أخبار العالم

الاتحاد الأوروبي وكندا يستعدان لإعلان شراكة استراتيجية واسعة أواخر أكتوبر

يتجه الاتحاد الأوروبي وكندا إلى الإعلان عن شراكة واسعة النطاق خلال القمة المرتقبة بين الجانبين في مدينة مونتريال يومي 29 و30 أكتوبر 2026، في إطار مساعٍ لتوسيع التعاون الثنائي في مجالات التجارة والطاقة والمعادن الحيوية والتكنولوجيا والدفاع والأمن الاقتصادي. وتأتي القمة في ظل إعادة ترتيب للعلاقات الاقتصادية والاستراتيجية عبر الأطلسي، وسط استمرار التوترات التجارية التي أثارتها السياسات الجمركية للإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترمب.

وتشير مسودة بيان مشترك أعدها الجانبان إلى أن القمة يمكن أن تشهد الإعلان عن عدد من الاتفاقات الجديدة، من بينها تفاهمات في مجال التجارة الرقمية والمعادن الحيوية، إضافة إلى تعاون يتعلق بالطائرات المخصصة لمكافحة حرائق الغابات. ويعكس ذلك توجهاً نحو الانتقال من الإطار السياسي العام للعلاقات الأوروبية الكندية إلى اتفاقات قطاعية أكثر تحديداً، يمكن أن تشكل أساساً لتوسيع الاستثمارات وسلاسل الإمداد المشتركة.

ويحتل ملف التجارة موقعاً مركزياً في التحرك الجديد، إذ يسعى الاتحاد الأوروبي وكندا إلى تعزيز العلاقات التجارية القائمة وتوسيع نطاقها لتشمل مجالات جديدة، خصوصاً الاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا والصناعات الاستراتيجية. ويشكل اتفاق التجارة الحرة بين الجانبين «سيتا» أساساً مهماً لهذه العلاقات، فيما أشارت المفوضية الأوروبية إلى أن حجم التجارة في السلع بين الطرفين ارتفع بنسبة 75% خلال أقل من عقد منذ بدء تطبيق الاتفاق بصورة مؤقتة.

ويبرز في هذا السياق توجه نحو تعزيز التعاون في مجال التجارة الرقمية، مع استمرار المفاوضات بين الطرفين حول اتفاق مخصص لهذا المجال. ويمكن لمثل هذا الاتفاق أن يوفر إطاراً لتنظيم عدد من القضايا المرتبطة بالاقتصاد الرقمي والتقنيات المتقدمة وتدفقات البيانات والتجارة القائمة على التكنولوجيا، في وقت يسعى فيه كل من الاتحاد الأوروبي وكندا إلى تطوير قدر أكبر من الاستقلالية الاقتصادية والقدرة على مواجهة اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية.

ويُعد ملف المعادن الحيوية أحد أهم محاور الشراكة المقترحة، في ظل تنامي المنافسة الدولية على المواد الأولية المستخدمة في الصناعات المتقدمة، بما في ذلك البطاريات والتقنيات الرقمية والصناعات الدفاعية والطاقة المتجددة. وتملك كندا موارد كبيرة من المعادن الاستراتيجية، بينما يمتلك الاتحاد الأوروبي قاعدة صناعية وتكنولوجية واسعة تحتاج إلى تنويع مصادر التوريد، وهو ما يجعل تعزيز التعاون في هذا المجال جزءاً من مساعي الطرفين إلى بناء سلاسل إمداد أكثر مرونة. وقد أكدت الحكومة الكندية والمفوضية الأوروبية خلال الأشهر الماضية أن المعادن الحيوية والأمن الاقتصادي يمثلان محوراً أساسياً في تعميق الشراكة بينهما.

ويمتد التعاون المقترح كذلك إلى قطاع الطاقة، حيث يبحث الطرفان فرص تعزيز الروابط في مجال أمن الطاقة وتنويع مصادر الإمداد. وتندرج هذه المساعي ضمن استراتيجية أوسع لدى الاتحاد الأوروبي لتقليل هشاشة سلاسل الطاقة والمواد الخام، بالتوازي مع توجه كندي نحو توسيع علاقاته الاقتصادية مع شركاء دوليين. ومن شأن تنسيق السياسات في الطاقة والمعادن أن يربط بين قدرات كندا في مجال الموارد الطبيعية واحتياجات السوق الأوروبية والصناعات المرتبطة بالتحول الطاقي.

