلى إطار استراتيجي متعدد الأبعاد، يتقاطع فيه الدفاع بالتكنولوجيا والاقتصاد بالسياسة الدولية.
منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية الكاملة عام 1992، انتقلت نيودلهي وتل أبيب من تعاون حذر إلى تعاون مؤسسي، تُرجم في زيارات متبادلة رفيعة المستوى، أبرزها زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى تل أبيب عام 2017، ثم زيارة رئيس حكومة الاحتلال آنذاك إلى الهند مطلع 2018. تلك الزيارات دشّنت مرحلة العلنية السياسية بعد سنوات من إدارة التعاون بعيداً عن الأضواء.
الركيزة الأبرز في هذه العلاقة هي التعاون الدفاعي
الهند تُعد من كبار مستوردي السلاح في العالم، وكيان الاحتلال بات خلال العقدين الماضيين أحد مورّديها الرئيسيين في مجالات الطائرات المسيّرة، وأنظمة الرادار، والدفاع الجوي، والصواريخ الموجّهة.
وأظهرت تقارير معاهد أبحاث معروفة في مجال تجارة السلاح، مثل معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، أن الهند شكّلت في سنوات عدة أحد أهم أسواق الصناعات العسكرية الإسرائيلية. اذ يشمل هذا التعاون إنتاجاً مشتركاً ونقل تكنولوجيا في بعض المشاريع، في سياق سعي نيودلهي إلى تعزيز التصنيع الدفاعي المحلي ضمن سياسة “صُنع في الهند”.
يستند هذا التقارب الأمني إلى تقاطعات في قراءة التهديدات. حيث تتبنى الحكومتان خطاباً متشدداً في قضايا “مكافحة الإرهاب”، وتُظهران حساسية عالية تجاه الحركات المسلحة في محيطهما الإقليمي. هذا التقاطع عزز تبادل الخبرات في مجالات الاستخبارات والأمن الداخلي وأمن الحدود.
البعد الاقتصادي والتكنولوجي يتقدم بسرعة. قطاعات الزراعة المتقدمة، إدارة المياه، التقنيات الصحية، والابتكار الرقمي أصبحت مساحات تعاون نشطة. وبينما تنظر الشركات الإسرائيلية إلى السوق الهندية بوصفها بيئة واسعة للتجربة والتوسع، ترى الهند في التكنولوجيا الإسرائيلية قيمة مضافة لمشاريعها التنموية. إنشاء مراكز تميز زراعية في ولايات هندية مختلفة بدعم إسرائيلي يُعد مثالاً عملياً على هذا المسار، حيث جرى توظيف الخبرة في الري بالتنقيط وتحسين الإنتاج الزراعي في بيئات مناخية قاسية.
المستجد الأبرز يتمثل في إدراج العلاقة الثنائية ضمن أطر إقليمية أوسع. الإعلان عن الممر الاقتصادي الهندي–الأوروبي (IMEC) خلال قمة العشرين في نيودلهي عام 2023، بحضور الولايات المتحدة ودول أوروبية وعربية، وضع الهند وكيان الاحتلال ضمن تصور جيو-اقتصادي يربط جنوب آسيا بالشرق الأوسط وأوروبا. يشمل الممر المقترح بنى تحتية للنقل والطاقة والاتصالات، ويمر عبر الإمارات والسعودية وصولاً إلى موانئ البحر المتوسط. في هذا السياق، يبرز ميناء حيفا بوصفه عقدة محتملة في الشبكة المقترحة، ما يمنح العلاقة الهندية–الإسرائيلية بعداً لوجستياً يتجاوز الإطار الثنائي.
غير أن هذا المسار يتأثر مباشرة بالتطورات الأمنية في المنطقة. اذ أدت الحرب في غزة إلى تجميد أو إبطاء بعض النقاشات المتعلقة بالممر، وأعادت تسليط الضوء على حساسية البيئة الإقليمية. الهند تعاملت مع التصعيد بحذر؛ فقد أدانت الهجمات التي استهدفت مدنيين، ودعت إلى احترام القانون الدولي، وأرسلت مساعدات إنسانية إلى الفلسطينيين. هذا التوازن يعكس إدراك نيودلهي لحجم جاليتها في دول الخليج واعتمادها الكبير على واردات الطاقة من المنطقة، إضافة إلى علاقاتها التاريخية مع العواصم العربية.
على المستوى الدولي، تنظر واشنطن إلى الهند بوصفها ركيزة في استراتيجيتها لمواجهة النفوذ الصيني في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. إدارة دونالد ترامب عززت الشراكة مع نيودلهي في إطار احتواء بكين، وهو توجه استمر بأشكال مختلفة في الإدارات اللاحقة. في هذا السياق، يكتسب التقاطع بين الهند وكيان الاحتلال أهمية إضافية، إذ يُنظر إليه كجزء من شبكة أوسع من التحالفات التكنولوجية والأمنية التي تدعمها الولايات المتحدة.
ما بين كيان الاحتلال الهند أقرب إلى علاقة مستقرة وقابلة للتوسع، مدفوعة بمصالح ملموسة في الدفاع والتكنولوجيا والبنية التحتية. في الوقت ذاته، تبقى محكومة بحسابات الهند الإقليمية والدولية، وبحساسية البيئة السياسية في الشرق الأوسط. أي انتقال بالعلاقة إلى مستوى أعلى سيتوقف على قدرة الطرفين على إدارة هذه التوازنات، وعلى مسار المشاريع الإقليمية الكبرى التي تربط آسيا بأوروبا عبر المشرق العربي.



