أحداث وشخصياتأخبار العالمأنشطة المركز

التقرير الأكاديمي حول ورشة عمل : علاقة المواطن والإدارة

تقديم عام

في إطار اهتمام المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية الأمنية والعسكرية بالقضايا المرتبطة بالشأن العام والعلاقة بين المواطن والمؤسسات نظّم المركز يوم السبت 26 سبتمبر 2026 ورشة عمل تحت عنوان علاقة المواطن والمسؤول وقد خصصت الورشة الأولى من هذه السلسلة لمناقشة موضوع أزمة الثقة بين المواطن والإدارة وتداعيات هذه الأزمة على كل منهما

وتندرج هذه الورشة ضمن مسعى المركز إلى توفير فضاء للحوار والنقاش حول الإشكاليات التي تؤثر في العلاقة بين المواطن والمؤسسات العمومية وذلك من خلال الجمع بين المقاربة الأكاديمية والنقاش المباشر مع الطلبة والشباب والفاعلين المهتمين بالشأن العام

وقد اكتسب موضوع الورشة أهميته من كون الثقة تمثل عنصرًا أساسيًا في بناء علاقة مستقرة وفعالة بين المواطن والمؤسسات إذ لا تقتصر العلاقة بين الطرفين على تقديم الخدمات الإدارية والحصول عليها وإنما ترتبط كذلك بدرجة التواصل والشفافية والاستجابة للمطالب ومدى قدرة المؤسسات على مواكبة التحولات الاجتماعية والتكنولوجية والإدارية المتسارعة

ومن هذا المنطلق سعت الورشة إلى تجاوز النظرة الأحادية التي تحمل طرفًا واحدًا مسؤولية أزمة الثقة حيث تم تناول العلاقة باعتبارها علاقة متبادلة تتأثر بأداء المؤسسات من جهة وبسلوك المواطنين ومستوى مشاركتهم ومبادرتهم من جهة أخرى

أهداف الورشة

هدفت الورشة إلى مناقشة أزمة الثقة بين المواطن والمسؤول من خلال مقاربة تقوم على فهم أسبابها وانعكاساتها والبحث في إمكانيات تجاوزها

ويمكن تحديد أبرز أهداف اللقاء في النقاط التالية

  • الوقوف على الأسباب التي ساهمت في تراجع الثقة بين المواطن والمؤسسات
  • تحليل طبيعة العلاقة القائمة بين المواطن والإدارة باعتبارها الواجهة اليومية للمؤسسات العمومية
  • التعرف على أبرز الصعوبات التي يواجهها المواطن عند تعامله مع الإدارة
  • مناقشة الإشكاليات المرتبطة بالإجراءات الإدارية وبطء الخدمات وجمود بعض آليات العمل
  • بحث أثر ضعف التواصل والشفافية في تعميق الفجوة بين المواطن والمؤسسات
  • مناقشة دور المواطن في إنتاج أو تجاوز حالة التوتر القائمة
  • التوقف عند مسألة مشاركة الشباب في الشأن العام والمبادرات المدنية والمجتمعية
  • البحث عن آليات عملية يمكن أن تساهم في إعادة بناء الثقة وتعزيز التعاون بين المواطن والمؤسسات
  • فتح مجال للحوار المباشر وتبادل وجهات النظر بين مختلف المشاركين

افتتاح الورشة

افتتحت الدكتورة بدرة قعلول رئيسة المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية الأمنية والعسكرية أعمال الورشة مرحبة بالأستاذ ياسين أولاد الجبالي وبمختلف الحاضرين من طلبة وشباب ومهتمين بموضوع العلاقة بين المواطن والمسؤول

وأكدت الدكتورة بدرة قعلول في كلمتها الافتتاحية أهمية تناول موضوع الثقة في ظل ما تشهده العلاقة بين المواطن والمؤسسات من صعوبات وإشكاليات متعددة مشيرة إلى أن تراجع الثقة لا يمثل مجرد مشكلة مرتبطة بطريقة تقديم الخدمات وإنما يعكس إشكالًا أوسع يتعلق بطبيعة العلاقة بين المواطن والمؤسسات ومدى قدرة هذه المؤسسات على الاستجابة لحاجيات المواطنين وتوقعاتهم