ويأخذ التعاون التكنولوجي مكانة متقدمة في التصور الجديد للعلاقات الثنائية. فقد طرحت المفوضية الأوروبية فكرة إنشاء «تحالف تكنولوجي» مع كندا يشمل مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والأمن السيبراني والتكنولوجيا المتقدمة. ويعكس هذا التوجه محاولة لتطوير قدرات مشتركة في قطاعات باتت مرتبطة بصورة مباشرة بالأمن الاقتصادي والتنافس الصناعي والسيادة التكنولوجية.

أما على المستوى الدفاعي، فقد شهد التعاون بين الطرفين بالفعل تقدماً خلال الفترة الأخيرة، إذ دخلت الشراكة الأمنية والدفاعية بين كندا والاتحاد الأوروبي مرحلة تنفيذية، إلى جانب تعزيز التعاون الصناعي في إطار آلية «SAFE» الأوروبية. وتبحث بروكسل وأوتاوا بصورة متزايدة سبل دمج أجزاء من القاعدة الصناعية والتكنولوجية الدفاعية، وتوسيع مشاركة الشركات الكندية في بعض المبادرات الأوروبية، فضلاً عن تعزيز التعاون في مجالات الأمن السيبراني والطائرات المسيرة ومكافحة التهديدات الهجينة.

ويرتبط هذا الجانب أيضاً بالتحولات التي يشهدها الأمن الأوروبي في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا. فقد أكدت كندا والاتحاد الأوروبي دعمهما لسيادة أوكرانيا واستقلالها ووحدة أراضيها، فيما أصبح التعاون الدفاعي بينهما جزءاً من مسار أوسع لتعزيز قدرات الشركاء عبر الأطلسي وتنويع أدوات الأمن الأوروبي. كما تشمل الشراكة مجالات الحركية العسكرية وسلاسل الإمداد الدفاعية والتعاون في مواجهة التهديدات السيبرانية والهجينة.

ويأتي هذا التقارب في سياق دولي يشهد تصاعداً في الضغوط التجارية وتغيراً في أنماط التحالفات الاقتصادية. وقد دفعت السياسات الجمركية الأميركية في عهد الرئيس دونالد ترمب كندا والاتحاد الأوروبي إلى بحث سبل تعزيز الشراكات مع شركاء آخرين وتقليل نقاط الضعف المرتبطة بالاعتماد المفرط على سوق واحدة. غير أن المسؤولين الأوروبيين والكنديين يقدمون التعاون الجديد باعتباره توجهاً لتعزيز المرونة الاقتصادية والاستراتيجية، وليس بالضرورة مشروعاً موجهاً ضد طرف ثالث.

وفي هذا الإطار، طرحت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين في سبتمبرفكرة فتح المجال أمام كندا لتصبح أول «عضو منتسب» للاتحاد الأوروبي، ضمن تصور أوسع أطلقت عليه اسم «تحالف المستقبل». وتقوم الفكرة، وفق التصور الأوروبي، على إقامة فضاء مشترك للرخاء والأمن الاقتصادي والتكنولوجيا والطاقة والدفاع، من دون أن تعني عضوية كندا الكاملة في الاتحاد. ولا يزال هذا المقترح في إطار سياسي أولي ولم يتحول إلى صيغة مؤسسية نهائية.

وتعكس التحضيرات لقمة مونتريال اتجاهاً نحو إعادة تعريف طبيعة العلاقات بين بروكسل وأوتاوا، بحيث لا تقتصر على التجارة التقليدية، بل تشمل الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا والدفاع والطاقة وسلاسل الإمداد. كما أن تركيز الطرفين على تحقيق نتائج عملية من خلال اتفاقات قطاعية يشير إلى رغبة في بناء شراكة أكثر قدرة على مواجهة الاضطرابات الاقتصادية والجيوسياسية التي تشهدها البيئة الدولية.

ومن المنتظر أن تشكل قمة 29 و30 أكتوبر محطة رئيسية في هذا المسار، إذ ستوفر فرصة لتثبيت الاتفاقات الجديدة ووضع أطر تنفيذية للتعاون في القطاعات الاستراتيجية. ويبقى مستوى الطموح الفعلي للشراكة مرتبطاً بما سيتم الاتفاق عليه بصورة نهائية، ولا سيما في ملفات التجارة الرقمية والمعادن الحيوية والطاقة والدفاع، إلى جانب طبيعة الترتيبات المستقبلية بين كندا والاتحاد الأوروبي في ظل التحولات الجارية في النظام الاقتصادي والأمني الدولي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق