إيران بين استنزاف داخلي ممنهج مدعوم خارجيًا وحرب اعلامية نفسية غربية

قسم البحوث والدراسات الاستراتجية والعلاقات الدولية 11-01-2026
المظاهرات وأعمال الشغب في إيران والحرب الاعلامية
في الأيام الأخيرة، دخلت الساحة الإيرانية مرحلة جديدة من التصعيد الأمني، تجاوزت فيها التطورات حدود الاحتجاجات المطلبية التقليدية، لتأخذ طابعًا تخريبيًا منظمًا ومتعدد الأدوات.
فالمشهد الذي يتكشف على الأرض لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق إقليمي ودولي أوسع، تتداخل فيه الضغوط السياسية والاقتصادية مع حرب نفسية وإعلامية مركّبة، وسط اتهامات مباشرة للولايات المتحدة والكيان الصهيوني بإدارة هذه الاضطرابات عبر أدوات داخلية وشبكات تحريض رقمية.
اللافت في هذه التطورات أن ما تشهده بعض المدن والمحافظات الإيرانية لم يعد يندرج ضمن إطار التعبير السلمي عن الرأي أو المطالب المعيشية، بل بات أقرب إلى عمليات شغب وتخريب ممنهجة استهدفت مرافق عامة وخاصة، ومزارات دينية، ومبانٍ حكومية وسكنية.
هذا التحول النوعي في طبيعة الأحداث يعكس انتقال المواجهة إلى مستوى أكثر تعقيدًا، تسعى فيه الجهات المحرّكة إلى إحداث صدمة أمنية واجتماعية تتجاوز مجرد الضغط السياسي.
ورغم محاولات وسائل إعلام معادية تصوير ما يجري على أنه حراك شعبي واسع، تشير المعطيات الميدانية إلى أن مجموعات مدرّبة تقف خلف أعمال الحرق والتكسير والاعتداءات.
فأساليب التحرك، وطريقة اختيار الأهداف، وتزامن العمليات في أكثر من منطقة، كلها مؤشرات على وجود تنظيم وتخطيط احترافي، يهدف إلى استنزاف القوات الأمنية وإيقاع الخسائر في صفوف المدنيين على حد سواء.
وقد أظهرت مشاهد بثّتها وسائل إعلام إيرانية، وتداولها ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، حجم الدمار الذي طال مباني حكومية وسكنية، إضافة إلى تكسير المحال التجارية ونهب محتوياتها وتحطيم السيارات في الشوارع العامة، ما أسفر عن سقوط شهداء وجرحى.
إلى جانب الميدان، تدور معركة موازية لا تقل خطورة في الفضاء الرقمي. فالهجمات الخارجية تتركز على ثلاث جبهات أساسية:
- أولها الحرب النفسية عبر بث أخبار مضللة ومحرضة تهدف إلى زرع الخوف وإيصال صورة عن انهيار الدولة.
- وثانيها التزييف الرقمي، من خلال استخدام فيديوهات مفبركة وتقنيات تركيب الأصوات لتضخيم الأحداث وتشويه الواقع.
- أما الجبهة الثالثة، فتتمثل في إثارة الانقسامات الداخلية، عبر استغلال القومية والولاءات الفرعية، في محاولة لضرب وحدة المجتمع الإيراني من الداخل.
القوات الأمنية الإيرانية أكدت في بياناتها أن مجموعات إثارة الشغب تتلقى دعمًا خارجيًا مباشرًا، ولا سيما من الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي. وتستند هذه الاتهامات، وفق الرواية الرسمية، إلى معطيات استخبارية وإلى تصريحات علنية لمسؤولين أميركيين وإسرائيليين، في مقدمتهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب ووزير الخارجية الأميركي الأسبق مايك بومبيو، اللذين لم يُخفيا في مراحل سابقة دعمهما لمحاولات الضغط على إيران داخليًا وخارجيًا.
وبحسب مراقبين، فإن لجوء واشنطن إلى هذا النمط من التخريب والإرهاب الداخلي يعكس فشل خيارات المواجهة العسكرية المباشرة، ولا سيما بعد أحداث يونيو الماضية، التي أظهرت كلفة أي تصعيد عسكري مفتوح. وفي هذا السياق، تُقرأ أيضًا محاولات إعادة تدوير شخصيات من الماضي، كالترويج لنجل الشاه المخلوع، في مسعى لإحياء إرث ديكتاتوري فقد شرعيته شعبيًا وتاريخيًا، ويصطدم بذاكرة جمعية لا تزال تستحضر تجربة الحكم الملكي بوصفها مرحلة قمع وارتهان للخارج.
في المقابل، تعتمد الجمهورية الإسلامية ما تصفه بـ”الدفاع النشط”، القائم على الجمع بين الإصلاحات الداخلية، والجاهزية الأمنية والعسكرية، والتعامل المتدرج والحازم مع أعمال الشغب.
هذا النهج، وفق التصريحات الرسمية، يهدف إلى تفكيك الموجة التخريبية ومنع توسعها، من دون الانزلاق إلى إجراءات قد تمس بالسلم الاجتماعي أو تؤدي إلى شرخ داخلي واسع.
في المحصلة، يبقى رهان الدولة الإيرانية، كما تؤكد قيادتها، على وعي الشعب وتمسكه بخياراته الوطنية، باعتبارهما خط الدفاع الأول في مواجهة محاولات الاختراق والتخريب. وتُظهر التجارب السابقة أن الإرهاب، مهما بلغ حجم الدعم الخارجي الذي يحظى به، يبقى عاجزًا عن زعزعة دولة متماسكة تستند إلى وحدة مكوناتها الاجتماعية والسياسية.
ومن هنا، تبدو المعركة الحالية أبعد من كونها اضطرابات عابرة، لتتحول إلى اختبار جديد لقدرة إيران على الصمود في وجه حرب مركبة تتخذ من الداخل ساحة، ومن الإعلام والفضاء الرقمي سلاحًا أساسيًا.



