الأسبوع الثالث من الحرب يضع ترامب أمام قرار استراتيجي حاسم

قسم البحوث والدراسات الاستراتجية الامنية والعسكرية 17-03-2026
مع دخول الحرب أسبوعها الثالث، يجد الرئيس الأمريكي نفسه أمام مفترق طرق حاسم، بين مواصلة التصعيد العسكري رغم كلفته المتزايدة، أو البحث عن مخرج من صراع يتسع إقليمياً ويهدد بإعادة تشكيل موازين القوى والاقتصاد العالمي.
ونشرت صحيفة نيويورك تايمز مقالا للصحفيين ديفيد سانغر وإريك شميت وتايلر بيجر ورونين بيرغمان وجوليان بارنز قالو فيه إن الرئيس ترامب، وبعد أسبوعين من الحرب التي شنّها ضد إيران، يواجه خيارا حاسما: إما الاستمرار في المعركة لتحقيق الأهداف الطموحة التي وضعها، أو محاولة الانسحاب من صراع متصاعد ومتفاقم يُولّد صدمات عسكرية ودبلوماسية واقتصادية مدمرة.
وأضافت الصحيفة أنه سرعان ما اكتشف أن كلا الخيارين ينطوي على إشكاليات كبيرة، وعواقب قلّل هو وفريقه من شأنها عندما زج بالولايات المتحدة، إلى جانب إسرائيل، في أكبر حرب في الشرق الأوسط منذ ما يقرب من ربع قرن.
وتابعت أنه بإمكانه الاستمرار في محاربة عدو منهك، أثبت مع ذلك براعته في استنزاف الولايات المتحدة وحلفائها اقتصاديا، مسببا اضطرابات حادة في أسواق الطاقة العالمية، وموجها ضربات لعشرات الدول في المنطقة.
وأشارت إلى أن الاستمرار في القتال سيعرض المزيد من أرواح الأمريكيين للخطر ويزيد من التكاليف المالية ويهدد بتفاقم توتر التحالفات. فيما يسود القلق بين قاعدة ترامب السياسية إزاء هذا التراجع الحاد عن تعهده بتجنب توريط البلاد في المزيد من الحروب.
وتابعت أنه بإمكانه البدء بالانسحاب، رغم أن معظم أهدافه، بما في ذلك ضمان عدم امتلاك إيران القدرة على إنتاج سلاح نووي مستقبلا، لم تتحقق بعد.
وأضافت أن مسؤولون يقولون إن أبرز الإنجازات العسكرية للعملية الأمريكية الإسرائيلية المشتركة حتى الآن تمثّلت في تدمير جزء كبير من ترسانة الصواريخ الإيرانية ودفاعاتها الجوية وشل أسطولها البحري.
لكن نظاما دينيا متشددا لا يزال في السلطة، يقوده على ما يبدو نجل المرشد الأعلى السابق آية الله علي خامنئي الذي قتل في بداية المعركة وأقسم بالفعل على مواصلة استخدام القدرات غير المتكافئة لإيران، من الهجمات الإلكترونية إلى زرع الألغام البحرية وشن ضربات صاروخية على أهداف في المنطقة.
وأشارت إلى أنه إذا غادر ترامب الآن، فإن مخزون الوقود النووي القابل إلى حد ما لصنع القنابل، والذي يمثل جوهر المخاوف من قدرة إيران على تصنيع عشرة قنابل نووية أو أكثر، سيبقى داخل الأراضي الإيرانية.
وقال وزير الخارجية ماركو روبيو مع بداية الحرب مباشرة: “سيتعين على الناس الذهاب والحصول عليه”، في إشارة إلى عملية برية لاستعادة المواد من مخازن تحت الأرض في قلب إيران، وهي عملية بالغة الخطورة قال ترامب إنه يدرسها لكنه غير مستعد لإصدار أمر بها.
وتقوم الولايات المتحدة بنشر 2,500 جنديا من مشاة البحرية في الشرق الأوسط، إضافة إلى 50,000 جنديا مرابطين هناك بالفعل، وذلك بعد هجوم القوات الأمريكية على جزيرة خارك، الميناء البحري الضخم الذي يستقبل غالبية صادرات النفط الإيرانية.
ورغم تأكيد وزير الدفاع بيت هيغسيث أن نجاح إيران في تهديد حركة الملاحة عبر مضيق هرمز لا يدعو للقلق، إلا أن هذا الممر المائي الحيوي لا يزال شبه مغلق، مما يعرقل جزءا كبيرا من التجارة العالمية، وخاصة تجارة النفط، وقد ناشد ترامب الصين وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية وبريطانيا لإرسال قوات بحرية لتأمين المضيق.
وتابعت الصحيفة أنه بحلول يوم السبت أيضا، شوهدت أعمدة دخان تتصاعد من ميناء تجاري نفطي رئيسي في الإمارات العربية المتحدة عقب هجوم بطائرة مسيرة. وللتخفيف من حدة ارتفاع الأسعار، علّقت الولايات المتحدة العقوبات المفروضة على بعض مبيعات النفط الروسي. وتعرضت السفارة الأمريكية في العراق لهجومين في الأيام الأخيرة.
وتابعت أن تردد ترامب علنا بشأن خياراته المتعلقة بالبقاء أو الانسحاب، حيث أشار تارة إلى أن الحرب قد حسمت تقريبا، بينما بدا تارة أخرى وكأنه يقر بأن هناك قتالا عنيفا لا يزال ينتظرنا. وقال الرئيس، الذي أكد بأنه أمر بالهجوم لأنه كان لديه “شعور جيد” بأن إيران تستعد لشن هجوم استباقي على القوات الأمريكية في المنطقة، إنه سيعتمد أيضا على حدسه في تحديد الوقت المناسب للانسحاب. وقال لقناة فوكس نيوز إنه “سيشعر بذلك في أعماقه”.
وأشارت إلي أنه في الأسبوع الثاني من الحرب، أدركت إدارة ترامب أن استعداد إيران وقدرتها على زعزعة الاقتصاد العالمي عبر إغلاق مضيق هرمز يفوقان توقعات المسؤولين، وكذلك قدرة طهران على توسيع نطاق الحرب في المنطقة، وذلك وفقا لمقابلات مع مسؤولين في الولايات المتحدة وإسرائيل، تحدث العديد منهم شريطة عدم الكشف عن هويتهم.
وأضافت أن ترامب كان يلمح مرارا وتكرارا إلى أن الانتصار في الحرب بات وشيكا، واصلت الولايات المتحدة وإسرائيل تصعيد وتيرة عملياتهما، وواصلت الولايات المتحدة حشد المزيد من الموارد العسكرية في المنطقة. وظهرت مؤشرات على أن الشراكة الأمريكية الإسرائيلية تشهد توترا. وأبدى بعض الجمهوريين قلقهم من أن القاعدة السياسية لترامب، التي تشكك بشدة في التدخلات الأجنبية، قد تتفكك إذا ما ازداد الالتزام الأمريكي وتزايدت الخسائر الأمريكية.
ولفت إلى أن كارولين ليفيت، السكرتيرة الصحافية للرئيس، قالت يوم السبت: “لقد اتخذ قرارا بتحمل مخاطر ارتفاع أسعار النفط على المدى القصير، من أجل تحقيق فائدة طويلة الأمد تتمثل في القضاء على التهديد الذي تشكله إيران على الولايات المتحدة. إنه يدرك تماما أن مثل هذه العمليات تُقاس بنتائجها. وإذا تمكنت الولايات المتحدة من القول إن القدرات العسكرية الإيرانية قد تم القضاء عليها، فإن الرئيس يعلم أن ذلك سيكون أحد أعظم إنجازات أي رئيس في العصر الحديث”.
واختتمت قائلة: “الرئيس مصمم على ضمان تحقيق أهداف عملية ‘الغضب الملحمي’ بالكامل”.
حتى لو كان ترامب محقا، فإن آثار ذلك ستستمر لسنوات، أو حتى لعقود. وقال هوشيار زيباري، وزير الخارجية ونائب رئيس الوزراء العراقي السابق، إنه بينما يعتقد أن اغتيال آية الله علي خامنئي كان “نهاية حقبة” للمنطقة، إلا أنه لم يكن مقتنعا بأنه يعني نهاية الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
وأضاف: “إنهم يقاومون وإنهم صامدون. هذه حرب بين التكنولوجيا والأيديولوجيا. الإيرانيون محاصرون ووضعهم صعب، لكن بالنسبة لهم، الأمر: مسألة حياة أو موت”.
إعادة فتح المضيق؟
في اجتماع عقد في المكتب البيضاوي الأسبوع الماضي، ضغط ترامب، المحبط، على الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، متسائلا عن سبب عدم قدرة الولايات المتحدة على إعادة فتح مضيق هرمز فورا.
كان الجواب واضحا: حتى جندي إيراني واحد أو عنصر من الميليشيات، يعبر المضيق الضيق بسرعة في زورق سريع، يمكنه إطلاق صاروخ متحرك مباشرة على ناقلة نفط عملاقة بطيئة الحركة، أو زرع لغم لاصق على هيكلها.
وبحسب معايير البنتاغون – “السيطرة الجوية الكاملة”، كما وصفها هيغسيث، بالإضافة إلى إغراق جزء كبير من البحرية الإيرانية وتدمير مئات الصواريخ وقاذفاتها – فإن الجيش الأمريكي متقدم على الجدول الزمني المحدد.
وقال هيغسيث للصحافيين خلال إحاطة في البنتاغون: “إيران لا تملك دفاعات جوية، ولا قوة جوية، ولا بحرية”. وأفاد البنتاغون أن إيران تطلق الآن صواريخ أقل بنسبة 90 بالمئة مما كانت عليه في بداية الحرب، وطائرات مسيرة هجومية أحادية الاتجاه أقل بنسبة 95بالمئة.
وأردفت الصحيفة أن المشكلة تكمن في أن تدمير قواتها التقليدية لم يقضِ على قدرة إيران على بث الفوضى، حتى في وضعها الضعيف. وبعد خمس سنوات من التعامل مع ترامب، يبدو أن الإيرانيين يدركون أن ارتفاع أسعار النفط وتراجع أسواق الأسهم يشكلان نقاط ضغط قوية عليه.
كان مضيق هرمز خير دليل على قدرة إيران على استغلال ميزة غير متكافئة. فعلى الرغم من تكثيف الضربات في الأيام الأخيرة ضد ما تبقى من البحرية الإيرانية، إلا أن حركة الملاحة عبر المضيق قد توقفت تقريبا.
وأضافت أن الحل الأكثر تداولا هو قيام البحرية الأمريكية بمرافقة السفن التجارية عبر مضيق هرمز، وهي عملية مكلفة ومحفوفة بالمخاطر، وقد أقر مسؤولون في الإدارة الأمريكية بأنها قد تستغرق أسابيع لتنفيذها. ستحتاج الولايات المتحدة إلى تجميع المزيد من السفن والمعدات الدفاعية، وشن المزيد من الهجمات على الأسلحة الإيرانية التي تهدد المضيق.
ولفت أن الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأمريكية التي تشرف على المجهود الحربي، سافر إلى واشنطن لعقد اجتماع دام ساعتين مساء الخميس في البنتاغون مع هيغسيث والجنرال كين لمناقشة الاستراتيجية وإرسال قوات إضافية.
في اليوم التالي، صرح مسؤولون أمريكيون بأن نحو 2,500 جنديا من مشاة البحرية الأمريكية، على متن ثلاث سفن حربية على الأقل، سيقطعون مهمتهم في منطقة المحيطين الهندي والهادئ للتوجه سريعا إلى الشرق الأوسط.
وقال مسؤول عسكري أمريكي رفيع المستوى، يوم الأحد، بأنه سيتم بذل جهد دولي لضمان تدفق النفط والبضائع عبر المضيق.
ولكن بينما كان القادة الأمريكيون يستقدمون تعزيزات، كان الإيرانيون يفعلون الشيء نفسه – من نوع مختلف. فقد كوّنت إيران قوة إلكترونية متميزة بعد أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوما إلكترونيا متطورا على أجهزة الطرد المركزي النووية الإيرانية قبل أكثر من 16 عاما. والآن، يتم استدعاء قراصنة إيرانيين لاستهداف مواقع في كل من إسرائيل والولايات المتحدة.
وأردفت أن شركة سترايكر، وهي شركة مصنعة للمعدات الطبية المتقدمة في ميشيغان، كانت من أبرز المتضررين. تم تعطيل أنظمتها الأسبوع الماضي، وأعلنت منظمة قرصنة تُدعى حنظلة مسؤوليتها عن الهجوم، قائلة إنه جاء ردا على الهجوم الذي استهدف مدرسة ابتدائية في جنوب إيران.
توترات جديدة مع إسرائيل
وأشارت إلى أنه في الأيام التي سبقت الحرب في أواخر فبراير، أبلغ مسؤولون إسرائيليون كبار رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أنه إذا نجحت الضربة الأولى على إيران في قتل جزء كبير من المؤسسة الأمنية الإيرانية، بمن فيهم المرشد الأعلى، فهناك احتمال كبير لاندلاع احتجاجات ضد الحكومة مجددا وبسرعة.
ويبدو أن نتنياهو قد أقنع ترامب بهذه الفكرة، فضمنها في رسالته إلى الشعب الإيراني صباح يوم الهجوم الأول. قال ترامب: “عندما ننتهي، تولّوا زمام الأمور. ستكون لكم”.
بدا هذا الكلام بعيد المنال للكثيرين آنذاك. ففي الأسبوعين التاليين، لم تشهد ساحات طهران الرئيسية سوى مسيرات مؤيدة للحكومة.
وكان كل من ترامب والأدميرال كوبر، قائد القيادة المركزية الأمريكية، قد حذرا الإسرائيليين من استهداف خزانات النفط الكبيرة خارج طهران، خشية أن يؤدي هذا الهجوم إلى رد الإيرانيين بضرب المزيد من أهداف الطاقة في المنطقة، وذلك وفقا لمصادر مطلعة على الوضع.
وتابعت أن نتنياهو تجاهل النصيحة، وشنت إسرائيل هجوما على المستودعات يوم السبت الماضي، ما أدى إلى اندلاع حرائق هائلة وارتفاع أولي في أسعار النفط. داخل البيت الأبيض، اقتنع المسؤولون بأن نتنياهو أراد مشاهد درامية لطهران وهي مغطاة بدخان الدمار الأسود.
وقال مسؤول في البيت الأبيض إن وجهة النظر الإسرائيلية كانت أن الخزانات المحترقة ستحدث فوضى داخلية في القيادة الإيرانية. لكن ما أسفر عنه الأمر في النهاية هو المزيد من غارات الطائرات الإيرانية المسيرة على منشآت تكرير وتخزين النفط في السعودية والإمارات. وأدت تلك الغارات إلى توقف تحميل النفط يوم السبت في الفجيرة، أحد أكبر موانئ التصدير في الإمارات.
وأشارت إلى أن الجبهة الثانية لإسرائيل في لبنان شهدت توترا مماثلا، مع تجدد الهجمات على حزب الله، الموالي لإيران. ترى إدارة ترامب أن هذه الغارات لا تزيد إلا من خطر اتساع رقعة الصراع، بينما تستنزف الموارد والاهتمام بعيدا عن الهدف الرئيسي. أما نتنياهو، فيرى أن إيران وحزب الله لا ينفصلان، وأن الوقت المناسب لمهاجمة هذه المنظمة الإرهابية هو عندما تكون القيادة الإيرانية منشغلة جدا بمعاركها الداخلية لدرجة تمنعها من تقديم المساعدة.
قرارات ترامب المقبلة: جزيرة خارك والمستودع النووي
وقال ترامب في بداية النزاع بأنه يتوقع أن يستمر القتال من أربعة إلى ستة أسابيع، ويؤكد مسؤولو البيت الأبيض أن هذا التوقع لا يزال قائما، وهذا يعني أن الحرب من المرجح أن تستمر حتى موعد زيارة ترامب المرتقبة إلى الصين في نهاية مارس، والتي كان من المفترض أن تركز على قضايا التجارة والأمن.
لا شك في أن الحرب ستطغى على قمة بيجين. ففي العام الماضي، استخدم الرئيس الصيني شي جين بينغ سيطرته على المعادن الأرضية النادرة والمغناطيسات الحيوية لإجبار ترامب على التراجع عن فرض الرسوم الجمركية؛ والآن عليه أن يواجه احتمال أن يتمكن ترامب هذا العام من السيطرة على شحنات النفط إلى المصافي الصينية من فنزويلا، وربما من إيران أيضا، تبعا لتطورات الحرب.
وحتى مع استعداده للقمة، سيواجه ترامب قرارين مصيريين في هذه الحرب: هل يهاجم، بقوات برية، جزيرة خارك ومنشآت تخزين المواد النووية التي يعتقد أنها تحوي نحو 970 رطلا من اليورانيوم شبه القابل للاستخدام في قنبلة. وكلا الخيارين يطرح تحديات عملية.
وفرض السيطرة على الجزيرة يعني أنه سيحكم السيطرة على الميناء الذي تصدر إيران منه معظم نفطها ولكن الوصول إلى اليورانيوم المخصب فمسألة أصعب وخاصة أن مدفون تحت الأرض بعد الغارات الأمريكية عليه العام الماضي.



