الساحل الإفريقي يشتعل: مالي بين تصاعد الإرهاب وتآكل هيبة الدولة

اعداد الاستاذ ادريس احميد: 27-04-2026
تشهد منطقة الساحل الإفريقي، وتحديدًا مالي والنيجر وبوركينا فاسو، تصاعدًا غير مسبوق في التهديدات الأمنية، في مشهد يعكس تراكم أزمات بنيوية عميقة تتجاوز البعد العسكري إلى مستويات سياسية واجتماعية واقتصادية معقدة. فهذه الدول لم تعد تواجه خطر الإرهاب فحسب، بل تقف أيضًا أمام تحديات النزعات الانفصالية، في ظل هشاشة مؤسسات الدولة وتراجع قدرتها على بسط السيادة على كامل ترابها الوطني.
قراءة هذا المشهد تكشف عن جذور متعددة ومتشابكة للأزمة، ترتبط بضعف العدالة الاجتماعية، واتساع رقعة الفقر والبطالة، وتدهور الخدمات في المناطق الطرفية، إلى جانب اختلالات بنيوية في أنظمة الحكم وغياب الممارسة الديمقراطية الفاعلة. ولا يمكن فصل هذا الواقع عن الإرث الاستعماري، خاصة الدور الفرنسي الذي ظل لعقود فاعلًا في البنية الأمنية والاقتصادية للمنطقة، قبل أن يتراجع تدريجيًا في السنوات الأخيرة.
وقد شكّل انتهاء عمليتي “سيرفال” و”برخان” نقطة تحول مفصلية، إذ لم يؤدِّ الانسحاب إلى استقرار، بل كشف عن فراغ أمني سرعان ما استغلته الجماعات المسلحة، وعلى رأسها “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” المرتبطة بتنظيم القاعدة، إلى جانب الحركات الانفصالية مثل “جبهة تحرير أزواد”.
وفي قلب هذا المشهد، تبرز مالي باعتبارها الساحة الأكثر حساسية، خاصة مع انتقال الهجمات إلى العمق الاستراتيجي. فقد شهدت العاصمة باماكو خلال الأيام الماضية هجمات منسقة وغير مسبوقة، استهدفت مواقع عسكرية وأمنية حساسة، في تطور أعقب مواجهات عنيفة بين الجيش وجماعات مسلحة في باماكو ومدينة كاتي، معقل المجلس العسكري، قبل أن يخيّم هدوء حذر على المنطقة.
غير أن هذا الهدوء لا يعكس استقرارًا بقدر ما يعكس حالة ترقب، خصوصًا بعد مقتل وزير الدفاع ساديو كامارا في هجوم نوعي بسيارة مفخخة، وهو تطور بالغ الخطورة يعكس انتقال الصراع إلى قلب المؤسسة السيادية. كما زاد استمرار غياب رئيس المجلس العسكري عاصيمي غويتا عن الظهور من حدة التساؤلات حول إدارة الأزمة ومستوى تماسك القيادة السياسية والعسكرية في مواجهة هذا التصعيد.
هذا التحول يعكس نقلة نوعية في استراتيجية الجماعات المسلحة، من استنزاف الأطراف إلى الضغط على المركز، مستفيدة من ثغرات أمنية وتحديات في التنسيق الاستخباراتي، ما يطرح تساؤلات جدية حول قدرة الدولة على حماية عمقها الاستراتيجي.
ورغم إعلان الجيش استعادة السيطرة على المواقع المستهدفة، فإن طبيعة الاختراق تكشف عن تحديات عميقة في فعالية المنظومة الأمنية، وتعكس هشاشة في حماية المركز الحيوي للدولة، في ظل تحول الجماعات المسلحة نحو استهداف العمق بدل الأطراف.
وعلى مستوى أوسع، يتزايد الإدراك بأن الصراع في الساحل لم يعد محليًا، بل أصبح جزءًا من بيئة دولية متداخلة تتغير فيها خرائط النفوذ. فمع تراجع الدور الفرنسي التقليدي، يبرز الحضور الروسي بأدوات أمنية وسياسية، في مؤشر على إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة.
وفي هذا الإطار، يمكن قراءة تداخل العامل الدولي من خلال ثلاث مقاربات: الأولى ترى أن التنافس الدولي بات عنصرًا فاعلًا في إعادة تشكيل البيئة الأمنية. الثانية ترجّح وجود حضور غير مباشر لبعض الأطراف الدولية في سياق التنافس العالمي، دون معطيات ميدانية حاسمة. أما الثالثة فتؤكد أن جوهر الأزمة يظل داخليًا، مرتبطًا بهشاشة الدولة أكثر من كونه انعكاسًا مباشرًا للصراع الدولي.
وفي المقابل، يواجه الاتحاد الإفريقي معضلة حقيقية في التعامل مع الأزمة، خاصة في ظل توتر علاقاته مع الأنظمة العسكرية في هذه الدول. فبين الالتزام بمبدأ رفض الانقلابات، والحاجة إلى الحفاظ على الاستقرار، يجد الاتحاد نفسه أمام أدوات محدودة التأثير، تتراوح بين الضغوط السياسية وتعليق العضوية، دون قدرة حقيقية على فرض حلول أمنية فعالة.
ورغم ذلك، يبدو أن المقاربة الإفريقية تتجه تدريجيًا نحو البراغماتية، عبر إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، إدراكًا بأن عزل هذه الدول قد يؤدي إلى نتائج عكسية، ويفتح المجال أمام مزيد من الفوضى والتدخلات الخارجية.
إقليميًا، تتزايد المخاوف من امتداد هذا التصعيد إلى دول أخرى في غرب إفريقيا، بما في ذلك السنغال، وهو ما يعزز فرضية تحوّل الساحل إلى حزام مفتوح من عدم الاستقرار، تتداخل فيه التهديدات الأمنية مع الأزمات السياسية.
في المحصلة، تكشف تطورات الساحل الإفريقي أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من الصراع، لم تعد المواجهة فيها بين دولة وجماعات مسلحة فقط، بل أصبحت صراعًا على الدولة نفسها: على سيادتها، وعلى مركزها، وعلى قدرتها على البقاء. وبين اختراق المركز، وتراجع السيطرة على الأطراف، وتداخل النفوذ الدولي، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تتجه هذه الدول نحو إعادة بناء الدولة، أم نحو إعادة إنتاج الفوضى؟