كما أوضحت أن تنظيم هذه الورشة يأتي في إطار رغبة المركز في فتح فضاء للحوار البناء يتيح للمواطنين والشباب والطلبة التعبير عن تصوراتهم وملاحظاتهم تجاه المؤسسات ومناقشة الإشكاليات التي تعترضهم بصورة مباشرة

وقد أكدت الكلمة الافتتاحية أن الهدف من اللقاء لا يتمثل في توجيه اللوم إلى طرف دون آخر وإنما في محاولة فهم أسباب أزمة الثقة والبحث عن مقاربات عملية تساعد على تجاوزها وبناء علاقة أكثر فاعلية تقوم على التواصل والحوار والتعاون والمسؤولية المشتركة

محاضرة الأستاذ ياسين أولاد الجبالي : ناشط سياسي 

قدم الأستاذ ياسين أولاد الجبالي محاضرة تحت عنوان أزمة الثقة بين المواطن والمسؤول وتداعيات هذه الأزمة على كل منهما وقد شكلت المحاضرة المحور الأساسي للورشة حيث سعت إلى تفكيك طبيعة العلاقة القائمة بين المواطن والمؤسسات من خلال الوقوف عند أسباب أزمة الثقة ومظاهرها وانعكاساتها على كل من المواطن والمسؤول والإدارة

وقد تناولت المحاضرة إشكالية الثقة باعتبارها أحد العناصر الأساسية التي تحدد طبيعة العلاقة بين المواطن والمؤسسات العمومية إذ إن الثقة لا تمثل مجرد شعور فردي تجاه المسؤول أو الموظف وإنما ترتبط بصورة أوسع بمدى قدرة المؤسسة على أداء وظائفها والاستجابة لحاجيات المواطنين واحترام حقوقهم وتوفير الخدمات بطريقة واضحة ومنصفة وفعالة ولذلك فإن تراجع الثقة في المؤسسة قد يتحول تدريجيًا إلى تراجع في ثقة المواطن في مختلف الهياكل التي تمثل الدولة في حياته اليومية

وانطلقت المحاضرة من اعتبار أن الإدارة تمثل إحدى أهم نقاط الاتصال المباشر بين المواطن والدولة إذ يختبر المواطن فعالية الدولة في جزء كبير من حياته اليومية من خلال تعامله مع مختلف الإدارات والمؤسسات العمومية فالعلاقة التي تجمع المواطن بالإدارة لا تقتصر على الجانب الإجرائي وإنما تساهم في تشكيل تصوره عن المؤسسة وعن قدرتها على الاستجابة لمطالبه ومدى احترامها لحقوقه واحتياجاته

ومن هذا المنطلق تم التركيز على أن الإدارة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد جهاز لتطبيق القوانين والإجراءات وإنما باعتبارها فضاءً أساسيًا لتقديم الخدمة العمومية وتنظيم العلاقة بين المواطن والمؤسسة وهو ما يجعل طريقة عملها وأسلوب تعاملها مع المواطنين من العوامل المؤثرة بصورة مباشرة في مستوى الثقة

وفي هذا السياق تطرق الأستاذ إلى مجموعة من الإشكاليات التي تواجه الإدارة العمومية والتي يمكن أن تساهم في تعميق الفجوة بينها وبين المواطن ومن أبرزها البيروقراطية وتعقيد الإجراءات وبطء معالجة الملفات وتعدد المتدخلين وجمود بعض المسارات الإدارية إضافة إلى ضعف التواصل وصعوبة الحصول على المعلومات وعدم مواكبة بعض الخدمات للتطورات التكنولوجية والاجتماعية المتسارعة

وتظهر هذه الإشكاليات بصورة خاصة عندما يجد المواطن نفسه أمام إجراءات طويلة أو غير واضحة أو عندما يضطر إلى التنقل بين أكثر من مصلحة لإنجاز معاملة واحدة أو عندما لا يجد معلومات دقيقة حول الوثائق المطلوبة أو آجال معالجة ملفه وفي مثل هذه الحالات لا تصبح المشكلة مرتبطة فقط بتأخر الحصول على الخدمة وإنما يمكن أن تتحول إلى شعور أوسع بعدم الفعالية أو بعدم الاهتمام بحاجيات المواطن

كما تم التطرق إلى مسألة جمود الإدارة وعدم قدرتها أحيانًا على مواكبة التحولات التي يشهدها المجتمع حيث أصبحت حاجيات المواطنين أكثر تنوعًا وسرعة في ظل التحول الرقمي وتطور وسائل الاتصال في حين لا تزال بعض طرق العمل الإداري تعتمد على آليات تقليدية لا تتلاءم بالضرورة مع هذه التحولات وهذا التباين بين تطور حاجيات المواطن وبطء تطور بعض الخدمات يمكن أن يساهم في اتساع الفجوة بين الطرفين

وفي هذا الإطار برزت مسألة الرقمنة وتحديث الإدارة باعتبارها إحدى القضايا المرتبطة بإعادة بناء العلاقة مع المواطن فالتحديث لا يتعلق فقط باستخدام الوسائل التكنولوجية وإنما يشمل كذلك إعادة التفكير في طريقة تقديم الخدمات وتبسيط الإجراءات وتقليل عدد المراحل التي يمر بها المواطن وتحسين إمكانية الوصول إلى المعلومات وجعل العلاقة مع المؤسسة أكثر مرونة ووضوحًا

كما تناولت المحاضرة إشكالية التواصل بين الإدارة والمواطن باعتبارها عنصرًا أساسيًا في بناء الثقة فحتى عندما تكون الإجراءات الإدارية موجودة ومنظمة فإن ضعف شرحها أو غياب قنوات واضحة للتواصل قد يؤدي إلى سوء فهمها ويزيد من شعور المواطن بالتعقيد والغموض ولذلك فإن التواصل الفعال لا ينبغي أن يكون مجرد وسيلة لإعلام المواطن بالإجراءات وإنما ينبغي أن يمثل آلية للاستماع إليه وفهم حاجياته وتفسير القرارات والإجراءات بطريقة واضحة

وقد تم كذلك التطرق إلى الشفافية باعتبارها أحد الشروط الأساسية للعلاقة القائمة على الثقة فوضوح الإجراءات والمسؤوليات والآجال وتمكين المواطن من متابعة ملفه ومعرفة مراحل معالجته كلها عناصر يمكن أن تحد من حالة الغموض التي قد تؤدي إلى فقدان الثقة كما أن الشفافية تسمح للمواطن بفهم حدود مسؤولية الإدارة والتمييز بين ما يرتبط بالقانون وما يرتبط بطريقة تنفيذ الإجراءات

ومن جهة أخرى لم تقتصر المحاضرة على تناول المشكلات التي يواجهها المواطن داخل الإدارة وإنما اهتمت كذلك بالجانب المتعلق بالمسؤول والموظف حيث تم التطرق إلى الضغوط التي يمكن أن تواجهها الإدارة من الداخل نتيجة كثرة الملفات وتعدد المطالب وتراكم الإجراءات ومحدودية الإمكانيات أحيانًا إضافة إلى المسؤوليات التي يتحملها الموظفون في التعامل اليومي مع المواطنين

ويؤدي هذا الوضع في بعض الحالات إلى توتر متبادل حيث قد يشعر المواطن بأن الإدارة لا تستجيب لحاجياته بالسرعة المطلوبة في حين قد يجد الموظف نفسه أمام عدد كبير من المطالب والملفات والضغوط التي تحد من قدرته على الاستجابة لجميع المواطنين بالطريقة التي ينتظرونها ومن هنا تصبح أزمة الثقة ذات طبيعة متبادلة ولا يمكن فهمها فقط من خلال علاقة المواطن بالموظف وإنما ينبغي ربطها كذلك بالظروف التنظيمية والإدارية التي يعمل داخلها الموظف

وفي هذا السياق تم التأكيد على أهمية عدم اختزال المسؤولية في شخص الموظف أو المسؤول المباشر لأن بعض الإشكاليات التي يواجهها المواطن قد تكون مرتبطة بطريقة تنظيم الإدارة أو بتعقيد الإجراءات أو بغياب التنسيق بين المصالح أو ببطء اتخاذ القرار وليس بالضرورة بسلوك فردي من جانب الموظف

