الحرب لم تحسم: الصمود الإيراني يربك ترامب ونتنياهو

ادريس احميد قسم البحوث والدراسات الاستراتجية 06-04-2026
تستمر الحرب العسكرية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، منذ أكثر من شهر، في مواجهة لم تحقق الحسم المتوقع، لتتحول إلى حرب استنزاف مفتوحة أعادت طرح سؤال أساسي: هل ما زالت القوة وحدها قادرة على فرض إرادة أي طرف في الشرق الأوسط؟
دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل هذه المواجهة بهدف سريع وواضح: تقويض القدرات العسكرية الإيرانية والسيطرة على برامجها النووية والصاروخية. إلا أن إيران فاجأت الجميع بقدرتها على الصمود، مستندة إلى خبرة تراكمية منذ الثورة الإسلامية، وقدرات دفاعية وهجومية متقدمة، إلى جانب أسلوب إدارة حرب طويل النفس يربك حسابات خصومها.
ورغم التفوق العسكري الأمريكي–الإسرائيلي، واستخدام أحدث الأسلحة والتكنولوجيا، واستنزاف المليارات، لم تتحقق أهداف الحسم. ومع استمرار المواجهة، تتزايد الكلفة الاقتصادية والسياسية، ليس فقط على الطرفين، بل على المنطقة والعالم، حيث تُهدد أسواق الطاقة وتتأثر التجارة الدولية، ما يفتح الباب أمام أزمة اقتصادية محتملة.
فشل الحسم العسكري الأمريكي يضع الإدارة في مأزق سياسي واستراتيجي: داخليًا، ينعكس الفشل على سمعة دونالد ترامب، ويزيد الضغط الانتخابي والقضائي عليه، ويضعف موقفه أمام المعارضة والحلفاء. خارجيًا، يتراجع النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط، ويضطر إلى إعادة ترتيب تحالفاته وإعادة النظر في سياسات التدخل المباشر. عسكريًا، يُعد صدمة للعقيدة الأمريكية التي تعتمد على الحسم السريع، ويجبر الجيش على مراجعة الخطط والأساليب المستقبلية. اقتصاديًا، استمرار الحرب بلا نتائج ملموسة يعني استنزاف المليارات، وزيادة المخاطر على الاقتصاد الأمريكي والعالمي معًا.
باختصار، فشل الحسم الأمريكي يعكس حدود الهيمنة التقليدية، ويضع العقيدة العسكرية والسياسية الأمريكية تحت اختبار قاسٍ، ويدفعها للبحث عن أدوات أكثر دبلوماسية واستراتيجية.
على المستوى الدولي، تظهر تحركات لاحتواء التصعيد تقودها الصين وروسيا، بينما تتباين المواقف داخل المعسكر الغربي. إقليميًا، تظل ملفات معقدة كالقضية الكردية قابلة للاشتعال، ما يزيد من تعقيد المشهد. وفي حال استمرار الحرب دون تحقيق أهدافها، سيكون ذلك بمثابة ضربة سياسية لكل من دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، وقد ينعكس على مستقبلهما السياسي وصورة بلديهما دوليًا.
الصمود الإيراني، إذًا، لا يُترجم فقط إلى انتصار عسكري محتمل، بل إلى تحولات استراتيجية أوسع، قد تؤدي إلى ولادة تحالفات جديدة وصعود قوى دولية منافسة، مع إعادة توزيع أوراق النفوذ في الشرق الأوسط والعالم.
لم تعد المسألة من يربح الحرب، بل من يخسر أقل. فالصمود الإيراني لم يُنهِ الصراع، لكنه غيّر قواعده، وفرض واقعًا جديدًا: عالم لا تُحسم فيه الحروب بالقوة وحدها، بل بتعقيدات السياسة والاقتصاد وتوازن المصالح.
وفي هذا السياق، تبدو تهديدات دونالد ترامب المرتبطة بمهلة يوم الثلاثاء القادم امتدادًا لسياسة الضغط أكثر من كونها مؤشرًا حتميًا على حرب شاملة، إذ يُستخدم التصعيد الخطابي في كثير من الأحيان لفرض شروط تفاوضية أفضل في ظل غياب الحسم الميداني. ورغم أن الولايات المتحدة لم تستخدم كامل قدراتها العسكرية، فإن أي تصعيد واسع — كالدخول في حرب مفتوحة أو تبني خيار التدمير الشامل — يحمل كلفة باهظة ومخاطر كبيرة. فالخيارات المتاحة أمام واشنطن، من تكثيف الضربات العسكرية إلى تشديد العقوبات وتوسيع المواجهة عبر الحلفاء، قد تقود في المقابل إلى رد إيراني أوسع، وتهديد إمدادات الطاقة وحركة الملاحة، وربما اتساع نطاق الصراع مع احتمال تدخل قوى كبرى مثل الصين وروسيا.
تظهر الدبلوماسية الإيرانية التي عرف عنها النفس الطويل والحنكة في التفاوض، إذ تتحدث بلغة الصمود في المواقف، والمرونة ضمن إطار السيادة والرغبة في التعامل مع دول الجوار على أساس الاحترام وتبادل المصالح الجيوسياسية والاقتصادية. ولعل الثقة في إيران تبدو أفضل من الثقة في الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، خاصة أنه إذا انتهت الحرب، فإن المصالح ستفرض نفسها وتدفع إلى استقرار العلاقة مع طهران أكثر من أي طرف آخر.
السيناريو الأرجح يظل استمرار التصعيد المحدود والمحسوب، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى رفع مستوى الضغط دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، بينما تراهن إيران على عامل الزمن وطول النفس. ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تحمل الأيام التي تسبق الثلاثاء تحولًا فعليًا في مسار الأحداث، أم أنها مجرد جولة جديدة من التصريحات التي تسبق إعادة تموضع سياسي وعسكري؟ وفي النهاية، لا يمكن استبعاد أي من الاحتمالات: استمرار الحرب، أو التوصل إلى هدنة، أو حتى اتفاق على وقف إطلاق النار، حيث تلعب السياسة والدبلوماسية جنبًا إلى جنب مع القوة العسكرية والاقتصادية لتحديد مسار الصراع. يبقى المستقبل غير مؤكد، والتطورات القادمة حاسمة في رسم ملامح المرحلة المقبلة في الشرق الأوسط.



