الانتخابات النصفية 2026: هل يفقد ترامب غطاءه البرلماني ويستمر بولاية “عرجاء”؟

اعداد مريم السبلاني: قسم البحوث والدراسات الاستراتجية والعلاقات الدولية 28-01-2026
تتجه الولايات المتحدة نحو انتخابات التجديد النصفي لعام 2026 في مناخ سياسي واقتصادي مشحون، تتقاطع فيه الضغوط المعيشية مع الانقسامات الحزبية وتراجع الثقة الشعبية.
وفيما تزداد المؤشرات على احتمال خسارة الجمهوريين أغلبيتهم الهشة في مجلس النواب، وربما دفعهم إلى معركة دفاعية صعبة في مجلس الشيوخ، يبقى النقاش حول ما إذا كانت هذه الخسارة، كفيلة فعلا، بتقييد أجندة الرئيس دونالد ترامب على النحو الذي يراهن عليه الخصوم.
وفق تقديرات مراكز أبحاث مالية وأسواق مراهنات، باتت خسارة الجمهوريين لمجلس النواب السيناريو الأرجح في نوفمبر المقبل، مع ترجيح يقترب من 80%. هذا التقدير لا ينطلق من تبدل مفاجئ في الخريطة السياسية بقدر ما يعكس تراكم عوامل داخلية ضاغطة، أبرزها الاقتصاد المعيشي، الذي عاد ليكون المحدد الأول لسلوك الناخب الأميركي، متقدماً على القضايا الأيديولوجية والخطاب الثقافي.
تشكل الضغوط الاقتصادية نقطة الضعف الأوضح في المشهد الجمهوري. فعلى الرغم من تحسن نسبي في مؤشرات الأسواق المالية خلال عام 2025، فإن بيانات أسعار السلع الأساسية تُظهر ارتفاعات ملموسة في الغذاء والمواد اليومية، ما يضغط مباشرة على الطبقات المتوسطة والدنيا.
هذه الفجوة بين أداء البورصة وواقع المستهلك اليومي تُعد من أكثر النقاط التي يستغلها الديمقراطيون، عبر إعادة تعريف “النجاح الاقتصادي” بوصفه قدرة الأسر على الادخار والاستهلاك، لا ارتفاع المؤشرات المالية المجردة.
في هذا السياق، كشفت تسريبات صوتية من داخل الحزب الجمهوري -رد عليها ترامب بالشتائم كما سربت الصحافة الاميركية- حجم القلق الحقيقي لدى بعض قياداته. تحذيرات السيناتور تيد كروز لترامب من “حمام دم انتخابي” إذا استمرت السياسات الاقتصادية الحالية، كانت تعبيراً عن إدراك متزايد بأن تراجع مدخرات التقاعد وغلاء المعيشة يشكلان تهديداً مباشراً للأغلبية البرلمانية. الأخطر في هذه التحذيرات أنها صدرت من داخل المعسكر نفسه، لا من خصومه، ما يمنحها وزناً سياسياً مضاعفاً.
بالمقابل، يسلك الديمقراطيون من جهتهم، مساراً أكثر انضباطاً في استثمار هذا الواقع. اذ لا تقوم استراتيجيتهم على مواجهة ترامب الشخصية، إنما على تحميل سياساته مسؤولية مباشرة عن تآكل القدرة الشرائية، مع التركيز على التناقض بين الخطاب الرئاسي الذي يعلن “انتهاء التضخم” وبين التجربة اليومية للناخب في المتاجر ومحطات الوقود.
هذا الخطاب، المدعوم باستطلاعات رأي تُظهر تحميل غالبية الأميركيين السياسات الحالية مسؤولية التدهور المعيشي، (تراجع مدخرات التقاعد بنسبة 30%، وارتفاع أسعار الغذاء بنحو 20% على سبيل المثال) يمنح الديمقراطيين أرضية صلبة لتوسيع قاعدتهم خارج المدن الكبرى.