كما أبرزت المحاضرة أن العلاقة بين المواطن والمسؤول تتأثر أيضًا بالتوقعات المتبادلة فالمواطن ينتظر من الإدارة السرعة والوضوح والإنصاف وحسن المعاملة في حين تنتظر الإدارة من المواطن احترام الإجراءات وتوفير المعلومات والوثائق المطلوبة والالتزام بالقواعد المنظمة للخدمات ولذلك فإن وجود فجوة كبيرة بين ما ينتظره كل طرف من الطرف الآخر يمكن أن يؤدي إلى التوتر وسوء الفهم

ومن بين النقاط التي تم التوقف عندها كذلك مسألة المعاملة الإدارية حيث إن طريقة استقبال المواطن والتعامل معه وتقديم المعلومات إليه يمكن أن يكون لها تأثير كبير على الصورة التي يكونها عن المؤسسة فقد تكون الإجراءات في حد ذاتها ضرورية ومبررة من الناحية القانونية ولكن طريقة تقديمها بصورة غير واضحة أو غير مرنة يمكن أن تجعل المواطن ينظر إليها باعتبارها عائقًا بدل أن يراها كجزء من تنظيم الخدمة

كما تم التطرق إلى أن أزمة الثقة يمكن أن تتراكم تدريجيًا نتيجة تجارب يومية متكررة فالمواطن الذي يواجه صعوبات متكررة في الحصول على الخدمات أو يلاحظ بطئًا مستمرًا في معالجة الملفات أو يجد صعوبة في الوصول إلى المعلومات قد يطور مع مرور الوقت تصورًا سلبيًا عن الإدارة بصورة عامة وهو ما يجعل تجربة إدارية واحدة غير ناجحة قادرة على التأثير في نظرته إلى المؤسسة وربما إلى المؤسسات العمومية بصورة أوسع

وفي المقابل يمكن للتجارب الإيجابية أن تساهم في بناء الثقة عندما يشعر المواطن بأن الإدارة تستجيب لمطالبه وتحترم وقته وتوفر له المعلومات اللازمة وتتعامل معه بصورة واضحة ومنصفة ولذلك فإن بناء الثقة لا يتحقق فقط من خلال الخطابات أو الشعارات وإنما من خلال التجربة اليومية للمواطن داخل المؤسسة

كما ناقشت المحاضرة مسألة المسؤولية المشتركة في إنتاج الأزمة وتجاوزها حيث لا يمكن اختزال أزمة الثقة في ضعف أداء الإدارة وحده كما لا يمكن تحميل المواطن وحده مسؤولية التوتر القائم فالعلاقة بين الطرفين تقوم على التفاعل المستمر وكل طرف يؤثر في الطرف الآخر ولذلك فإن معالجة الأزمة تتطلب إصلاحًا على مستوى المؤسسات بالتوازي مع تعزيز وعي المواطن بدوره ومسؤوليته

وفي هذا الإطار تم التطرق إلى بعض السلوكيات التي يمكن أن تساهم في تعقيد العلاقة مع المؤسسات مثل عدم احترام الإجراءات أو محاولة تجاوز المسارات القانونية أو ضعف الالتزام بالقواعد المنظمة للخدمات كما تمت الإشارة إلى أن عزوف المواطنين وخاصة الشباب عن المشاركة والمبادرة يمكن أن يحد من فرص تطوير العلاقة بين المجتمع والمؤسسات

وقد سمح هذا الجانب من المحاضرة بالانتقال من تصور المواطن باعتباره متلقيًا للخدمة فقط إلى اعتباره طرفًا قادرًا على المشاركة في تحسين المؤسسات من خلال إبداء الرأي وتقديم المقترحات والمشاركة في المبادرات المدنية والمساهمة في تقييم الخدمات

كما برزت مشاركة الشباب باعتبارها مسألة مهمة في سياق إعادة بناء الثقة حيث إن الشباب يمثل فئة أساسية في المجتمع وأكثر ارتباطًا بالتحولات الرقمية والتكنولوجية وبالتالي فإن استمرار الفجوة بين المؤسسات وهذه الفئة قد يؤدي إلى تعميق حالة الابتعاد عن المشاركة العامة ولذلك تبرز الحاجة إلى تطوير قنوات تواصل ومشاركة تتناسب مع طرق تفاعل الشباب مع المؤسسات والمجتمع

وقد خلصت المحاضرة إلى أن أزمة الثقة بين المواطن والمسؤول لا يمكن معالجتها من خلال إجراء واحد أو حل ظرفي وإنما تتطلب مسارًا تدريجيًا لإعادة بناء العلاقة يقوم على تطوير الإدارة وتبسيط الإجراءات وتحسين الخدمات وتعزيز الشفافية وتطوير قنوات التواصل إلى جانب تشجيع المواطنين على المشاركة وتحمل مسؤولياتهم والانخراط في المبادرات الرامية إلى تحسين الواقع المؤسساتي

وبذلك قدمت المحاضرة مقاربة تقوم على تجاوز منطق تحميل المسؤولية لطرف واحد والانتقال نحو فهم أزمة الثقة باعتبارها نتاجًا لتفاعل عوامل إدارية ومؤسساتية واجتماعية وسلوكية متداخلة كما أكدت أن إعادة بناء الثقة تبدأ من تحسين التجربة اليومية للمواطن داخل المؤسسة ومن تطوير أداء الإدارة ومن إقامة علاقة أكثر وضوحًا وتواصلًا وتعاونًا بين المواطن والمسؤول

الإدارة العمومية وإشكالية الخدمات والإجراءات

شكلت الإدارة العمومية محورًا أساسيًا في النقاش باعتبارها المجال الذي تتجسد فيه العلاقة بين المواطن والمؤسسة بصورة مباشرة

وقد تم التوقف عند عدد من الإشكاليات التي يمكن أن تواجه المواطن أثناء توجهه إلى المؤسسات للحصول على الخدمات الإدارية حيث أشار النقاش إلى بطء بعض الإجراءات وجمودها وعدم مواكبتها بالقدر الكافي للتطورات التكنولوجية وللحاجيات المتجددة للمواطنين

وتطرح هذه المسألة إشكالًا يتجاوز مجرد سرعة إنجاز المعاملات إذ ترتبط كذلك بقدرة الإدارة على تطوير طرق عملها والاستفادة من التحول الرقمي وتبسيط المسارات الإدارية وتحسين طرق التواصل مع المواطنين

كما تم التأكيد على أن العلاقة بين المواطن والإدارة لا تتحدد فقط بالنتيجة النهائية للخدمة وإنما تتأثر أيضًا بطريقة تقديمها ومدى وضوح الإجراءات والوقت المطلوب لإنجازها وطبيعة التواصل بين المواطن والموظف

ومن هذا المنظور فإن تحسين العلاقة بين المواطن والإدارة يتطلب تطوير الإدارة ليس فقط على مستوى الإجراءات وإنما كذلك على مستوى الثقافة الإدارية وآليات التواصل وجودة الخدمات والاستجابة لحاجيات المواطنين

المواطن ومسؤوليته في العلاقة مع المؤسسات

لم يقتصر النقاش على مسؤولية الإدارة والمؤسسات وإنما تناول أيضًا دور المواطن في إنتاج العلاقة القائمة وفي إمكانية تجاوزها

وفي هذا السياق تم طرح مسألة بعض السلوكيات التي يمكن أن تساهم في تعقيد العلاقة مع المؤسسات إلى جانب ضعف المشاركة والعزوف عن المبادرة والانخراط المحدود في بعض المبادرات المدنية والمجتمعية

وقد سمح هذا الجانب من النقاش بتجاوز المقاربة التي تنظر إلى المواطن باعتباره مجرد متلقٍ للخدمة حيث تم التأكيد على أهمية النظر إليه باعتباره طرفًا مشاركًا في الحياة العامة وقادرًا على المساهمة في تحسين الواقع المؤسساتي والمجتمعي

ومن ثم فإن بناء الثقة لا يرتبط فقط بما تقدمه المؤسسات للمواطن وإنما يرتبط كذلك باستعداد المواطن للمشاركة والحوار والمبادرة واحترام الأطر المنظمة للعلاقة مع المؤسسات

الحوار والنقاش مع المشاركين

خصصت المرحلة الثانية من الورشة لفتح نقاش مباشر داخل قاعة الاجتماع بالمركز الدولي للدراسات الاستراتيجية الأمنية والعسكرية

وقد تركز النقاش حول التجارب والإشكاليات التي يواجهها المواطن عند تعامله مع المؤسسات الإدارية وخاصة ما يتعلق ببطء الإجراءات وجمودها وصعوبة بعض المسارات الإدارية وعدم مواكبة بعض الخدمات للتطورات والحاجيات الجديدة

كما ناقش المشاركون مسؤولية الطرفين في إنتاج الأزمة وإمكانية تجاوزها حيث تم التأكيد على أن إصلاح العلاقة يتطلب معالجة الاختلالات الموجودة داخل المؤسسات بالتوازي مع تعزيز مشاركة المواطنين وتشجيعهم على المبادرة والانخراط في الشأن العام

وأبرز النقاش أهمية الانتقال من علاقة تقوم على المطالبة والاستجابة فقط إلى علاقة أكثر تشاركية تسمح للمواطن بالمساهمة في تحديد حاجياته والتعبير عن مشكلاته والمشاركة في البحث عن حلول لها

وقد شكل الحوار مساحة لتبادل وجهات النظر بين الحاضرين وطرح أسئلة مرتبطة بالواقع اليومي للعلاقة بين المواطن والمؤسسات وهو ما أضفى على الورشة طابعًا تفاعليًا يتجاوز العرض النظري نحو مناقشة الإشكالات العملية

 التوصيات

في ضوء مختلف المداخلات والنقاشات التي شهدتها الورشة برزت مجموعة من التوصيات العملية التي يمكن أن تساهم في تحسين العلاقة بين المواطن والمؤسسات

أولًا ـ تعزيز التواصل المؤسساتي
العمل على تطوير قنوات التواصل بين المؤسسات والمواطنين بما يسمح بإيصال المعلومات بصورة واضحة وتسهيل فهم الإجراءات والخدمات

ثانيًا ـ تبسيط الإجراءات الإدارية
مراجعة الإجراءات والمسارات الإدارية المعقدة والعمل على جعلها أكثر مرونة ووضوحًا وسرعة بما يتناسب مع حاجيات المواطن

ثالثًا ـ تطوير الخدمات العمومية
العمل على تحسين جودة الخدمات وتحديث آليات تقديمها والاستفادة من الإمكانيات التي توفرها الرقمنة والتحول التكنولوجي

رابعًا ـ تعزيز الشفافية
توفير المعلومات الضرورية للمواطن وتوضيح الإجراءات والآجال والمسؤوليات بما يساهم في الحد من الغموض وسوء الفهم

خامسًا ـ تشجيع المشاركة الشبابية
دعم المبادرات الشبابية وفتح فضاءات تسمح للشباب بالمشاركة في النقاش العام والمساهمة في تقديم المقترحات والحلول

سادسًا ـ إرساء آليات لتقييم العلاقة بين المواطن والمؤسسات
اعتماد آليات دورية تسمح برصد الصعوبات التي يواجهها المواطن وتقييم مستوى رضاه عن الخدمات وتحديد النقاط التي تحتاج إلى تطوير

سابعًا ـ تعزيز ثقافة الحوار والمسؤولية المشتركة
الانتقال من علاقة يغلب عليها التوتر أو المطالبة الفردية إلى علاقة تقوم على الحوار والتعاون والتشارك وتحمل المسؤولية من قبل الطرفين

الأبعاد الأكاديمية للورشة

تكمن أهمية هذه الورشة من الناحية الأكاديمية في أنها تناولت العلاقة بين المواطن والمسؤول باعتبارها موضوعًا يتقاطع فيه البعد الإداري مع البعد الاجتماعي والمؤسساتي

فأزمة الثقة لا يمكن فهمها فقط من خلال أداء الإدارة أو جودة الخدمات وإنما ينبغي النظر إليها ضمن علاقة أوسع بين الفرد والمؤسسة وبين المواطن والدولة

كما أتاح اللقاء طرح إشكالية العلاقة بين الأداء المؤسساتي وتوقعات المواطنين حيث يمكن أن تظهر أزمة الثقة عندما توجد فجوة بين ما ينتظره المواطن من المؤسسة وما تستطيع المؤسسة تقديمه فعليًا

وتبرز أهمية الحوار في هذا السياق باعتباره آلية تسمح بفهم مختلف التصورات المتعلقة بالعلاقة بين الطرفين وتساعد على الانتقال من التشخيص إلى البحث عن حلول عملية

كما أن التركيز على الشباب والمشاركة يضيف بعدًا مهمًا للموضوع لأن مستقبل العلاقة بين المواطن والمؤسسات يرتبط بدرجة كبيرة بقدرة المؤسسات على التواصل مع الأجيال الجديدة وبقدرة الشباب في المقابل على المشاركة والمبادرة والانخراط في الحياة العامة

اختتام الورشة

اختتمت الدكتورة بدرة قعلول أعمال الورشة بتوجيه الشكر إلى الأستاذ ياسين أولاد الجبالي وإلى جميع المشاركين في اللقاء مثمنة مستوى النقاشات والأفكار التي تم طرحها خلال مختلف مراحل الورشة

وأكدت في كلمتها الختامية أهمية مواصلة النقاش حول علاقة المواطن بالمؤسسات وعدم التعامل مع أزمة الثقة باعتبارها إشكالًا ظرفيًا وإنما باعتبارها موضوعًا يحتاج إلى معالجة مستمرة تقوم على الحوار والتواصل والمسؤولية المشتركة

كما تم التأكيد على أهمية العمل على تجاوز أسباب التوتر بين المواطن والمسؤول من خلال تطوير الإدارة وتحسين الخدمات وتعزيز التواصل والشفافية من جهة وتشجيع المواطنين وخاصة الشباب على المشاركة والمبادرة من جهة أخرى

واختتمت الورشة في أجواء اتسمت بالنقاش والتفاعل وتبادل وجهات النظر حول سبل بناء علاقة أكثر فاعلية بين المواطن والمؤسسات

ورُفعت الجلسة في تمام الساعة 13:00 ظهرًا بتوقيت تونس

خاتمة عامة

أبرزت ورشة علاقة المواطن والمسؤول أن أزمة الثقة تمثل إشكالية متعددة الأبعاد تتجاوز حدود العلاقة المباشرة بين المواطن والموظف لتشمل طبيعة العلاقة بين المواطن والمؤسسات العمومية بصورة عامة

وقد أظهر النقاش أن الإدارة تمثل عنصرًا محوريًا في هذه العلاقة بحكم كونها الواجهة التي يتعامل معها المواطن بصورة يومية وأن جودة الإجراءات وسرعة الخدمات ووضوح المعلومات وفعالية التواصل كلها عناصر تؤثر في مستوى الثقة

وفي الوقت نفسه أبرزت الورشة أن المواطن ليس طرفًا سلبيًا في هذه العلاقة وأن إعادة بناء الثقة تتطلب أيضًا تعزيز المشاركة والمبادرة والانخراط في الحوار والشأن العام

وعليه فإن تجاوز أزمة الثقة يقتضي مقاربة تقوم على المسؤولية المشتركة من خلال تطوير الأداء المؤسساتي وتبسيط الإجراءات وتحسين جودة الخدمات وتعزيز الشفافية والتواصل بالتوازي مع تشجيع المواطنين والشباب على المشاركة والمبادرة

وقد مثلت الورشة في هذا السياق فضاءً أكاديميًا وتفاعليًا سمح بطرح الإشكالات المرتبطة بالعلاقة بين المواطن والمؤسسات ومناقشتها من زوايا متعددة مع الانتقال من تشخيص مظاهر الأزمة إلى التفكير في آليات عملية يمكن أن تساهم في بناء علاقة أكثر تعاونًا وتواصلًا وثقة بين الطرفين

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق