إيران ما بعد خامنئي: النظام البنيوي والاستمرارية الاستراتيجية في مواجهة صدمة الاغتيال

إعداد مريم مايدي: قسم البحوث والدراسات الاستراتجية 09-03-2026
يوم الثامن والعشرين من فبراير 2026 اغتيل المرشد الأعلى علي خامنئي إثر ضربات صاروخية أمريكية–إسرائيلية مشتركة استهدفت طهران وأصفهان وكرمانشاه وكرج. وقد انصرف الخطاب الإعلامي السائد فور الإعلان عن الحدث إلى توصيف إيران بـ”الدولة المنكوبة” التي شارفت على الانهيار.
غير أن هذه القراءة تفتقر إلى الدقة التحليلية؛ فالاغتيالات السياسية لا تُعالج منظومات الحكم الراسخة بمعزل عن سياقها البنيوي، بل كثيراً ما تكشف عن متانتها وتُحفّز آليات إعادة إنتاجها. وجمهورية إيران الإسلامية، وإن كانت تواجه اليوم اختباراً عسيراً، تمتلك من الأدوات البنيوية والاستراتيجية ما يُمكّنها من استيعاب الصدمة وتجاوزها.
ينتظم هذا المقال حول ثلاثة مستويات تحليلية متشابكة: طبيعة النظام الإيراني بوصفه نظاماً مؤسسياً يُضفي على المرشد صلاحيات استثنائية دون أن يختزله فيه؛ والقدرات الاستراتيجية الإيرانية التي تتجاوز في أثرها شخص المرشد؛ ومسارات الخلافة الممكنة ودلالاتها الجيوسياسية إقليمياً ودولياً.
النظام المؤسسي: ما وراء شخص المرشد
من الأخطاء المنهجية الشائعة في تحليل الأنظمة السياسية غير الليبرالية الخلط بين المركزية القرارية والشخصانية البنيوية. صحيح أن خامنئي كان يتمتع بصلاحيات دستورية واسعة، وأن شخصيته الفقهية والسياسية طبعت مرحلة مديدة امتدت ستاً وثلاثين سنة، غير أن جمهورية إيران الإسلامية بنت على مدى عقود شبكةً مؤسسيةً معقّدة تشمل: مجلس خبراء القيادة، ومجلس صون الدستور، ومجمع تشخيص مصلحة النظام، فضلاً عن القيادة المزدوجة للقوات المسلحة والحرس الثوري. وتشكل هذه البنية آلية توافق وتحكيم تعمل حتى في غياب المرشد.
والدليل على ذلك أن النظام الإيراني اجتاز بنجاح انتقال سلطة واحداً من قبل، وإن كان في سياق أقل حدةً: خلافة خامنئي لمؤسس الجمهورية الإمام الخميني عام 1989، في لحظة كانت فيها الدولة تعاني إرهاق حرب ثمانية أعوام واحتدام الخلافات الداخلية حول التوجه الاقتصادي وطبيعة النظام. ولم يشهد آنذاك انهيار الجمهورية؛ بل خرجت من ذلك الانتقال أكثر مأسسةً وانضباطاً، بما يمثّل ذاكرةً تنظيمية وآليةً احتياطية في الوقت ذاته.
الحرس الثوري.. القوة البنيوية المهيمنة
شكّل الحرس الثوري الإيراني (الباسداران) العمود الفقري الفعلي للدولة الإيرانية، لا بمعنى الهيمنة العسكرية الصريحة، بل بمعنى أعمق: الاندماج العضوي مع مؤسسات الدولة الاقتصادية والأمنية والسياسية. وتقدّر التقارير أن مؤسسات الحرس وشركاته الاقتصادية تسيطر على ما بين ثلاثين وأربعين بالمئة من الناتج المحلي الإيراني، وهي نسبة تحوّل هذه المؤسسة من قوة عسكرية إلى فاعل دولتي بالمعنى الاجتماعي الشامل.
في لحظة الخلافة، لن يقرر مجلس الخبراء وحده طبيعة المرشد القادم؛ إذ ستمارس قيادة الحرس الثوري، وفق أنماط راسخة في تاريخ الجمهورية، ضغطاً انتقائياً يوجّه الاختيار الرسمي نحو شخصية تضمن الاستمرارية المؤسسية. وهذا النمط ليس استثناءً، بل هو جزء من منطق الأنظمة التي تعوّض غياب التداول الليبرالي بتوافقات نخبوية غير معلنة. والأهم أن العقيدة الاستراتيجية للحرس، القائمة على دعم قوى الوكالة الإقليمية وتوظيف الغموض النووي أداةً للردع، لا تتوقف على هوية المرشد؛ فهي مضمنة في البنية التنظيمية للمؤسسة ذاتها، وقد أثبتت صمودها أمام موجات الاحتجاج الداخلي والضغط الخارجي على حد سواء.
ثوابت الاستراتيجية الإيرانية وأثر الاغتيال عليها
على عكس ما تظهره تحليلات تفترض أن الاغتيال ينهي المسار الاستراتيجي لدولة كإيران، فإن العقيدة الاستراتيجية الإيرانية قائمة على ثلاثة محاور ثابتة منذ عقود:
- محور الردع بالوكالة عبر شبكة من الفصائل الإقليمية الممتدة من لبنان إلى اليمن والعراق وغزة؛
- ومحور الغموض النووي بوصفه ورقة ضغط دبلوماسية لا تختزلها الدوافع الأيديولوجية وحدها؛
- ومحور الاندماج الاستراتيجي مع القوى المعارضة للنظام الدولي الراهن، وفي مقدمتها روسيا والصين.
هذه المحاور الثلاثة لا تنهار باغتيال مرشد؛ إنها أعمق في البنية من أي قرار فردي.
بل إن الاغتيال قد ينتج أثراً عكسياً على المدى المتوسط؛ فهو يعزز الرواية الرسمية الإيرانية عن التهديد الوجودي الخارجي، ويعيد توحيد النخب حول ضرورة الصمود، ويضعف قدرة التيارات الإصلاحية والبراغماتية على المطالبة بمراجعة منهجية للاستراتيجية الخارجية. وقد أثبت التاريخ السياسي المقارن أن الضغط الخارجي الحاد، حين يستهدف رمزاً مركزياً، كثيراً ما يصلّب البنى الداخلية ويعمّق تماسكها بدلاً من أن يضعفها.
مسارات الخلافة: الشخصيات والدلالات الاستراتيجية
أعلنت إيران رسمياً تشكيل مجلس قيادة مؤقت في انتظار انتخاب مرشد جديد من مجلس الخبراء. وتتقاطع في فضاء الخلافة عدة شخصيات محتملة، لكل منها ثقل مؤسسي مختلف ودلالة استراتيجية متمايزة.
يبرز مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل، بوصفه أحد أبرز المرشحين؛ إذ يمتلك نفوذاً عميقاً داخل الحرس الثوري والأجهزة الأمنية، ويحظى بشبكة علاقات راسخة داخل مؤسسات الحوزة، مما يجعله شخصية ذات ثقل مؤسسي مزدوج. ويجمع علي لاريجاني، المفاوض النووي السابق والمستشار البارز، بين قبول المؤسسة الدينية والإلمام بمنطق التفاوض الدولي، مما يجعله خياراً توافقياً في مرحلة تستدعي إعادة تحديد خطوط التماس الدولية.
وعلى صعيد المؤسسة الدينية التقليدية، يمثل علي رضا أعرافي، عضو مجلس صيانة الدستور ونائب رئيس مجلس الخبراء، ثقل الحوزة في قم وامتدادها المؤسسي في مراكز القرار.
فيما يمثل محمد مهدي ميرباقري، رئيس أكاديمية قم للعلوم الإسلامية وعضو مجلس الخبراء، شخصية فقهية بارزة ذات حضور راسخ في الفضاء الديني والسياسي. ويحمل حسن الخميني، حفيد مؤسس الجمهورية، رمزية استثنائية بوصفه امتداداً لإرث الثورة وصوتاً بارزاً في التيار المعتدل.
ويضاف إلى هؤلاء حسن روحاني، الرئيس السابق ذو الولايتين، الذي يجسّد خيار الانخراط الدبلوماسي وإعادة التموضع في المنظومة الدولية.
وأياً كان المرشد القادم، فإن هامش مناورته سيكون محكوماً بتوازنات المؤسسات القائمة أكثر مما سيكون نتاج رؤيته الشخصية، وهو ما يعني أن استمرارية العقيدة الاستراتيجية الإيرانية تبقى أرجح من سيناريو القطيعة.
إيران والنظام الإقليمي.. مصلحة البقاء البنيوي
يدور في الأوساط التحليلية جدل حول مدى تأثير غياب خامنئي على تماسك محور المقاومة. والحجة الداحضة لسيناريو التفكك أمتن مما توحي به القراءات الأولية؛ فالفصائل المرتبطة بإيران لا تدار في معظمها بأوامر شخصية مباشرة من المرشد، بل تعتمد على شبكة من الضباط والمستشارين المنتشرين في الهياكل الميدانية، وتستند إلى مصالح محلية متجذرة تتجاوز في عمقها أي علاقة تبعية شخصية. فضلاً عن ذلك، فإن الضغط العسكري الإسرائيلي المتصاعد يوحّد هذه الفصائل حول مصلحة الصمود ويضيّق أمامها هامش إعادة التموضع.
على الصعيد الدولي، تمثل الشراكة الإيرانية مع روسيا والصين معادلة مصلحية بالأساس، لا اندماجاً أيديولوجياً يتوقف على هوية الحاكم. فموسكو وبكين لديهما مصلحة استراتيجية واضحة في إيران مستقرة وفاعلة؛ إذ تمثل ورقة ضغط على الغرب وممراً لتجاوز منظومة العقوبات في آن معاً. ومن المرجح أن تنشطا دبلوماسياً لدعم المرحلة الانتقالية وتثبيت أي قيادة تضمن استمرار هذه الشراكة، بصرف النظر عن هوية المرشد القادم.
خاتمة
إن الاغتيال الذي طال علي خامنئي حدث بالغ الأثر، لكنه لا يعادل نهاية الجمهورية الإسلامية ولا حتى بداية نهايتها. ما يفعله هذا الاغتيال هو أنه يعرّض البنية السياسية لاختبار من أشد الاختبارات، ويكشف عن الخطوط الداخلية الكامنة، ويستدعي قدرة على إعادة الإنتاج المؤسسي لم تختبر بهذه الحدة من قبل.
غير أن المعطيات البنيوية تشير في مجملها إلى أن النظام الإيراني لا يزال يمتلك من الأدوات المؤسسية ما يمكنه من إدارة الانتقال. الحرس الثوري موحد المصلحة، البنية الدستورية توفر غطاءً إجرائياً، الشبكة الإقليمية لا تزال عاملة، والشركاء الاستراتيجيون الكبار لديهم مصلحة في الاستمرارية.
هذا لا يعني غياب الهشاشة، لكنه يعني أن من يراهن على الانهيار السريع يسيء قراءة طبيعة هذا النظام وعمق جذوره.
والسؤال الأجدر بالطرح ليس: هل تنهار إيران؟
بل: أي إيران ستنبثق من هذا الانتقال؟
دولة أكثر انغلاقاً تتحصّن خلف خطاب الشهادة والاستهداف؟
أم دولة تتقن قراءة المتغيرات وتجري مراجعة هادئة لتكاليف العزلة؟
والإجابة ستحدد ملامح الشرق الأوسط في العقد القادم.