إلى جانب الاقتصاد، يبرز عامل آخر لا يقل أهمية، وهو انشغال ترامب بالسياسة الخارجية في عامه الأول بعد العودة إلى البيت الأبيض. داخل القاعدة الجمهورية نفسها، تتزايد الانتقادات لما يُنظر إليه بوصفه تركيزاً مفرطاً على الملفات الدولية على حساب القضايا الداخلية التي صوّت الناخبون على أساسها، وفي مقدمتها التضخم والوظائف. في حين يستثمر الديمقراطيون هذا الانطباع، مقدّمين ترامب كمن أعاد ترتيب أولوياته بعيداً عن هموم الناخب الاميركي في الداخل.
ومع ذلك، لا تعني خسارة الجمهوريين المحتملة لمجلس النواب بالضرورة شلّ أجندة ترامب أو إحداث قطيعة فعلية في مسار سياساته. فالأولويات الأساسية للإدارة، ولا سيما في ملفات الهجرة والتجارة والسياسة الخارجية، جرى تمريرها في الغالب عبر أوامر تنفيذية، ما يقلّل تقريباً من تأثير أي تبدّل في تركيبة الكونغرس.
صحيح أن سيطرة ديمقراطية على مجلس النواب قد تفتح الباب أمام تحقيقات موسّعة أو محاولات عزل، إلا أن غياب الأغلبية في مجلس الشيوخ يبقي هذه المسارات بلا أفق عملي للإدانة. فالتوازن الحالي في مجلس النواب (218 جمهورياً مقابل 213 ديمقراطياً)، مع خضوع جميع المقاعد الـ435 للاقتراع خلال الانتخابات النصفية بعد أشهر، يمنح الانتخابات طابعاً تنافسياً مفتوح الاحتمالات، فيما تشير الحسابات في مجلس الشيوخ إلى معادلة تقوم على أن 35 مقعداً مطروحاً، أغلبية جمهورية قائمة عند 53–47، واحتمال لا يتجاوز 35% لقلب المجلس. وحتى في حال الوصول إلى تعادل 50–50، يبقى الصوت الحاسم لنائب الرئيس فانس، ما يفرض على الديمقراطيين تحقيق مكاسب صافية بأربعة مقاعد للسيطرة الفعلية.
وإلى ذلك، تظل القيود البنيوية حاضرة، من عتبة الستين صوتاً لكسر المماطلة إلى استحالة تجاوز الفيتو الرئاسي من دون أغلبية الثلثين.
مالياً، لا يمتلك ترامب هامشاً واسعاً للمناورة، مع عجز يناهز 6% من الناتج المحلي وقد يرتفع إلى نحو 7% إذا فُرض على الخزانة إعادة أكثر من 100 مليار دولار جُمعت عبر تعريفات IEEPA، ما يجعل أي تحفيز انتخابي جديد مستبعداً في ظل اعتراض صقور العجز داخل الحزب الجمهوري. ويُضاف إلى ذلك عنصر عدم اليقين السياسي المرتبط بإمكانية الطعن في نزاهة العملية الانتخابية أو إثارة اضطرابات مرتبطة بتطبيق قوانين الهجرة، وهي سيناريوهات، حتى لو لم تُفضِ إلى نتائج دستورية، قد تترك أثراً سلبياً واضحاً على الأسواق وتمتد تداعياتها إلى فترة “البطة العرجاء” حتى يناير عام 2027.
رغم ذلك، يدرك ترامب خطورة اللحظة. تحذيراته العلنية من العزل في حال خسارة الانتخابات تعكس وعياً بأن فقدانه للغطاء البرلماني، سيحوّل العامين المتبقيين من ولايته إلى ساحة استنزاف سياسي دائم. كما أن بروز بوادر تمرد محدودة داخل مجلس النواب الجمهوري، ولا سيما في قضايا الإنفاق والفيتو الرئاسي، يشير إلى أن الانضباط الحزبي ليس مضموناً إلى ما لا نهاية.



