الأمم المتحدة… منظمة عاجزة أم رهينة القوى الكبرى؟

اعداد ادريس احميد : قسم البحوث والدراسات 03-04-2026
يطرح التساؤل نفسه حول أسباب غياب دور الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية، في ظل أحداث متفرقة مثل القضية الفلسطينية المزمنة، أزمة فنزويلا التي اختطف رئيسها من غرفة نومه، وأخيرًا الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران.
لم تكن فكرة إنشاء الأمم المتحدة وليدة لحظة عابرة، بل جاءت نتيجة مآسي إنسانية غير مسبوقة شهدها العالم خلال الحرب العالمية الثانية، التي خلّفت دمارًا هائلًا وأرواحًا بالملايين. ففي عام 1945، اجتمعت الدول المنتصرة، وعلى رأسها الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي والمملكة المتحدة وفرنسا والصين، لتؤسس منظمة دولية هدفها المعلن: حفظ السلم والأمن الدوليين، وتعزيز التنمية، ومنع تكرار كوارث الحروب.
غير أن هذا الهدف المثالي اصطدم سريعًا بواقع التوازنات السياسية. فقيام مجلس الأمن بصيغته الحالية، ومنح خمس دول دائمة العضوية حق النقض (الفيتو)، أوجد تناقضًا واضحًا بين ميثاق المنظمة القائم على المساواة بين الدول، وبين احتكار قرار الحرب والسلام من قبل قلة من القوى الكبرى. ولم يتوقف الأمر عند البنية المؤسسية، بل امتد إلى النفوذ المالي، إذ تُعد الولايات المتحدة المساهم الأكبر في ميزانية المنظمة، ما يمنحها قدرة غير مباشرة على التأثير في توجهاتها، سواء عبر التمويل أو عبر الضغط السياسي، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول استقلالية القرار الأممي.
وعلى صعيد الأداء، فإن سجل الأمم المتحدة في التعامل مع الأزمات الدولية والإنسانية يظل محل جدل واسع. فكثير من النزاعات كانت انعكاسًا لصراعات القوى الكبرى، بينما بدت المنظمة عاجزة أو متأخرة في التدخل، أو مقيدة بقرارات تلك القوى.
أما فيما يتعلق بالقيادة، فإن طريقة اختيار الأمناء العامين والمبعوثين غالبًا ما تخضع لتوازنات سياسية دقيقة، لا تخلو من تأثير القوى الكبرى، ما ينعكس أحيانًا على حيادية هؤلاء الشخصيات. ولعل ما حدث مع بطرس بطرس غالي مثال واضح، حيث لم يتم التجديد له بعد خلافات مع الإدارة الأمريكية، رغم خبرته ودوره. كما أثير الجدل حول كورت فالدهايم بسبب حملات سياسية طالت مواقفه. وفي الوقت الراهن، يواجه الأمين العام أنطونيو غوتيريش ضغوطًا متزايدة بسبب مواقفه من الحرب في غزة.
وفي هذا السياق، يفترض أن تتحلى شخصية الأمين العام بالاستقلالية والشجاعة الأخلاقية، وأن يكون قادرًا على اتخاذ مواقف واضحة تعكس مبادئ الميثاق، لا أن يقتصر دوره على إدارة التوازنات بين القوى الكبرى. فاختزال هذا المنصب في وظيفة إدارية أو “سكرتارية سياسية” يفقده جوهره القيادي، ويحوّله من صوت للشرعية الدولية إلى صدى لمصالح الدول النافذة. إن التبعية في هذا الموقع لا يمكن تبريرها باعتبارها سياسة أو حنكة دبلوماسية، بل قد تُعدّ أحيانًا مشاركة غير مباشرة في اختلالات النظام الدولي.
ولم تسلم المنظمات التابعة للأمم المتحدة من هذا التسييس؛ فقد انسحبت الولايات المتحدة في فترة من اليونسكو احتجاجًا على قبول عضوية فلسطين، في مفارقة تعكس التناقض بين الخطاب السياسي والدور الثقافي والعلمي للمؤسسات الأممية.
ولا تتوقف مظاهر التأثير السياسي عند هذا الحد، بل تمتد إلى التحكم في تمثيل الدول داخل المنظمة. ففي عام 1988، رفضت الولايات المتحدة منح تأشيرة دخول للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات لإلقاء كلمته أمام الجمعية العامة، ما دفع الدول العربية إلى نقل الجلسة إلى جنيف بعد تصويت بأغلبية ساحقة، في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ المنظمة.
كما تكررت هذه الممارسات لاحقًا، حيث منعت الولايات المتحدة مسؤولين دوليين من حضور اجتماعات الأمم المتحدة في نيويورك، مستندة إلى اعتبارات أمنية أو سياسية. ومن أبرزها عام 2025، حين رفضت منح تأشيرات للرئيس الفلسطيني محمود عباس وعدد من المسؤولين، إضافة إلى فرض قيود على مسؤولين من إيران، ومنع شخصيات أخرى خاضعة لعقوبات، مثل الرئيس السوداني السابق. وهو ما يثير جدلاً حول التزام الدولة المضيفة بضمان حياد المنظمة وحق الدول في التمثيل المتساوي.
ولم تقتصر التحديات على الضغوط السياسية، بل تجاوزتها إلى استهداف مباشر لبعثاتها ومقارها. فقد تعرّضت مواقع تابعة للأمم المتحدة خلال النزاعات المسلحة لهجمات أدت إلى سقوط ضحايا، كما حدث مؤخرًا في لبنان، حيث طالت الاعتداءات مواقع أممية في ظل التصعيد مع إسرائيل، ما يعكس تراجعًا خطيرًا في احترام القانون الدولي الإنساني ويضعف قدرة المنظمة على أداء مهامها.
كما أن استخدام مجلس الأمن كأداة لفرض العقوبات غالبًا ما أضر بالشعوب أكثر من الأنظمة، خاصة مع تكرار استخدام الفيتو لحماية حلفاء بعينهم، كما هو الحال في القضية الفلسطينية التي ظلت لعقود دون حل عادل، رغم صدور قرارات دولية واضحة.
وفي خضم التوترات الدولية الراهنة، يبدو صوت الأمم المتحدة خافتًا، بل يكاد يغيب في بعض الأحيان، ما يعكس تراجع مكانتها وتأثيرها، في وقت تتصاعد فيه المخاطر التي تهدد الأمن والاستقرار الدوليين.
ورغم ما قدمته المنظمة من جهود إنسانية وتنموية عبر وكالاتها، إلا أن استمرارها في أداء دور فعال يتطلب إصلاحًا عميقًا في بنيتها وآليات عملها، بما يضمن استقلالية القرار وعدالة التمثيل.
خاتمة:
ولا يمكن أن تسود العدالة الحقيقية، التي تمثل أساس الديمقراطية الفعلية، طالما استمرت سياسات ازدواج المعايير التي يمارسها الأقوياء على الضعفاء، مستخدمينهم شماعة لتصفية الحسابات السياسية بدلًا من ضمان الحقوق والمبادئ الدولية. والعالم اليوم بحاجة إلى نظام دولي أكثر توازنًا وعدالة، يرفع من شأن التعاون والتنمية، ويترك الحرب والتلاعب بالسيادة جانبًا، لضمان أمن شعوب العالم جميعًا، الصغرى والكبرى على حد سواء.



